حكايات من الحارة المبهجة

الفصل 13 — ضياع الوعد في غبار الطريق

بقلم وليد المرح

الفصل 13 — ضياع الوعد في غبار الطريق

كانت ملامح الحاج عبد الله، النجار الحكيم في الحارة، تحمل آثار السنين والتجارب. وجهه المنحوت بجد، وعيناه اللتان تعكسان صبراً لا ينضب، كانا شاهداً على قصص كثيرة مرت بها الحارة. في أحد الأيام، كان الحاج عبد الله منهمكاً في ورشته الصغيرة، يقطع الخشب ويشكله بيدين ماهرتين. كانت ورشته تعج بروائح الأخشاب الطيبة، وصوت المطرقة والإزميل، وهو لحن مألوف في الحارة.

في صباح يوم مشمس، جاء إليه شاب يدعى سالم، كان يعمل في ورشة مجاورة، لكنه كان يعاني من فقر مدقع. كان سالم شاباً طيب القلب، لكنه كان متهوراً قليلاً.

"يا حاج عبد الله، هل يمكنك أن تعد لي صندوقاً قوياً؟ سأحتاجه لبضاعة مهمة سأبيعها في السوق الكبير غداً." قال سالم، وبدت على وجهه علامات الأمل.

نظر الحاج عبد الله إلى سالم. كان يعرف ظروف الشاب، وكان يتعاطف معه. "بالتأكيد يا سالم. لكن الصندوق الجيد يحتاج وقتاً وجهداً، وهذا يكلف مالاً."

"أعلم يا حاج، وأعدك أنني سأدفع لك كل ما تستحقه عندما أبيع بضاعتي. أنت تعلم أنني لن أخلف وعدي." قال سالم بحماس، وهو يضع يده على صدره.

تنهد الحاج عبد الله. كان يعرف مخاطر إعطاء الديون، لكنه رأى في عيني سالم صدقاً، وكان يخشى أن يكسر خاطره. "حسناً يا سالم. سأعد لك صندوقاً متيناً. لكن تذكر، غداً هو موعد دفع الحساب."

"أعدك يا حاج، أعدك!" قال سالم، وشكر الحاج عبد الله مرات عديدة، ثم غادر الورشة مسرعاً.

عمل الحاج عبد الله بجد. قضى بقية اليوم وهو ينحت الخشب، ويدق المسامير، ويصقل السطح. كان يعد صندوقاً ليس مجرد وعاء، بل كان يحمل ثقة وحلماً لشاب. في نهاية اليوم، كان الصندوق جاهزاً، قوياً وجميلاً. وضعه الحاج عبد الله جانباً، وبدأ ينتظر سالم.

مر الغد، ثم الذي يليه. لم يأتِ سالم. لم يأتِ ليأخذ الصندوق، ولم يأتِ لدفع الحساب. بدأت علامات القلق تظهر على وجه الحاج عبد الله. هل نسى سالم؟ هل حدث له مكروه؟

بعد ثلاثة أيام، كان الحاج عبد الله ينظف ورشته، عندما لمح شيئاً مغبراً على حافة نافذته. كان غبار الطريق، الذي يبدو أنه قد جلب معه شيئاً. وبين الغبار، وجد قطعة قماش صغيرة. فتحها بحذر. كانت عبارة عن ورقة مطوية، مكتوب عليها بكلمات مرتجفة:

"يا حاج عبد الله، أعتذر بشدة. لقد بعت بضاعتي بأسعار أقل مما توقعت، ولم أكسب ما يكفي لدفع حساب الصندوق. لم أستطع مواجهةك، ففررت من الحارة. أرجو أن تسامحني. سالم."

شعر الحاج عبد الله بمرارة. لم يكن الأمر يتعلق بالمال بقدر ما كان يتعلق بالوعد الذي تم كسره، والثقة التي تم خيانتها. لم يكن غاضباً، بل كان يشعر بخيبة أمل عميقة. لقد كان الصندوق رمزاً لأمل سالم، ولكنه أصبح الآن رمزاً لضياع الوعد في غبار الطريق.

