حكاية السلطان سليمان المهيب
الفصل 13 — على أبواب فيينا: طموحٌ لا يلين
بقلم أحمد الرشيد
الفصل 13 — على أبواب فيينا: طموحٌ لا يلين
كانت مدينة بلغراد قد سقطت، والمجر قد خضعت لسيطرة الإمبراطورية العثمانية. لكن طموح السلطان سليمان لم يكن يرتوي. كان يرى في القلب النابض لأوروبا، في فيينا، هدفاً استراتيجياً لم يكتمل بدونه مشروعه العظيم. كانت فيينا، عاصمة آل هابسبورغ، تمثل القوة الكبرى في أوروبا الغربية، وكان فتحها يعني توجيه ضربةٍ قاصمةٍ للغرب، وفتح الطريق أمام انتشار النفوذ العثماني إلى أبعد الحدود.
"يا إبراهيم"، قال السلطان سليمان، وعيناه تتوهجان بعزمٍ لا يلين، وهو يقف على شرفة القصر، ينظر إلى الأفق البعيد، "لقد رأينا ما فعلناه بالمجر، وها هي فيينا تنادينا. إنها ليست مجرد مدينة، بل هي مفتاحٌ للقارة بأكملها. علينا أن نستغل هذه الفرصة، وأن نؤمن حدودنا بشكلٍ دائم."
كان إبراهيم باشا، الذي أثبت ولاءه وكفاءته مراتٍ عديدة، يوافق السلطان في تطلعاته، ولكنه كان يدرك أيضاً حجم التحدي. "مولاي، إن فيينا مدينةٌ حصينة، وجيوش هابسبورغ قوية. لكن لا شيء يقف أمام عزمكم، ولا شيء يعيق إرادتكم. متى ما قررت، كان قرارك هو القرار."
بدأت الاستعدادات للحملة الجديدة بوتيرةٍ متسارعة. تم حشد الجيوش، وتجهيز العتاد، وجمع المؤن. كانت الأخبار تنتشر في أوروبا كالنار في الهشيم، مثيرةً الرعب والفزع في قلوب الحكام والنبلاء. كانت الإمبراطورية العثمانية، بقيادة سليمان المهيب، تبدو كقوةٍ لا تُقهر، قادرةٍ على سحق أي مقاومة.
"لا تدعوا الخوف يتسلل إلى قلوبكم"، كان السلطان سليمان يخاطب قادته، "بل اجعلوه وقوداً لعزيمتكم. إننا لا نقاتل من أجل المال أو الشهرة، بل نقاتل من أجل الحق، ومن أجل العدل، ومن أجل نشر راية الإسلام في هذه الأرض."
كانت رحلة الجيش العثماني إلى فيينا محفوفةً بالمخاطر. عبروا الأراضي الوعرة، وواجهوا الأمطار الغزيرة، وارتفعت درجات الحرارة بشكلٍ كبير. كانت الطرق غير ممهدة، وكانت المعسكرات تتعرض لهجماتٍ متفرقة. لكن السلطان سليمان، بصلابته المعهودة، كان يقود جيشه بنفسه، مشاركاً جنوده في كل صعوبة.
"يا جنود الإمبراطورية"، كان يقول لهم، "إن هذه الرحلة ليست سهلة، لكنها ستكون نهايةٌ لمقاومة هابسبورغ، وبدايةٌ لعصرٍ جديدٍ من السلام والأمان. اجعلوا هذه الرحلة ذكرى خالدة، واجعلوا شجاعتكم مثالاً للأجيال القادمة."
عندما وصل الجيش العثماني إلى أبواب فيينا، كان المشهد مهيباً. امتدت الخيام لمسافاتٍ شاسعة، وصوت الطبول كان يدوي في الأرجاء. كانت المدينة محاطةً بالأسوار العالية، والجنود الألمان والنمساويون كانوا مستعدين للدفاع عنها بكل ما أوتوا من قوة.
"سنحاصر هذه المدينة حتى تسقط"، كان السلطان سليمان يعلن بصوتٍ جهوري، "ولن نبرحها حتى نرى راية الإمبراطورية ترفرف فوق أسوارها."
بدأ الحصار، وكانت المعارك على أشدها. كانت المدفعية العثمانية تدك الأسوار، والجنود كانوا يحاولون اختراقها. لكن المدينة كانت صامدة، والمدافعون عنها كانوا يقاومون بشراسة. مرت الأيام، ثم الأسابيع، ولم تسقط فيينا. كانت الظروف الجوية تزداد سوءاً، والمؤن بدأت تنفد. كانت هناك أصواتٌ بدأت تعلو في صفوف الجيش، تنادي بالعودة.
"يا مولاي"، قال له إبراهيم باشا، بنبرةٍ تحمل قلقاً شديداً، "لقد قاوموا بشدة، والمطر لا ينقطع، والطعام بدأ ينقص. ربما حان الوقت لإعادة النظر في هذا الحصار."
نظر السلطان سليمان إلى فيينا، ثم إلى جيشه. كان يعرف أن الانتصار العظيم قد لا يتحقق هذه المرة. شعر بخيبة أملٍ خفيفة، لكنه لم يسمح لها بأن تسيطر عليه. كان يعرف أن العودة الآن ليست هزيمة، بل هي استراتيجيةٌ للحفاظ على قوته، ولتجنب خسائر فادحة.
"إذاً، فلنرفع الحصار"، قال السلطان سليمان، بصوتٍ هادئٍ ولكنه حازم. "لقد أثبتنا قوتنا، وأظهرنا عزيمتنا. سنعود الآن، ونحن أقوى من ذي قبل. فيينا لم تسقط اليوم، ولكنها ستسقط يوماً ما."
كانت عودة الجيش العثماني حدثاً مهيباً، وإن كان يحمل بعض المرارة. لم يتم فتح فيينا، لكن الحملة كانت قد أثرت بشكلٍ كبيرٍ على مجرى الأحداث في أوروبا. لقد أثبت السلطان سليمان أن الإمبراطورية العثمانية قوةٌ لا يستهان بها، وأن طموحاته لم تكن محدودة. كانت أبواب فيينا قد بقيت مغلقةً أمامه هذه المرة، ولكن حكايته مع أوروبا لم تنتهِ بعد. لقد كانت هذه الرحلة، رغم عدم تحقيق هدفها الأقصى، شاهداً على طموحه الذي لا يلين، وعلى سعيه الدؤوب إلى توسيع حدود العدل والقانون الذي مثله.