المفاجآت الجميلة في كل زاوية
الفصل 3 — ظلال الماضي وخيوط المستقبل
بقلم سعيد الضحكة
الفصل 3 — ظلال الماضي وخيوط المستقبل
استمرت النظرات المتبادلة بين ليلى ومالك لعدة لحظات، لحظات بدت كأنها دهر. كان كل منهما يشعر بأن هناك شيئاً مميزاً يحدث، شيئاً يتجاوز حدود الصدفة. رفعت ليلى كتابها مرة أخرى، محاولة استعادة تركيزها، ولكن الكلمات بدت وكأنها تتلاشى أمام عينيها. كان وجه مالك، بملامحه الشابة الواثقة، محفوراً في ذهنها.
من جهته، لم يستطع مالك إبعاد نظره عن ليلى. كان مفتوناً بجمالها الطبيعي، وهدوئها الذي يبعث على الراحة. شعر بأن هناك قصة خلف هذه العيون الواسعة، قصة تستحق أن تُعرف.
نهض مالك من مقعده، وقرر أن يقترب منها. كان متردداً قليلاً، ولكنه كان يشعر بدافع قوي يدفعه للتحدث معها.
"عفواً،" قال مالك بصوت هادئ، "هل تسمحين لي بالجلوس؟ يبدو أنني أزعجت تركيزك."
نظرت إليه ليلى، وشعرت ببعض الارتباك. "لا أبداً، تفضل،" قالت بصوت خافت.
جلس مالك على الطاولة المجاورة، وشعر بارتياح غريب. "أنا مالك،" قال، مقدماً يده.
مدت ليلى يدها، وبدأت يدهما تتصافحان. "ليلى،" قالت، وشعرت بأن صوتها يرتعش قليلاً.
"إنه لمن دواعي سروري،" قال مالك، "لقد رأيتك تقرئين هذا الكتاب، ويبدو أنك مستمتعة به."
نظرت ليلى إلى الكتاب، ثم إلى مالك. "إنه كتاب شيق جداً،" قالت، "عن بحار ومغامراته."
"أنا أيضاً أحب القراءة،" قال مالك، "ولكنني أركز أكثر على الكتب التي تتعلق بالعمل والتطوير."
بدأت بينهما محادثة بسيطة، بدأت بالحديث عن الكتب، ثم انتقلت إلى المدينة، وإلى الحياة بشكل عام. اكتشف مالك أن ليلى تعمل في مكتبة، وأنها تحب مجالها كثيراً. أما ليلى، فقد أعجبت بطموح مالك وشغفه بعمله.
"هذه المدينة جميلة جداً،" قالت ليلى، "ولكنني أجد فيها دائماً لمسة من الحنين إلى الماضي."
"نعم،" وافق مالك، "ولكنها أيضاً مدينة مليئة بالفرص للمستقبل. أنا هنا لبدء مشروع جديد."
تحدثا طويلاً، وشعرا بأن الوقت يمضي بسرعة. كانت هناك ألفة غريبة بينهما، كأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل. وعندما حان وقت الانصراف، شعر كلاهما بخيبة أمل.
"هل يمكن أن نلتقي مرة أخرى؟" سأل مالك، متردداً.
ابتسمت ليلى. "بالتأكيد،" قالت، "ربما غداً؟"
"رائع،" قال مالك، "سأكون بانتظارك هنا في نفس الوقت."
ودع مالك ليلى، وعاد إلى مكتبه، وقلبه يخفق بسعادة. لم يكن يتوقع أن يجد في هذه الرحلة أكثر من فرصة عمل. أما ليلى، فقد عادت إلى الفندق، وشعرت بأن حياتها قد اكتسبت لوناً جديداً.
في تلك الليلة، بينما كانت ليلى تقلب صفحات مذكرات البحار، شعرت بأن هناك تشابهاً غريباً بين قصة البحار وبين مشاعرها الجديدة. كانت قصة حب البحار، حب لم تكتمل فصوله، تذكرها بأن الحب لا يزال موجوداً، وأن الحياة قد تحمل مفاجآت جميلة.
في صباح اليوم التالي، ذهبت ليلى إلى الشاطئ مبكراً. كانت الشمس قد بدأت تشرق، وترسم لوحة فنية رائعة في السماء. جلست على رمال الشاطئ، واستمعت إلى صوت الأمواج. كانت تفكر في مالك، في عينيه، في ابتسامته.
بعد فترة، وصلت نادية، صديقة ليلى. "ماذا بك يا ليلى؟ تبدين سعيدة اليوم."
ابتسمت ليلى. "لا شيء، فقط أشعر بالراحة والسعادة."
"هل رأيتِ أحداً؟" سألت نادية بفضول.
ترددت ليلى قليلاً، ثم قررت أن تخبر صديقتها. "قابلت شخصاً بالأمس،" قالت، "اسمه مالك."
"وماذا حدث؟" سألت نادية بحماس.
"إنه شخص لطيف جداً، وطموح،" قالت ليلى، "و... شعرت بارتياح كبير في صحبته."
"يبدو أنكِ وقعتِ في الحب من النظرة الأولى!" قالت نادية مازحة.
ضحكت ليلى. "لا أعرف، ربما."
في هذه الأثناء، كان مالك يعمل بجد في شركته. كان يفكر في ليلى، في سحرها، في عمقها. كان يشعر بأنها شخصية فريدة، تحمل الكثير من الأسرار.
"هل أنت مشغول يا مالك؟" سأل زميله "سامي"، شاب مرح، ودود.
"قليلاً،" أجاب مالك، "ولكنني سعيد بذلك."
"ما الذي يجعلك سعيداً هكذا؟" سأل سامي بابتسامة، "هل وجدتِ الفكرة العبقرية لتطوير البرامج؟"
ضحك مالك. "لا، شيء آخر."
"من الواضح أنه شيء مهم،" قال سامي، "هل يمكن أن تشاركني؟"
لم يرد مالك أن يكشف عن كل شيء، ولكنه قال: "ربما وجدتُ شخصاً مميزاً."
"مميزاً لدرجة أنك تنسى العمل؟" قال سامي مازحاً.
"ليس تماماً،" قال مالك، "ولكنها فرصة رائعة للقاء أشخاص جدد."
في نهاية اليوم، التقى مالك وليلى مرة أخرى في المقهى. كانت الأجواء لطيفة، والمحادثات أعمق. تحدثا عن طفولتهما، عن أحلامهما، عن مخاوفهما. اكتشفت ليلى أن مالك قد فقد والده في سن مبكرة، وأنه تحمل مسؤولية عائلته منذ ذلك الحين. وهذا ما جعله قوياً وطموحاً.
أما مالك، فقد استمع إلى ليلى وهي تتحدث عن والدتها الراحلة، وعن حبها للقراءة. شعر بأن هناك رابطاً قوياً يجمعهما، رابط يتجاوز مجرد الإعجاب. كانت ظلال الماضي تلقي ببعض الحزن على قصتيهما، ولكن خيوط المستقبل كانت تبدو واعدة، مليئة بالأمل.
في تلك الليلة، بينما كانت ليلى تتأمل كتابها، عادت إلى ذهنها عبارة من مذكرات البحار: "الحياة كالبحر، أمواجها تتغير، ولكن أعماقها تحتفظ بأسرار لا تنتهي." شعرت بأن حياتها، وحياة مالك، بدأت تتشابك، وأن هناك أسراراً جميلة تنتظر أن تُكشف.