في تلك الأثناء، في مكان آخر بعيد عن الحارة، كان سالم يسير وحيداً، يحمل على كتفيه ثقل خيبته. كان يشعر بالعار من فعلته، لكنه كان خائفاً أيضاً. كيف سيعيش وهو قد فقد ثقة الناس؟

عادت الحاجة فاطمة، زوجة الحاج عبد الله، إلى البيت، ورأت الحزن بادياً على وجه زوجها. سألته عن السبب. حكى لها الحاج عبد الله قصة سالم والصندوق.

"لا تحزن يا عبد الله. الإنسان خطاء، وقد يكون سالم قد مر بظروف صعبة جعلته يتصرف هكذا." قالت الحاجة فاطمة بحنان.

"لكن الوعد يا فاطمة. الوعد هو دين." قال الحاج عبد الله.

"بالتأكيد. لكن ربما لديه فرصة أخرى. لعل الله يهديه ويرشده." قالت الحاجة فاطمة، وهي تحاول أن تخفف عنه.

قرر الحاج عبد الله أن يأخذ الصندوق بنفسه. ذهب به إلى السوق، ووضعه أمام دكانه. كان يعلم أن سالم قد غادر، لكنه كان يأمل أن يراه أحد من أهل الحارة، وأن يعرفوا القصة.

مرت الأيام، والصندوق يقف هناك، شاهداً صامتاً على وعد مفقود. لم يحاول الحاج عبد الله بيعه، فهو لم يكن يريد أن يبيع شيئاً يحمل قصة سالم.

في أحد الأيام، عاد سالم إلى الحارة. كان يبدو نحيلاً، وقد ارتسم على وجهه حزن عميق. سمع الناس قد عاد، وتوجه إلى الحاج عبد الله في ورشته.

"يا حاج عبد الله، لقد عدت. لقد تعلمت درساً قاسياً." قال سالم بصوت مرتعش.

نظر إليه الحاج عبد الله، ولم يظهر عليه الغضب. "لقد علمت أنك عدت يا سالم. ورأيت الصندوق الذي تركته."

"أعلم أنني خنت ثقتك يا حاج. لقد أخطأت، وأنا مستعد لأي عقاب." قال سالم، وهو يخفض رأسه.

"العقاب ليس بيدي يا سالم. العقاب هو أن تعيش مع ذكرى خطأك. لقد ضاع وعدك في غبار الطريق." قال الحاج عبد الله بهدوء. "لكنني سأعطيك فرصة أخرى. سأعطيك عملاً في ورشتي. ستبدأ من الصفر. إذا أثبتت جدارتك، واستعدت ثقة الناس، فقد تكون تلك هي بداية طريقك الصحيح."

ارتفعت عينا سالم نحو الحاج عبد الله. لم يتوقع هذه الفرصة. "هل تقصد حقاً يا حاج؟"

"نعم. لكن تذكر، هذه المرة، لن يكون هناك وعد بالكلام فقط. ستكون هناك أفعال. وإلا، فإن غبار الطريق سيأخذك إلى حيث لا رجعة." قال الحاج عبد الله بنبرة حازمة.

منذ ذلك اليوم، بدأ سالم العمل بجد في ورشة الحاج عبد الله. كان يعمل بصمت، وبإتقان. كان يتعلم، ويتعلم، ويتعلم. كان يتعلم ليس فقط حرفة النجارة، بل كان يتعلم قيمة الوعد، وقيمة الثقة، وكيف أن العودة إلى الطريق الصحيح تتطلب جهداً وصبرًا. وظل الصندوق، الذي لم يتم بيعه، يقف في ورشة الحاج عبد الله، تذكيراً دائماً بقصة سالم، وبأهمية الوفاء بالعهود.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%