يا له من يوم!
الفصل 2 — مفاجأةٌ في صندوقِ البريد
بقلم وليد المرح
الفصل 2 — مفاجأةٌ في صندوقِ البريد
عادتْ أمينة إلى المنزل، وقد ارتسمتْ على وجهها ابتسامةٌ متفائلة. استقبلتها والدتها بخبزٍ طازجٍ وعينينِ مليئتينِ بالأمل. "كيف كانت المقابلة يا حبيبتي؟" سألتْ الحاجة فاطمة وهي تقدمُ لها كوبًا من الشاي.
"الحمد لله يا أمي، سارتْ بشكلٍ جيد. الدكتور أحمد بدا لطيفًا جدًا. لكنني ما زلتُ أنتظرُ القرار." أجابتْ أمينة وهي تجلسُ على الطاولة.
"توكلي على الله، وما عند الله خيرٌ وأبقى." قالتْ الحاجة فاطمة وهي تضعُ قطعةً من الخبزِ في يدِ أمينة. "هذا خبزٌ خبزتهُ اليوم، لعلَّ رائحتهُ تجلبُ لكِ بشارةَ خير."
"رائحتهُ شهيةٌ جدًا يا أمي، كعادتكِ دائمًا. أشكركِ."
في تلكَ الأثناء، كان خالد قد عادَ من مدرسته. رمى حقيبتهُ على الأريكةِ وهو يصرخُ: "أنا جائعٌ جدًا! هل هناكَ أيُّ طعامٍ لذيذ؟"
ضحكتْ أمينة: "أنتَ دائمًا جائعٌ يا خالد. والدتي أعدتْ خبزًا طازجًا."
"خبزٌ طازجٌ؟ رائع! لكن هل هناكَ شيءٌ آخر؟ ربما بعضُ الحلوى؟" قال خالد وهو يتجهُ نحو المطبخ.
"لا تبدأْ يا خالد، أنتَ لا تعرفُ كيف تتوقف." قالتْ أمينة مازحةً.
بعد تناولِ الغداء، جلستْ أمينة مع والدتها تشاهدانِ التلفاز، بينما كان خالد غارقًا في واجباتهِ المدرسية. فجأةً، سمعا صوتَ جرسِ الباب.
"من يكونُ في هذا الوقت؟" تساءلتْ الحاجة فاطمة.
قامتْ أمينة بفتحِ الباب، لتجدَ ساعيَ البريدِ يقفُ أمامها يحملُ بعضَ الرسائل. "مساء الخير، هل أنتِ الآنسة أمينة؟"
"نعم، أنا هي."
"تفضلي، هذه بعضُ الرسائل لكِ." قال الساعي وهو يسلمها الظرف.
نظرتْ أمينة إلى الظرف، وكان عليه شعارُ المستشفى الأمل. تسارعتْ أنفاسها. "شكرًا لكَ."
عادتْ إلى الداخل، وقلبها يدقُ بقوة. "يا أمي، لقد وصلتْ رسالةٌ من المستشفى."
نظرتْ إليها الحاجة فاطمة بقلقٍ ممزوجٍ بالأمل. "افتحيها يا حبيبتي، بسم الله."
فتحتْ أمينة الظرفَ بيدينِ مرتعشتين. أخرجتْ ورقةً رسمية، وبدأتْ تقرأ. كانت عيناها تتسعانُ تدريجيًا. رفعتْ رأسها إلى والدتها، وابتسامةٌ عريضةٌ بدأتْ ترتسمُ على وجهها.
"ماذا يا ابنتي؟ هل هناكَ خبرٌ؟" سألتْ الحاجة فاطمة بلهفة.
"نعم يا أمي! نعم! لقد قبلوني! لقد تم قبولي في المستشفى الأمل!" صرختْ أمينة بسعادةٍ غامرة.
قفزتْ الحاجة فاطمة من مكانها وعانقتْ ابنتها بقوة. "الحمد لله! الحمد لله! مباركٌ لكِ يا ابنتي! لقد حققتِ حلمكِ!"
كانتْ سعادةُ أمينة لا توصف. شعرتْ بأنها على وشكِ الطيران. "لا أصدقُ هذا يا أمي! لقد كنتُ قلقةً جدًا، والآن..."
"هذهِ هي ثمرةُ تعبكِ وجهدكِ. الله لا يخذلُ من لجأ إليه." قالتْ الحاجة فاطمة وهي تمسحُ دمعةً فرحٍ انهمرتْ من عينها.
سمعَ خالدٌ الضجةَ وقررَ أن يرى ما يحدث. "ماذا جرى؟ هل هناكَ احتفالٌ؟"
"نعم يا خالد! أختكَ أمينة حصلتْ على وظيفةِ العمر!" صاحتْ الحاجة فاطمة.
