رحلة بطل الصحراء
الفصل 17 — دوامات الرمال ونقش الأحجار
بقلم زيد العبدالله
الفصل 17 — دوامات الرمال ونقش الأحجار
وصل "مالك" و"ليلى" إلى مشارف وادي الأفاعي. بدا الوادي وكأنه فم وحش ضخم، تلتف حوله الرمال المتحركة بألوانها المتغيرة، من الأصفر الذهبي إلى البني الداكن، وكأنها أفعى عملاقة تستعد للانقضاض. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة الغبار والتراب، ومصحوباً بصوت احتكاك الرمال ببعضها البعض، أشبه بهمس خفيض لأرواح غابرة.
"يبدو المكان خطيراً حقاً يا مالك." قالت "ليلى" بصوت حاولت أن تجعله قوياً، لكن القلق كان بادياً في نبرتها. "نعم، ولكنه الطريق الوحيد." أجاب "مالك" وهو يتفحص السوار على معصمه. "الشيخ سالم قال إن البوابة تكمن هنا، عند تجسد 'النجمة القطبية'."
تقدموا بحذر، خطوة بخطوة، يختبرون ثبات الرمال تحت أقدامهم. كانت الرمال المتحركة تشكل دوامات صغيرة، تتحرك وتتغير باستمرار، كأنها كائنات حية. كان عليهم أن يكونوا حذرين للغاية، فكل خطأ قد يكلفهم حياتهم.
"كيف سنعرف المكان الذي تتجسد فيه النجمة القطبية؟" سألت "ليلى". "لا أعرف." اعترف "مالك". "ربما علينا أن نبحث عن أي علامة، أي نقش على الصخور."
بدأوا بالتجول في محيط الوادي، يتفحصون كل شبر من الأرض. كانت الصخور هنا متناثرة، بعضها مدبب حاد، وبعضها منحوت بفعل الرياح عبر آلاف السنين. وبينما كانوا يبحثون، لمح "مالك" شيئاً غريباً. كان نقشاً صغيراً منحوتاً على صخرة سوداء، يبدو مختلفاً عن النقوش الطبيعية التي صنعتها الرياح.
"ليلى، انظري إلى هذا!" نادى "مالك" بحماس. ركضت "ليلى" إليه، وتفحصت النقش. كان عبارة عن نجمة، بسيطة وواضحة، ولكنها بدت وكأنها تشع بطاقة غامضة.
"إنها النجمة القطبية!" هتفت "ليلى". "لقد وجدناها!" "ولكن هذا النقش صغير جداً." قال "مالك" وهو يشعر بخيبة أمل طفيفة. "كيف يمكن أن يكون هذا هو المكان الذي تتجسد فيه البوابة؟"
بينما كان "مالك" يتفحص النقش عن كثب، شعر بشيء مختلف. وكأن النقش ينبض بالحياة. دفع بيده برفق على النجمة، وفجأة، انفتحت الصخرة وكأنها باب سري، كاشفة عن ممر ضيق مظلم.
"يا إلهي!" قالت "ليلى" وهي تتراجع خطوة. "لم أتوقع هذا أبداً!" "يبدو أن أجدادنا كانوا بارعين في إخفاء الأسرار." قال "مالك" وهو يبتسم. "هذا هو الممر الذي تحدث عنه الشيخ سالم. علينا أن ندخل."
استخرج "مالك" شمعة كان قد أعدها مسبقاً، وأشعلها. أشعلت الشمعة ظلام الممر، وكشفت عن جدران حجرية مغطاة بنقوش غريبة، رموز قديمة لم يفهم معناها.
"انظري يا ليلى،" قال "مالك" وهو يشير إلى النقوش. "هذه ليست مجرد زخارف، بل هي قصص. قصص أجدادنا." "إنها تبدو جميلة ومعقدة في آن واحد." قالت "ليلى" وهي تتأمل النقوش. "أتمنى لو أستطيع قراءتها."
"ربما نستطيع." قال "مالك" وهو يقترب من أحد النقوش. "السوار الذي أعطاني إياه الشيخ سالم... ربما يكون له علاقة بهذه النقوش." أخرج "مالك" السوار من معصمه، ووضعه بجانب أحد النقوش. لتحدث المفاجأة. بدأت النقوش تتوهج بلون ذهبي خافت، وكأنها تستجيب لوجود السوار.
