قوافل الذهب عبر الصحراء
الفصل 13 — المسارات المتشابكة
بقلم محمد الفاروق
الفصل 13 — المسارات المتشابكة
في صباح اليوم التالي، اتخذ "عمران" قرارًا حاسمًا. لن ينتظر "يوسف" بعد الآن، ولن يترك مصير الواحة المفقودة للصدفة. لقد أدرك أن عليه أن يتحرك بنفسه، وأن يتبع الخيوط القليلة التي حصل عليها، وأن يستمع إلى همس الصحراء كما نصحه الشيخ.
أعد "عمران" راحلته، وجهز له الماء والطعام الضروريين لعدة أيام. لم يخبر أحدًا بخططه، حتى "سارة"، حرصًا على عدم إثارة قلقها. لقد أراد أن يثبت لنفسه، وللجميع، أنه لا يزال قادرًا على القيادة، وعلى تحمل المسؤولية.
بعد أن ودع منزله، انطلق "عمران" في اتجاه الغرب، نحو الجبال الصخرية التي وصفها الرجل في المقهى. كانت الشمس ترتفع في السماء، وترسل أشعتها الحارقة على الرمال. بدأ يشعر بثقل الصحراء، ولكن شعوره بالعزيمة كان أقوى من أي إرهاق.
كان يقود راحلته ببطء، عينيه تبحثان عن أي علامة، أي تشكيل صخري غريب، أي شيء يتطابق مع الوصف الذي سمعه. مر على العديد من الكثبان الرملية، وعلى سهول واسعة، ولكنه لم يجد ما كان يبحث عنه.
بعد ساعات من السير، بدأ يشعر باليأس يتسلل إلى قلبه. هل كان ذلك الرجل يكذب عليه؟ هل كانت كلمات الشيخ مجرد حكايات قديمة؟ ولكن شيئًا ما بداخله كان يدفعه للاستمرار.
وفجأة، لاحظ شيئًا غريبًا. على مسافة ليست ببعيدة، رأى مجموعة من الإبل تسير في اتجاه معاكس. اقترب منها بحذر، وشعر بارتفاع في نبضات قلبه. كانت تعرف هذه الإبل، إنها تخص تجارًا من "تمبكتو" كانوا قد انطلقوا في رحلة استكشافية قبل أيام.
عندما اقترب أكثر، رأى أنهم ليسوا تجارًا عاديين، بل كان من بينهم "يوسف"، الشاب الذي كلفه بالبحث عن الواحة. كان "يوسف" يبدو عليه الإحباط، وركابه كانوا مرهقين.
توقف "عمران" بالقرب منهم. "يوسف!" نادى بصوت عالٍ.
التفت "يوسف" بدهشة، ولم يصدق عينيه. "سيدي عمران! ماذا تفعل هنا؟"
"كنت أبحث عنك،" قال "عمران" وهو ينظر إلى وجوه الآخرين. "هل وجدتم شيئًا؟"
تنهد "يوسف" وأشار بيده نحو الصحراء. "لقد بحثنا في كل مكان، يا سيدي. لم نجد أي أثر للواحة. كل ما وجدناه هو سراب وخيبة أمل. يبدو أن هذه الواحة مجرد أسطورة."
نظر "عمران" إلى "يوسف" وإلى رجاله. رأى في عيونهم اليأس، وفي ملامحهم الإرهاق. لقد كانوا يبحثون في المكان الخطأ، أو ربما بطريقة خاطئة.
"ربما لم تبحثوا جيدًا،" قال "عمران" بهدوء. "أو ربما لم تستمعوا إلى همس الصحراء."
نظر إليه "يوسف" باستغراب. "همس الصحراء؟ ماذا تقصد يا سيدي؟"
"لقد تحدثت مع شيخ في السوق،" شرح "عمران". "وقال إن الواحة لا تظهر لمن يبحث عنها فقط، بل لمن يستحقها. وأن الدليل ليس في الخرائط، بل في القلب."
"هذا كلام غير منطقي، يا سيدي،" قال أحد التجار المرافقين لـ "يوسف". "نحن بحاجة إلى أدلة ملموسة، وليس إلى حكايات شيوخ."
"الحكمة يا سيدي،" قال "عمران" وهو ينظر إلى التاجر، "ليست دائمًا في الأشياء الملموسة. لقد رأيت بعض العلامات التي قد تقودنا إلى الواحة. ولكن يبدو أنكم قد فقدتم الأمل."
