صدى أساطير الواحة
الفصل 2 — رمال الماضي ونداء المجهول
بقلم عمر الشريف
الفصل 2 — رمال الماضي ونداء المجهول
مع بزوغ خيوط الشمس الأولى، التي أذابت صقيع الليل ورسمت لوناً ذهبياً على حبات الرمال، استيقظت ليلى وفي عينيها تصميمٌ أقوى. الأفكار التي تسربت إلى عقلها في جوف الليل لم تفارقها، بل تغلغلت أكثر في روحها، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من يومها الجديد. بعد أن أدت صلاة الفجر، تناولت مع عائلتها وجبة إفطارٍ بسيطة، لكنها كانت مليئةً بالأحاديث عن يومٍ جديدٍ من العمل والرعاية.
"ليلى، اليوم سنذهب لجمع التمور من الحقول البعيدة." قال سالم، وهو يتناول كسرة خبزٍ مبللةٍ بالزيت. "هل أنتِ مستعدةٌ للشمس الحارقة؟"
ابتسمت ليلى. "طبعاً يا سالم. ولكن، هل لي بطلبٍ صغير؟"
"ما هو؟"
"هل يمكننا المرور بجوار 'جبل الأصداء' في طريقنا؟ سمعت أن الرياح هناك تحمل أصواتاً غريبة في الصباح الباكر."
تنهد سالم. "جبل الأصداء؟ إنه بعيدٌ قليلاً عن طريقنا. لماذا تريدين الذهاب إلى هناك؟ ألا يكفيكِ ما في كتاب جدكِ من حكايات؟"
"أريد أن أسمع بنفسي. ربما أسمع شيئاً يمكن أن يساعدني في فهم الأساطير. يقول الكتاب إن الجبل كان مسرحاً لأحداثٍ عظيمة في الماضي."
نظرت أمينة إلى ابنتها ببعض القلق. "يا ليلى، جبل الأصداء مكانٌ وعر، ولا ينصح بالذهاب إليه بمفردك. وهناك أقاويلٌ عن وجوده في أماكن يصعب الوصول إليها."
"لكننا سنكون معاً يا أمي، وسالم يعرف الطريق جيداً." قالت ليلى، ونبرتها تحمل رجاءً.
تردد سالم قليلاً، ثم قال: "حسناً، سنمر بجواره. لكن لا تتأخري، فالعمل كثير."
كانت رحلة جمع التمور طويلة وشاقة، والشمس ترتفع في كبد السماء، تلقي بأشعتها الحارقة على كل شيء. عمل سالم وليلى جنباً إلى جنب، يقطفان الثمار الناضجة، ويضعانها في سلالٍ كبيرة. وبين الحين والآخر، كانت ليلى تنظر باتجاه جبل الأصداء، الذي كان يلوح في الأفق كشبحٍ رمادي.
عندما اقتربوا من الجبل، شعر سالم ببعض التردد. "هل أنتِ متأكدةٌ يا ليلى؟ المكان يبدو مهجوراً."
"نعم، أنا متأكدة. لن نتأخر كثيراً." أجابت ليلى بحماس.
تركا السلال، وتوجها نحو الجبل. كانت الأرض حوله مليئةً بالصخور المتناثرة، والرمال المتحركة. كلما صعدوا، أصبح الهواء أبرد، وصوت الريح أعلى. وقفت ليلى في مكانٍ مرتفع، وأغمضت عينيها. بدأت تستمع بتركيز. في البداية، لم تسمع سوى صفير الريح، لكن مع استمرارها في الاستماع، بدأت تسمع أصواتاً أخرى. كانت كأنها همساتٌ بعيدة، تداخلت مع صوت الريح، لتخلق لحناً غريباً، مليئاً بالشجن.
"هل تسمع شيئاً يا ليلى؟" سأل سالم، وبدا عليه بعض الرهبة.
"نعم، أسمع. إنها ليست مجرد رياح. إنها أشبه بأصواتٍ قديمة، كأنها بقايا حكاياتٍ ضاعت في الزمن." قالت ليلى، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما. "يقول الكتاب إن هذا الجبل كان شاهداً على معارك عظيمة، وعلى لقاءاتٍ بين البشر وكائناتٍ غريبة."
"كائناتٌ غريبة؟" ضحك سالم ضحكةً مكتومة. "هل بدأتِ بالخيال مجدداً؟"
"لا تضحك يا سالم. جدنا كان يقول إن هذه الأساطير لها أساسٌ من الحقيقة. انظر!" أشارت ليلى إلى صخرةٍ كبيرةٍ قريبة، كانت منحوتةً عليها رموزٌ غريبة، بدت قديمة جداً. "هذه الرموز! إنها نفس الرموز الموجودة في كتابي. هل تعتقد أنها مجرد صدفة؟"
اقترب سالم، ونظر إلى الرموز بتمعن. "لم أرَ مثل هذه الرموز من قبل. تبدو قديمةً حقاً."
