أسرار الرمال الذهبية

الفصل 2 — لقاءات في عتمة الليل

بقلم خالد المنصور

الفصل 2 — لقاءات في عتمة الليل

بعد ثلاثة أيام وليالٍ من السير المتواصل، بدأت عائشة تشعر بالإرهاق. كانت شمس الصحراء لا ترحم، والرمال التي تبدو هادئة في النهار، تخفي تحتها حرارة لا تطاق. كانت قوتها تتضاءل، وقنينة الماء تقترب من النفاد. لكن العزيمة التي أشعلها حبها لقريتها كانت أقوى من أي إرهاق. كانت تستمد قوتها من ذكرى وجوه أهلها، من ابتسامات الأطفال الجائعة، ومن نظرات الأمهات القلقة.

في نهاية اليوم الثالث، وجدت نفسها في منطقة صخرية وعرة، تختلف عن سهول الرمال التي اعتادت عليها. كانت الصخور تتشكل في هيئات غريبة، وكأنها منحوتات طبيعية قديمة. في الغروب، لجأت إلى كهف صغير، يبدو أنه كان ملجأً للمسافرين عبر الزمن. كان الكهف عميقًا، يوفر لها الظل والحماية من الرياح الليلية.

بينما كانت تتناول كسرات خبز يابس، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من عمق الكهف. صوت يشبه الأنين، أو ربما صوت حيوان جريح. ترددت عائشة في البداية، فالصحراء مليئة بالمخاطر، ولكن صوتًا خافتًا نادى في وجدانها، صوت التعاطف والإنسانية. أمسكت بعصا كانت قد وجدتها، واقتربت بحذر من مصدر الصوت.

عندما وصلت إلى نهاية الكهف، وجدت مشهدًا فاق توقعاتها. كان هناك رجل مسن، ملقى على الأرض، جسده نحيل وشاحب، وملابسه ممزقة. كانت عيناه مغمضتين، ولكن تنفسه كان ضعيفًا. كان جريحًا، ويبدو أنه فقد وعيه منذ فترة.

شعرت عائشة بالشفقة تملؤها. لم تفكر مرتين. وضعت عصاها جانبًا، واقتربت من الرجل. بدأت تفحص جرحه، الذي كان عميقًا في ساقه. كان النزيف قد توقف، لكن الجرح كان ملوثًا.

"يا سيدي... هل تسمعني؟" نادت بصوت حنون.

فتح الرجل عينيه ببطء، وكانت نظراته تائهة في البداية. عندما رأى عائشة، ارتسمت على وجهه علامات دهشة ممزوجة بالارتياح.

"من... من أنتِ؟" سأل بصوت ضعيف.

"أنا عائشة. كنت أسير في طريقي، وسمعت صوتك. أنت جريح."

"لقد... لقد سقطت. كدت أن أموت. لم أتوقع أن أجد أحدًا هنا."

"لا تقلق. لدي بعض الماء، وسأحاول تنظيف جرحك."

بدأت عائشة في تنظيف جرح الرجل بأفضل ما لديها من إمكانيات. كانت تستخدم قطعة قماش نظيفة من عباءتها، وماء قليل. كان الرجل يتألم، لكنه كان يتحمل بصبر.

"ما اسمك يا سيدي؟ وكيف وصلت إلى هنا؟" سألت عائشة وهي تربط الجرح.

"اسمي... اسمي سالم. أنا... كنت أبحث عن شيء."

"عن ماذا كنت تبحث؟"

نظر إليها سالم بعمق، وبدت في عينيه قصة طويلة. "كنت أبحث عن واحة الأسرار."

صُدمت عائشة. كانت تبحث عن نفس الواحة. "أنا أيضًا! إنها وجهتي."

ابتسم سالم ابتسامة خفيفة، بدت وكأنها تحمل الكثير من الحزن. "الواحة... ليست سهلة المنال يا فتاة. لقد قضيت سنوات عمري أبحث عنها، وضعت كل شيء في سبيلها."

"ولكن... لماذا؟ ما الذي يدفعك للبحث عنها بهذا الإصرار؟"

"لأنني... لأنني وعدت. وعدت شخصًا عزيزًا بأن أجده. وأن أستعيد شيئًا ثمينًا ضاع هناك."

شعرت عائشة بأنها أمام لغز جديد. "ما هو هذا الشيء الثمين؟"

نظر سالم إلى السماء، وعيناه تلمعان بدموع لم تنزل. "إنه... إرث. إرث عائلتي. شيء لا يقدر بثمن، سرق منا منذ زمن بعيد."

تحدث سالم عن تاريخ عائلته، عن أجداده الذين كانوا رعاة لهذه الأرض، وعن أسطورة قديمة تتحدث عن كنوز ومعرفة مخبأة في "واحة الأسرار". كان يحمل في قلبه أملًا قويًا بأن يجد ما فقده.

في تلك الليلة، تقاسمت عائشة وطعامها مع سالم. استمعت إلى قصصه، وإلى حكايات عن الصحراء، وعن النجوم التي تدل على الطريق. أدركت أن سالم لم يكن مجرد رجل مسن ضائع، بل كان حاملاً للعديد من الأسرار، وربما يكون مفتاحًا لفهم الخريطة التي معها.

"غدًا، عندما تشرق الشمس، سنكمل الطريق معًا." قالت عائشة. "أنا متعبة، وأنت جريح. معًا، قد نكون أقوى."

نظر سالم إليها بتأمل. رأى في عينيها الشجاعة والإصرار، ورأى فيها براءة وصدقًا نادرين. "شكرًا لكِ يا عائشة. لم أتوقع هذا اللطف في قلب صحراوي."

"الصحراء تعلمنا الصبر والقوة، ولكنها لا تجعلنا نفقد إنسانيتنا." أجابت عائشة بابتسامة.

نامت عائشة بجوار سالم، تشعر بالدفء في قلبها، ليس فقط بسبب قرب سالم، بل بسبب الشعور بأنها لم تعد وحدها في هذه الرحلة. كان لقاؤهما في عتمة الليل، في قلب الصحراء القاسية، بداية لشيء جديد. ربما كان هذا اللقاء هو أول سر تكشفه الصحراء لها، سر لم يكن في الخريطة، بل في قوة الإنسان وتعاطفه.

عندما استيقظت في الصباح، وجدت سالم قد استيقظ هو الآخر. كان الألم لا يزال ظاهرًا على وجهه، لكنه كان قادرًا على الحركة بمساعدة.

"هل أنتِ مستعدة؟" سأل سالم.

"نعم. الخريطة تقول إننا يجب أن نتجه نحو الجبل ذي الرأسين. هل تعرفه؟"

"أعرفه. إنه ليس بعيدًا. الطريق وعر، لكنه آمن نسبيًا."

انطلقا معًا، عائشة تقود الطريق، وسالم يسندها بكلماته وخبرته. كانا يتبادلان الحديث، ويكشفان عن المزيد من الأسرار. أدركت عائشة أن سالم كان يعرف الكثير عن الأساطير والمسارات القديمة، وأن خبرته ستكون لا تقدر بثمن. كان كل منهما يمثل جزءًا من اللغز، وكان لقاؤهما بداية لفك رموزه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%