صرخة من الماضي
الفصل 17 — مرآة الذكريات
بقلم سامر الخفي
الفصل 17 — مرآة الذكريات
كانت الغرفة التي كانت مخصصة لوالدتها بمثابة بوابة إلى عالم من الذكريات المتشابكة. بعد اكتشاف الصندوق الصغير، شعرت سارة بأنها على وشك الغوص في أعماق قصة عائلتها، قصة بدأت تتكشف خيوطها المعقدة أمام ناظريها. الرسائل القديمة، الخاتم الفضي، والقطعة القماشية المطرزة، كلها كانت أدلة صامتة، تنتظر من يفك رموزها.
جلست سارة على الأرض، بجانب الصندوق، والحجر ما زال موضوعاً على الطاولة القريبة. رفعت أول رسالة، وكانت مكتوبة بخط والدتها الأنيق، ولكن بدا عليه بعض الاهتزاز. قرأت بصوت خافت: "يا ابنتي الغالية، إذا وقعت هذه الرسالة في يديك، فهذا يعني أنني لم أعد معك، وأن الخطر قد اقترب. أتمنى أن تكوني قوية، وأن تتحلي بالشجاعة التي أعرف أنها فيك."
شعرت سارة بدموع تتجمع في عينيها. كانت كل كلمة تحمل حباً عميقاً، ولكن أيضاً نذيراً بالسوء. استمرت في القراءة، وكانت الرسائل تسرد قصة والدتها مع الحجر، قصة بدأت منذ سنوات طويلة، عندما كانت والدتها شابة.
"لقد وجدت الحجر بالصدفة، في مكان قديم مهجور بالقرب من منزلنا القديم. في البداية، لم أدرك أهميته. لكن بعد فترة، بدأت تحدث أشياء غريبة. أحلام مزعجة، رؤى غامضة، وشعور دائم بأنني مراقبة. أدركت أن الحجر ليس مجرد قطعة زينة، بل هو شيء يحمل طاقة قوية، وطاقة يبدو أنها تجذب شيئاً مريباً."
كانت الرسائل تتحدث عن رجل غامض، كان يتردد على البلدة، وكان يظهر اهتماماً غير عادي بالحجر. وصفته والدتها بأنه رجل ذو عينين ثاقبتين، وصوت خفيض، وكان يسألها أسئلة غريبة عن تاريخ عائلتها. شعرت سارة بالخوف يتسلل إليها. هل هذا هو الرجل الذي أشارت إليه والدتها في رؤياها؟
"لقد عرفت أنه يريد الحجر، ليس لي، بل لغرض سيء. حاولت إخفاءه، ولكن يبدو أن تواجده في عائلتنا كان يجذب الانتباه. في إحدى الليالي، اقتحم أحدهم المنزل، وكان يبحث عن الحجر. اضطررت للهرب، وحملت الحجر معي. منذ ذلك الحين، وأنا أعيش في خوف دائم، أحاول حماية نفسي وحماية الحجر من الوقوع في الأيدي الخطأ."
كانت الرسالة الأخيرة تحمل تحذيراً قوياً: "ابنتي، لا تثقي بأحد يظهر اهتماماً زائداً بالحجر. هناك من يبحث عنه منذ زمن طويل، وقد يكونون أشباحاً من الماضي، أو أناس يسعون للسلطة. الحجر يحمل مفتاحاً، ولكنه أيضاً يحمل لعنة إذا وقع في الأيدي الخاطئة. يجب أن تحميه، مهما كلف الأمر. وإذا شعرتي أن الأمور تفوق طاقتك، فاطلبي المساعدة من شيخ صالح، فهو الوحيد الذي قد يفهم."
نظرت سارة إلى جدها، الشيخ صالح، الذي كان قد أخبرها سابقاً بأن الحجر له قصة. يبدو أن القصة أعمق وأكثر خطورة مما تخيلت.
ثم لفت انتباهها الخاتم الفضي. كان بسيطاً، ولكنه بدا قديماً جداً. عندما ارتدته في إصبعها، شعرت وكأن شيئاً ما يتغير بداخلها. فجأة، بدأت الصور تتشكل أمام عينيها، ولكن هذه المرة كانت صوراً واضحة، وكأنها تعيشها. رأت والدتها، ولكنها كانت شابة جداً، تقف أمام مرآة قديمة في نفس الغرفة. كانت المرآة ليست عادية، كانت تلمع بضوء غريب، وكانت تعكس صوراً تتغير باستمرار.
"مرآة الذكريات،" سمعت صوتاً يهمس في أذنها، صوت والدتها.
كانت المرآة تعكس ليس فقط الواقع، بل أيضاً الماضي والحاضر والمستقبل المحتمل. والدتها كانت تستخدمها لفهم ما يحدث، وللتنبؤ بالأحداث. ولكن يبدو أن المرآة كانت لها ثمنها. كانت تستنزف طاقتها، وتجعلها تراها في أحلام سارة.
"يجب أن تتوقفي عن استخدام المرآة،" قالت سارة في الصورة، وهي تحاول لمس والدتها، ولكن يدها مرت عبر الصورة.
"لا أستطيع،" أجابت والدتها بصوت حزين، "فقط بهذه الطريقة يمكنني حماية عائلتنا."
اختفت الصورة، وعادت سارة إلى الواقع. كانت يداها ترتجفان. لقد فهمت الآن. والدتها لم تكن مجرد أم، بل كانت حامية، كانت تقاتل في الظل لحماية عائلتها من قوى لا تفهمها.
ثم أمسكت بقطعة القماش المطرزة. كانت الرموز عليها غريبة، ولكنها بدت مألوفة. نظرت إلى الحجر، ثم إلى الرموز على القماش. كان هناك تشابه كبير. ثم تذكرت أن جدها كان قد أشار إلى أن الحجر له علاقة بعائلة قديمة، وبطقوس معينة.
"هذه الرموز هي مفتاح لفهم طاقة الحجر،" همس صوت خافت آخر، بدا وكأنه يأتي من الحجر نفسه.
شعرت سارة بأنها تقف على حافة هاوية، وأن كل ما كانت تعرفه عن حياتها وعائلتها على وشك أن يتغير. كانت تحمل الآن عبئاً ثقيلاً، عبء الكشف عن الأسرار، وربما مواجهة الخطر الذي هدد والدتها.
"ماذا علي أن أفعل؟" سألت بصوت مرتجف، وهي تنظر إلى الحجر.
أجاب الصوت: "يجب أن تفهمي القصة الكاملة... يجب أن تجدي المصدر... وأن تقرري مصير الحجر."
كانت كلمات غامضة، ولكنها حفزتها. لم تعد تستطيع البقاء مكتوفة الأيدي. كانت والدتها قد ضحت بالكثير، وكان عليها أن تواصل ما بدأته. نهضت من مكانها، متجهة نحو جدها، الشيخ صالح. كان عليها أن تسأله كل شيء، وأن تبدأ في البحث عن المصدر، عن القوة التي تسعى وراء الحجر.
"يا جدي،" قالت بصوت ثابت، "أعتقد أنني أفهم الآن. أحتاج إلى مساعدتك."
نظر إليها جدها بعينين مليئتين بالحكمة والقلق. "لقد حان الوقت يا ابنتي. لقد حان الوقت لمواجهة الظل."