ركضَ خالدٌ نحو أختهِ وعانقها. "رائعٌ جدًا يا أمينة! أنا سعيدٌ جدًا لأجلكِ! قلتُ لكِ أنكِ ستنجحين!"
"شكرًا لكَ يا خالد، شكرًا لكم جميعًا. هذا اليومُ لا ينسى." قالتْ أمينة وهي تحتضنُ أخاها.
مرتْ الأيامُ بسرعة، وبدأتْ أمينة تستعدُ لبدءِ عملها. كانت تشعرُ بمزيجٍ من الإثارةِ والخوف. في أحدِ الأيام، بينما كانتْ تنظمُ أغراضها في غرفتها، وجدتْ صندوقًا خشبيًا قديمًا في زاويةِ الغرفة. لم تكن تتذكرُ متى وُضعَ هناك.
فضولها دفعها لفتحه. كان الصندوقُ مليئًا بالأشياءِ القديمة: صورٌ لأفرادِ العائلة، رسائلُ بخطٍ قديم، ودفترٌ جلديٌ بالٍ. فتحتْ الدفتر، لتجدَ مذكراتٍ تعودُ إلى جدتها. قرأتْ بعضَ الصفحات، وشعرتْ بأنها تعودُ بالزمنِ إلى الوراء. كانت جدتها تكتبُ عن أحلامها، عن صعوباتِ الحياة، وعن حبها للعائلة.
وبينَ الصفحات، وجدتْ ورقةً مطويةً بعناية. فتحتها، لتجدَ رسالةً بخطِ يدِ جدتها، موجهةً إلى "أحفادي المستقبليين". بدأتْ أمينة تقرأ بصوتٍ خافت:
"إلى أحفادي الأعزاء،
أتمنى أن تجدوا هذهِ المذكراتِ في يومٍ من الأيام. الحياةُ رحلةٌ مليئةٌ بالتحديات، ولكنها أيضًا مليئةٌ بالفرص. لا تخافوا من السعي وراء أحلامكم، ولا تدعوا الصعوباتِ تحبطكم. كونوا أقوياء، كونوا رحماء، وكونوا دائمًا صادقين مع أنفسكم ومع الآخرين. تذكروا دائمًا أن الحبَ والأسرةَ هما أغلى ما نملك. واعلموا أن اللهَ معكم في كلِّ خطوةٍ تخطونها.
جدتكم، فاطمة."
شعرتْ أمينة بفيضٍ من المشاعرِ تغمرها. كانت كلماتُ جدتها تلامسُ قلبها بعمق. نظرتْ إلى صورةِ جدتها المعلقةِ على الحائط، وشعرتْ بقربٍ منها.
"يا جدتي، سأكونُ قويةً ورحيمةً وصادقةً. سأحققُ أحلامي، وسأتذكرُ دائمًا أن الحبَ والأسرةَ هما أغلى ما نملك." همستْ أمينة.
أغلقتْ الصندوقَ بعناية، وشعرتْ بأنها تحملُ إرثًا ثمينًا. كانتْ جدتها قد تركتْ لها دليلًا، وصيةً روحيةً لتكونَ دليلها في رحلتها القادمة.
في المساء، اجتمعتْ العائلةُ لتناولِ العشاء. كان الجو مليئًا بالبهجةِ والاحتفال. تحدثتْ أمينة عن تفاصيلِ قبولها في المستشفى، وعن سعادتها.
"لقد وجدتْ صندوقَ جدتي اليوم، ووجدتُ فيهِ رسالةً منها." قالتْ أمينة وهي تنظرُ إلى والدتها.
"حقًا؟ جدتكِ كانتْ إنسانةً عظيمة، مليئةً بالحكمةِ والحب." قالتْ الحاجة فاطمة.
"لقد كتبتْ لي، ولنا جميعًا، كلماتٍ رائعة. شعرتُ بأنها كانتْ معنا طوالَ الوقت، تدعمنا وتشجعنا."
ابتسمَ خالدٌ وقال: "ربما وجدنا فيها شيئًا عن الكنزِ المفقودِ الذي كنا نبحثُ عنهُ في حديقةِ المنزل؟"
ضحكتْ أمينة: "ربما يا خالد. لكن الكنزَ الحقيقيَ هو ما نملكهُ الآن: حبنا لبعضنا البعض، ودعمنا لبعضنا البعض."
نظرتْ العائلةُ إلى بعضها البعض، وشعرتْ بالامتنانِ لهذهِ اللحظةِ الجميلة. يومٌ بدأ بمفاجأةٍ في صندوقِ البريد، وانتهى بإحساسٍ عميقٍ بالحبِ والامتنان.