"يا للعجب!" صرخت "ليلى". "السوار هو المفتاح!" "ليس فقط المفتاح." قال "مالك" وهو يشعر بقشعريرة تسري في جسده. "إنه يترجم هذه الرموز لنا. انظري!"
بدأ "مالك" يقرأ بصوت عالٍ، والرموز المتوهجة تشكل كلمات في ذهنه، كلمات لم يكن يعرفها من قبل، ولكنها خرجت منه بطلاقة. "هنا، في وادي الأفاعي، حيث تلتقي الرمال بالسماء، يبدأ طريق الأبطال. 'النجمة القطبية' هي البوصلة، والقلب الشجاع هو الدليل. من هنا، من قلب الصحراء، ستشقون طريقكم نحو الحقيقة."
"الحقيقة؟" سألت "ليلى". "ما هي الحقيقة التي يبحثون عنها؟" "لا أعرف بعد." أجاب "مالك". "ولكنني أشعر بأنها قريبة. يبدو أن هذا الممر يؤدي إلى مكان أعمق."
واصلوا السير في الممر، والنقوش المتوهجة تضيء دروبهم. كانت هناك نقوش أخرى، تروي قصصاً عن معارك خاضها الأجداد، عن حكمتهم في التعامل مع الصحراء، وعن حبهم لأرضهم. كل نقش كان يضيف قطعة إلى اللغز الذي يحاول "مالك" فهمه.
"ما هذا؟" سألت "ليلى" فجأة، مشيرة إلى نقش يبدو مختلفاً عن البقية. كان يصور شخصاً يقف وسط دوامة من الرمال، ويحمل في يده حجراً كريماً يضيء. "يبدو أنه حجر الأسرار." قال "مالك" وهو يتذكر قصصاً سمعها من "الشيخ سالم" عن هذا الحجر الأسطوري. "يقولون إنه يحمل قوة عظيمة، وقادر على كشف كل الأسرار."
"ولكن، أين هو هذا الحجر الآن؟" سألت "ليلى" بشغف. "لا أعرف." أجاب "مالك". "ولكن يبدو أن رحلتنا لم تنته بعد. هذا الممر، وهذه النقوش، كلها تقودنا إلى اكتشاف هذا الحجر."
وصلوا في نهاية الممر إلى غرفة صغيرة، دائرية الشكل. في وسط الغرفة، كانت هناك منصة حجرية، وعليها، يتلألأ في ضوء الشمعة، حجر صغير، شفاف، يضيء بضوء أخضر زمردي.
"إنه حجر الأسرار!" هتفت "ليلى" وهي لا تصدق عينيها. اقترب "مالك" من الحجر، ومد يده ليلمسه. في اللحظة التي لامس فيها إصبعه سطح الحجر، انبعثت منه موجة من الضوء، غمرت الغرفة بأكملها. شعر "مالك" بأن عقله يتفتح، وأن كل ما كان غامضاً بدأ يتضح. رأى صوراً سريعة في ذهنه: صوراً لأجداده، لمعاركهم، لانتصاراتهم، ولألمهم.
"مالك! هل أنت بخير؟" سألت "ليلى" بقلق، فقد رأت جسد "مالك" يتشنج للحظة. "أنا بخير." قال "مالك" بصوت متقطع. "أنا... أنا أرى كل شيء الآن. كل شيء."
كان حجر الأسرار يروي له قصته، قصة أجداده، قصة مهمتهم، وقصة الخطر الذي يحدق ببلادهم. رأى "مالك" كيف أن هذا الحجر هو مفتاح لقوة قديمة، قوة يمكن أن تنقذهم، أو تدمرهم.
"علينا أن نخرج من هنا،" قال "مالك" وهو يلتقط الحجر، الذي بدا بارداً في يده، ولكنه كان يحمل حرارة قوة عظيمة. "يجب أن نحمل هذا الحجر إلى الشيخ سالم. هو الوحيد الذي سيعرف كيف نحمي أنفسنا، وكيف نستخدمه." خرجوا من الممر، وعادوا إلى وادي الأفاعي، يحملون معهم ليس فقط حجر الأسرار، بل أيضاً عبئاً ثقيلاً من المعرفة، معرفة ستغير مصيرهم. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب، تلقي بظلال طويلة على الرمال، وكأن الصحراء نفسها تتأهب لما سيأتي.