"ليس بعد يا سيدي،" قال "يوسف" بلهجة تشوبها الشكوك، ولكنه كان يشعر ببعض الانجذاب لكلمات "عمران". "ما هي هذه العلامات؟"
"تلك الجبال الصخرية التي تراها هناك،" أشار "عمران" نحو الأفق. "يقال إنها نقطة البداية. وبعد ذلك، يجب أن نتبع اتجاهًا معينًا، وأن نستمع جيدًا لما تقوله الرياح."
نظر "يوسف" إلى الجبال، ثم إلى "عمران". لقد كان لديه خياران: إما أن يعود بخفي حنين، أو أن يتبع "عمران" في رحلة قد تبدو مجنونة. "حسنًا يا سيدي،" قال أخيرًا. "سأتبعك. ولكن إذا لم نجد شيئًا، فعلينا العودة."
"سنرى،" قال "عمران" بابتسامة خفيفة.
قرر "يوسف" ورجاله الانضمام إلى "عمران". لقد شعروا ببعض الأمل الجديد، وببعض الشكوك في آن واحد. ولكن ربما كان "عمران" على حق. ربما كانت الصحراء تخفي أكثر مما يظهر.
انطلقوا معًا نحو الجبال الصخرية. كانت الرحلة شاقة، ولكن وجود "عمران" الهادئ والعازم أعطى الجميع بعض الثقة. عندما وصلوا إلى سفح الجبال، بدأ "عمران" في البحث عن العلامات التي وصفها الرجل في المقهى.
بعد فترة من البحث، وجد "عمران" تشكيلًا صخريًا غريبًا، يشبه يدًا عملاقة تمتد من الأرض. "هذا هو!" صاح "عمران" بفرح. "لقد وجدناها!"
نظر "يوسف" والآخرون إلى التشكيل الصخري. لم يكن شيئًا مميزًا بالنسبة لهم، ولكنه بدا مهمًا لـ "عمران".
"والآن،" قال "عمران" وهو ينظر إلى الشمس. "يجب أن نسير باتجاه الغرب، مع ظل هذه اليد."
بدأوا في السير، وكل خطوة كانت مليئة بالترقب. كانت الشمس تتسلق السماء، والظلال تتغير. كانوا يسيرون ببطء، يستمعون إلى صوت الرياح، ويراقبون كل شيء حولهم.
بعد فترة، بدأ "يوسف" يسمع شيئًا. صوت خفيف، يشبه الهمس، يأتي من بعيد. "هل تسمعون ذلك؟" سأل.
"نعم،" قال "عمران" بابتسامة. "هذا هو همس الواحة."
ازداد الهمس وضوحًا مع كل خطوة. كان مزيجًا من أصوات الرياح، وربما أصوات ماء خافتة. بدأت معنويات الجميع ترتفع. لقد شعروا بأنهم يقتربون من شيء ما.
وفجأة، توقفوا. أمامهم، في وسط صحراء لا نهاية لها، رأوا شيئًا لم يتوقعوه. لم تكن الواحة التي تخيلوها، ليست بماء يتدفق وشجر يانع. بل كانت مجموعة من الصخور القديمة، ونقوش غريبة على الجدران. وفي وسط هذه الصخور، كانت هناك بئر جافة.
خيم الصمت على الجميع. لقد كانوا يتوقعون شيئًا مختلفًا تمامًا.
"هذه هي الواحة؟" سأل "يوسف" بصوت خافت، مليء بخيبة الأمل. "بئر جافة وصخور قديمة؟"
"لا تيأس يا يوسف،" قال "عمران" وهو يقترب من البئر. "ربما ليست الواحة كما نتخيلها. ربما هناك شيء آخر هنا."
نظر "عمران" إلى النقوش على الجدران. كانت قديمة جدًا، ولغتها غير مفهومة. ولكن في وسط هذه النقوش، رأى رمزًا مألوفًا. رمز الشمس، الذي كان يستخدمه تجار الذهب القدماء.
"هذا الرمز... لقد رأيته من قبل،" قال "عمران" وهو يشير إليه. "إنه رمز يدل على وجود مخبأ سري."
فجأة، انتبه "عمران" إلى شيء آخر. بجانب البئر، كانت هناك صخرة تبدو مختلفة عن الصخور المحيطة بها. كانت تبدو وكأنها قد تم وضعها هناك عن قصد.
"ساعدوني في تحريك هذه الصخرة،" قال "عمران" لـ "يوسف" ورجاله.
عملوا معًا، وبقوة، تمكنوا من تحريك الصخرة. وتحتها، وجدوا فتحة صغيرة تؤدي إلى كهف مظلم.
"هذا هو،" قال "عمران" بابتسامة. "هذه هي الواحة المفقودة. إنها ليست واحة ماء، بل واحة سر. وربما، واحة ذهب."