"جدنا كان يحاول فك رموزها. كان يعتقد أنها مفتاحٌ لفهم سر الواحة." قالت ليلى، وبدأت تمرر أصابعها على النقوش الباهتة. "هذه النجمة، وهذه الهلال، وهذا السهم… إنها تبدو كأنها خريطةٌ ما، أو رموزٌ تحذيرية."
"خريطةٌ إلى أين؟" سأل سالم بفضول.
"لا أعرف. لكنني أشعر بأننا نقترب من شيءٍ ما. جدنا ترك لي ملاحظاتٍ في الكتاب، تشير إلى أن هذه الرموز مرتبطة بمكانٍ يسمى 'بئر الأسرار'. هل سمعت به من قبل؟"
هز سالم رأسه. "لا، لم أسمع بهذا الاسم."
"إنه مكانٌ قليل الذكر، لكن جدنا كان يعتقد أنه يحوي معلوماتٍ عن أصل الواحة، وعن سبب قوتها."
بعد أن أمضت ليلى وقتاً تتفحص الرموز، ثم تنصت إلى همسات الريح، شعرت بأنها قد جمعت ما يكفي من الإلهام. "هيا بنا يا سالم، يجب أن نعود إلى العمل."
في طريق العودة، كان سالم صامتاً، يفكر فيما رآه وسمعه. لم يكن يؤمن بالأساطير كثيراً، لكنه كان يثق في حدس أخته، وفي حكمة جدهما.
عندما عادوا إلى الواحة، استقبلتهم أمينة بابتسامة. "الحمد لله على سلامتكم. هل وجدتم ما تبحثون عنه؟"
"وجدنا بعض الرموز الغريبة يا أمي، وسمعت ليلى بعض الأصوات التي تزعم أنها أساطير." قال سالم، وبدا عليه بعض التردد في وصف ما حدث.
"أصواتٌ قديمة، تحمل قصصاً غامضة." قالت ليلى، وعيناها تلمعان. "أعتقد يا أمي أننا أقرب من أي وقتٍ مضى إلى فهم سر الواحة."
"وما هو هذا السر الذي تعتقدينه؟" سألت أمينة، وبدت مهتمة.
"جدنا كان يقول إن الواحة ليست مجرد أرضٍ خصبة، بل هي مكانٌ مباركٌ بسبب شيءٍ قديم. وهو مرتبط بـ 'بئر الأسرار'."
"بئر الأسرار؟" كررت أمينة الاسم، وبدت وكأنها تسترجعه من ذاكرةٍ بعيدة. "لم أسمع بهذا الاسم منذ زمنٍ طويل. جدكِ كان يتحدث عنه أحياناً، لكنه كان يتحدث عن أمورٍ كثيرة غامضة."
"هل تتذكرين أي شيءٍ عنه يا أمي؟" سألت ليلى بلهفة.
"لا أتذكر الكثير. لكنني أتذكر أنه كان مرتبطاً بالحكمة، وأن الوصول إليه يتطلب قلباً نقياً وبحثاً صادقاً. وكان يقول إنه مكانٌ تكمن فيه قوة الواحة الحقيقية."
"قوة الواحة الحقيقية؟" كرر سالم، وبدأ الفضول يتملكه.
"نعم. وكان يقول إن من يجد هذا البئر، ويستقي من حكمته، يمكنه أن يحمي الواحة ويزدهر بها."
"ولكن أين هو يا أمي؟" سألت ليلى.
"لا أعرف يا ابنتي. جدكِ لم يخبرني بالمكان بالضبط. كان يقول إن المكان لا يكشف عن نفسه إلا لمن يستحقه."
في تلك الليلة، وبعد أن ذهبت العائلة للنوم، جلست ليلى في غرفتها، تحدق في كتاب جدها. بدأت تبحث عن أي إشارةٍ أخرى إلى "بئر الأسرار". وجدت فيه صفحةً قديمة، مليئةً برسوماتٍ ورموز، تشبه تلك التي رأتها على جبل الأصداء. كانت الرسومات تصور بئراً محاطاً بأشجارٍ غريبة، ونجومٍ تتساقط من السماء. تحت الرسم، كانت هناك عبارةٌ مكتوبةٌ بخطٍ صغير: "حيث يلتقي الماء بالنجوم، وحيث تتنفس الأرض أسرارها، هناك يكمن مفتاح الغد."
"حيث يلتقي الماء بالنجوم…" همست ليلى لنفسها. "ماذا يعني هذا؟"
نظرت إلى السماء من النافذة، إلى النجوم المتلألئة. ثم فكرت في بئر الواحة، شريان الحياة. هل يمكن أن يكون البئر نفسه هو "بئر الأسرار"؟ أم أن هناك بئراً آخر؟ شعرت بأن خيطاً رفيعاً يربط بين هذه الأساطير، بين الرموز على الجبل، وبين ما قرأته في الكتاب. وبدأت تدرك أن رحلتها لم تكن مجرد بحثٍ عن قصصٍ قديمة، بل كانت بحثاً عن حقيقةٍ قد تكون مدفونةً تحت رمال الصحراء، تنتظر من يوقظها. لقد شعرت بنداءٍ خفي، نداءٍ من المجهول، يدعوها لاكتشاف ما تخبئه الواحة من أسرار.