في قلب الرمال المتوهجة
الفصل 13 — صدى النداء المفقود
بقلم خالد المنصور
الفصل 13 — صدى النداء المفقود
بعد أيامٍ من المسير، استنبط الأبطال منهمكين في التفكير، مسترشدين بالنجم الثابت في السماء، وبما تعلموه من الواحة الصامتة. كانت رحلتهم أصبحت أكثر وضوحًا، لكنها في نفس الوقت، أكثر خطورة. بدأوا يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم في هذه الصحراء الشاسعة، وأن هناك من يتربص بهم، من يسعى لمنعهم من الوصول إلى مبتغاهم.
كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي أشعتها الحارقة على الرمال، التي تبدو وكأنها تنام تحت وطأة الحر. شعروا بالإرهاق يتسلل إلى أجسادهم، لكن العزيمة التي اكتسبوها من الواحة كانت أقوى من أي تعب.
"أشعر بأننا نقترب من شيءٍ ما،" قالت سارة، وهي تمسح حبّات العرق التي تجمعت على جبينها. "إحساسٌ غريب، كأن هناك قوةً تجذبنا."
"ربما هو صدى النداء المفقود الذي سمعناه في أحلامنا،" قال ليث، وهو يراقب الأفق. "أو ربما هو صوت المدينة نفسها، تدعونا."
"المدينة مدينة الحكمة،" قال عمار، متأملًا. "والحكمة لا تأتي إلا لمن يسعى إليها بصدق. أعتقد أننا بدأنا نصبح جديرين بها."
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا خافتًا، صوتًا أشبه بصرخةٍ بعيدة، تحمل في طياتها الألم والضياع. لم يكن صوتًا بشريًا، بل كان صوتًا غريبًا، يتردد صداه في الفراغ.
"ما هذا الصوت؟" تساءلت سارة، بخوفٍ ممزوجٍ بالفضول.
"إنه ليس صوتًا عاديًا،" قال ليث. "يشبه صوت الوحوش التي واجهناها، لكنه أضعف، وأكثر حزنًا."
شعروا وكأن هذا الصوت يحمل رسالةً، رسالةً تحثهم على الذهاب نحو مصدره. لم يستطيعوا تجاهله. بدأوا في السير بخطواتٍ متسارعة، مسترشدين بهذا النداء الغريب.
كان الصوت يزداد وضوحًا كلما تقدموا، وكأنهم يدخلون في متاهةٍ من الصخور والرمال. ثم، وصلوا إلى منطقةٍ تبدو وكأنها ساحة معركةٍ قديمة. رمالٌ سوداء، وصخورٌ محطمة، وآثارٌ غريبةٌ تدل على صراعٍ عنيف. وفي وسط هذه الفوضى، رأوا كائنًا ضخمًا، ضعيفًا، محاصرًا بين الصخور.
كان الكائن يشبه إلى حدٍ كبير المخلوقات التي واجهوها سابقًا، لكنه كان أضعف بكثير، ويبدو عليه الألم الشديد. كان جسده مغطىً بجروحٍ عميقة، وكان يرتعش من الضعف. كان هو مصدر النداء.
"إنه أحد هؤلاء المخلوقات،" قال ليث، مستعدًا للدفاع عن نفسه.
"لكنه يبدو وكأنه في محنة،" قالت سارة، بشفقة. "انظروا إلى عينيه، إنهما تحملان خوفًا، لا شرًا."
اقترب عمار ببطء، وحذر، وهو يراقب رد فعل الكائن. لم يبدُ عليه أي عدوان، بل كان ينظر إليهم بعينين زائغتين.
"ربما ليس كل المخلوقات شريرة،" قال عمار. "ربما بعضهم ضحايا أيضًا."
"لكنهم ما زالوا خطرين،" قال ليث. "وإذا كان هذا ضعيفًا، فماذا عن الآخرين؟"
"علينا أن نفهم،" قالت سارة. "لماذا هم هنا؟ ولماذا يبدون بهذه الحالة؟"
فجأة، سمعوا صوتًا آخر، صوتًا عميقًا وقويًا، قادمًا من بين الصخور. لم يكن نداءً، بل كان أمرًا.
"ابتعدوا عن فريستي!" صاح الصوت.
ظهر من بين الظلال، رجلٌ طويل القامة، يرتدي درعًا أسودًا لامعًا، ويحمل سيفًا ثقيلًا. كانت ملامحه قاسية، وعيناه تشتعلان بالكراهية.
"من أنت؟" سأل ليث، وهو يضع سارة خلفه.
"أنا الحارس،" قال الرجل بصوتٍ جهوري. "وحارس هذه الصحراء من كل ما هو ضعيفٌ وغير مرغوب فيه."
"وهل تعتبر هذا المخلوق ضعيفًا؟" سألت سارة، وهي تشير إلى الكائن المحاصر. "إنه يبدو وكأنه يبحث عن المساعدة."
"القوة هي كل شيء،" قال الحارس ببرود. "والضعف هو ما يجب أن يُباد. لقد أرسلكم سيدي لجمعهم، أليس كذلك؟"
"نحن لا نعرف سيديًا،" قال عمار بثبات. "ونحن هنا للبحث عن الحكمة، لا لإيذاء أحد."
