حياة عادية.. لكنها مضحكة جدًا
الفصل 8 — همسات الأمل.. ورحلة نحو المجهول
بقلم سعيد الضحكة
الفصل 8 — همسات الأمل.. ورحلة نحو المجهول
بدأت الأيام تمر بسرعة، كل يوم يحمل معه تحديات جديدة وآمالًا متجددة. جهزت "سلمى" أوراقها، وحجزت تذكرتها، وبدأت في توديع الأصدقاء والجيران. كان الوداع مؤلمًا، يحمل في طياته ذكريات الطفولة والشباب، ضحكات مرت، ودموعًا انهمرت.
"أم أحمد" كانت في حالة يرثى لها. كلما رأت حقيبة "سلمى" جاهزة، شعرت وكأن قطعة من قلبها ستغادر. كانت تحتضنها طويلاً، وتوصيها بالصحة والعافية، وتطلب منها أن تتصل بها كل يوم. "يا ابنتي، لا تنسي نفسك في الغربة. حافظي على صلاتك، وعلى سمعة عائلتك." كانت تقول لها بصوت متهدج. "سلمى" كانت تحاول أن تكون قوية، أن تطمئن والدتها، لكنها كانت تشعر بوخز في قلبها. فراق الأهل، والغربة، والمجهول، كل هذه الأمور كانت تلقي بظلالها على روحها.
"أحمد" كان يحاول أن يبث فيها الشجاعة. "لا تخافي يا سلمى. ستكون تجربة رائعة. ستتعلمين الكثير، وستصبحين أقوى. تذكري أننا جميعًا معك، ندعمكِ." "حتى العم "علي"، رغم مشاكله، أصر على زيارة "سلمى" قبل سفرها. أحضر لها هدية بسيطة، دعاءً بالنجاح والتوفيق. "ادعي لي يا سلمى حين تصلين، قد أكون بحاجة لدعائك أكثر منكِ." قال لها بابتسامة حزينة.
في يوم السفر، تجمع الأهل والأصدقاء في المطار. كانت الأجواء مشحونة بالعواطف. الزغاريد اختلطت بالبكاء، والضحكات تداخلت مع التنهدات. "سلمى" احتضنت كل واحد منهم، تتلقى الدعوات والوصايا. "أبو أحمد" قبّل جبينها. "كوني قوية يا ابنتي. وإذا احتجتِ أي شيء، مهما كان، فلا تترددي في الاتصال بي." "أم أحمد" لم تستطع كتم دموعها. "أوصيكِ بنفسك يا حبيبتي. لا تنسينا." "سلمى" وعدتهم بأنها ستكون عند حسن ظنهم، وأنها ستعود قريبًا.
صعدت "سلمى" إلى الطائرة، ونظرت من النافذة لتودع عائلتها. رأتهم يقفون هناك، يلوحون لها، حتى اختفوا عن الأنظار. شعرت بقلبها يخفق بشدة. ها هي تبدأ رحلتها، رحلة نحو المجهول، رحلة لتحقيق أحلامها.
بعد وصولها إلى المدينة الجامعية، وجدت "سلمى" نفسها وحيدة في مكان جديد. كان شعورًا غريبًا، مزيجًا من الحرية والخوف. بدأت في استكشاف محيطها، التعرف على الجامعة، وزملائها الجدد. كانت هناك وجوه جديدة، لهجات مختلفة، وثقافات متنوعة.
في أول يوم لها في الجامعة، توجهت "سلمى" إلى مكتب عميد الكلية لشؤون الطلاب. كانت تبحث عن معلومات حول الأنشطة الطلابية والخدمات المتاحة. وبينما كانت تنتظر دورها، لفت انتباهها فتاة تجلس على كرسي متحرك، تحاول أن تتحدث إلى الموظفة، لكن يبدو أن هناك حاجزًا لغويًا. اقتربت "سلمى" منها بحذر. "هل تحتاجين للمساعدة؟" سألتها باللغة الإنجليزية. رفعت الفتاة رأسها، ابتسمت ابتسامة واسعة. "نعم، لو سمحتِ. أنا أحاول أن أفهم كيف يمكنني التسجيل في ورشة عمل التصميم." "سلمى" ساعدتها في الترجمة والتواصل. اكتشفت أن الفتاة اسمها "ليلى"، وهي طالبة من بلد أجنبي، جاءت للدراسة في نفس التخصص. "شكرًا جزيلًا لكِ. لقد كنت محتارة جدًا." قالت "ليلى" وهي تشعر بالارتياح. "على الرحب والسعة. أنا أيضًا جديدة هنا. اسمي سلمى." ردت "سلمى" بابتسامة.
نشأت صداقة بين "سلمى" و"ليلى" بسرعة. وجدتا في بعضهما البعض الدعم والرفقة في هذا المكان الغريب. كانتا تقضيان وقتًا طويلاً معًا، تدرسان، تتحدثان عن أحلامهما، وتشجعان بعضهما البعض.
لكن الأمور لم تكن دائمًا وردية. واجهت "سلمى" بعض الصعوبات في التأقلم مع الحياة الجديدة. كانت تشتاق لعائلتها، ولأكل "أم أحمد" اللذيذ، ولأحاديث "أحمد" المضحكة. في بعض الليالي، كانت تبكي بحرقة، تشعر بالوحدة والعزلة. في إحدى هذه الليالي، وبينما كانت "سلمى" تتحدث إلى والدتها عبر الهاتف، لم تستطع كبت دموعها. "أم أحمد" سمعت صوت ابنتها المرتجف، وفهمت ما تشعر به. "يا ابنتي، أعرف أن الأمر صعب، ولكنكِ قوية. تذكري أنكِ تحملين اسم عائلتكِ. كوني قوية لأجلنا جميعًا." قالت والدتها بصوت حنون.
وفي نفس الوقت، كان العم "علي" يعيش أوقاته الصعبة. المشروع الذي استثمر فيه فشل، وواجه خسائر كبيرة. كان يشعر باليأس، لكنه تذكر وعد "سلمى" بالدعاء. بدأ يصلي ويتضرع إلى الله، راجيًا منه الفرج.
وفي يوم من الأيام، تلقى العم "علي" اتصالًا مفاجئًا. كان المتحدث شخصًا كان قد عمل معه في الماضي، وعرض عليه فرصة عمل جديدة في شركة ناشئة. كان العرض مغريًا، وبدا وكأنه بصيص أمل في نهاية نفق مظلم. "الحمد لله! هذا فضل من الله." قال العم "علي" بامتنان، وشعر بأن حياته بدأت تتجه نحو الأفضل.
---