"الحكمة؟" ضحك الحارس ضحكةً مرعبة. "الحكمة هي القوة. والذين يسعون للحكمة يجب أن يكونوا أقوياء. أنتم تضيعون وقتكم."
"ربما أنت المخطئ،" قالت سارة. "ربما القوة الحقيقية تكمن في الرحمة، وفي فهم الآخرين."
"الرحمة ضعف،" قال الحارس. "والفهم يأتي بعد الانتصار. الآن، ابتعدوا، أو ستواجهون مصير هذا المخلوق."
تلاقت نظرات ليث وعمار. لقد عرفوا أن هذا الرجل ليس مجرد حارس، بل هو جزءٌ من قوى الظلام التي تحدثت عنها العجوز.
"لن نبتعد،" قال ليث، وهو يرفع سيفه. "ولن نسمح لك بإيذاء أحد."
اندلع القتال. كان الحارس قويًا وسريعًا، وسيفه يضرب الهواء بقوةٍ هائلة. حاول ليث وعمار التصدي له، لكنه كان ماهرًا جدًا. كانت سارة، بعيدًا عن القتال المباشر، تحاول فهم ما يجري. لاحظت أن الخاتم في يدها كان يسخن، وكأنه يستجيب لغضب الحارس.
"الحارس! أنت لا تفهم!" صاحت سارة. "هؤلاء المخلوقات ليسوا أشرارًا بطبيعتهم! إنهم ضحايا!"
"الضحايا هم من يستحقون الهلاك،" قال الحارس، وهو يصد ضربةً من ليث.
في تلك اللحظة، حدث شيءٌ غير متوقع. بدأ الكائن المحاصر، رغم ضعفه، يطلق صوتًا غريبًا، صوتًا لم يكن صرخةً، بل كان أشبه بتضرع. وبدأ الخاتم في يد سارة يتوهج ببريقٍ أزرق خافت.
"إنه يتواصل معنا!" قالت سارة. "إنه يقول لنا أن الحارس هو من أسره، وأنه هو من سبب له كل هذا الألم!"
"كاذبة!" صرخ الحارس.
لكن الكائن بدأ يطلق المزيد من هذه الأصوات، وبدأت النقوش على جسده تتوهج بلونٍ أزرق. بدا وكأن الخاتم وسوارة الكائن يتفاعلان مع بعضهما البعض.
"الخاتم،" قالت سارة. "إنه يستجيب لطاقة الكائن! يبدو أنهما مرتبطان!"
بينما كان الحارس مشتتًا، استغل ليث الفرصة، ووجه ضربةً قويةً جعلته يتراجع.
"أنا أعرف حقيقتك أيها الحارس!" قالت سارة، وهي ترفع الخاتم. "أنت لست حارسًا، بل أنت من يسعى لإيقاع الظلام! لقد أخفيت هذه المخلوقات هنا، وجعلتهم يبدون خطرين، حتى تتمكن من السيطرة عليهم!"
بدأت قوةٌ تنبعث من الخاتم، قوةٌ دافئة، لكنها قوية. بدأت الصخور التي تحاصر الكائن تتفتت، وبدأ الكائن يشعر بتحسن.
"هذا مستحيل!" صرخ الحارس، وهو يرى سحره يتلاشى.
"القوة ليست دائمًا في البطش،" قالت سارة، وهي تقف بثبات. "بل هي في الفهم، والرحمة. وهذا هو ما تعلمناه من الواحة الصامتة."
تراجع الحارس، وهو يدرك أن خطته قد فشلت. "هذا لن ينتهي هنا!" قال، ثم اختفى في الظلام.
بمجرد اختفاء الحارس، تحرر الكائن بالكامل. نظر إلى سارة، وليث، وعمار، بعينين امتنتين. بدأ في إصدار أصواتٍ هادئة، كأنها شكر.
"لقد ساعدناه،" قالت سارة، وهي تنظر إلى الخاتم الذي توقف عن التوهج.
"لقد أظهرت لنا أن هذه المخلوقات ليست وحوشًا،" قال عمار. "بل هي كائناتٌ تسعى للحياة، وتسعى للسلام."
"ربما هم أيضًا جزءٌ من قصة المدينة المفقودة،" قال ليث. "ربما هم من يحرسون أسرارها."
لم يستطع الكائن التحدث بلغتهم، لكنه أومأ برأسه، وكأنه يفهم. ثم، بدأ في التحرك، مبتعدًا عنهم، في اتجاهٍ لم يعرفوه.
"إلى أين سيذهب؟" سألت سارة.
"ربما إلى منزله،" قال عمار. "أو ربما إلى حيث يجب أن يكون."
نظروا إلى بعضهم البعض. لقد كسبوا معركةً أخرى، لكنهم أدركوا أن الأعداء الحقيقيين لا يزالون في الظل. لقد اكتشفوا أن قوى الظلام تسعى للتلاعب بالضعفاء، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في رؤية ما وراء المظاهر.