حكاية السلطان سليمان المهيب
الفصل 17 — مؤامراتٌ في الظلام: ظلُّ إبراهيم باشا
بقلم أحمد الرشيد
الفصل 17 — مؤامراتٌ في الظلام: ظلُّ إبراهيم باشا
كان إبراهيم باشا، الصدر الأعظم للدولة العثمانية، رجلاً ذا نفوذٍ استثنائي، وصديقاً حميماً للسلطان سليمان. لقد ارتقى من مجرد عبدٍ ليصبح الرجل الثاني في الدولة، وكان له دورٌ كبيرٌ في الكثير من الانتصارات العسكرية والقرارات السياسية. لكن وراء واجهة الوفاء والإخلاص، كانت تخالج صدر إبراهيم باشا أفكارٌ ومشاعرٌ معقدة، ربما لم يكن السلطان سليمان نفسه على درايةٍ كاملةٍ بها.
في إحدى الليالي الهادئة، كان إبراهيم باشا جالساً في مكتبه الخاص بالقصر، وسط أكوامٍ من الوثائق والمراسلات. أضاءت الشموع جو الغرفة، وألقت بظلالٍ راقصةٍ على الجدران. كان يفكر بعمقٍ في الأحداث الأخيرة، وفي تنامي قوة الأمير مصطفى. لم يكن إبراهيم باشا معادياً للأمير، بل على العكس، كان يكن له احتراماً، وكان يعلم أن الأمير يتمتع بشعبيةٍ جارفةٍ بين الجيش. ولكن، كان يخشى من أن يفسر هذا الشعبية على أنها بدايةٌ لطموحٍ يتجاوز حدود الولاء.
دقّ الباب بهدوء، فسمح إبراهيم باشا بالدخول. دخل رجلٌ بملامحٍ غامضة، يرتدي ملابس داكنة، ويحمل في عينيه بريقاً مريباً. كان هذا الرجل، واسمه "خليل"، أحد جواسيس إبراهيم باشا الموثوقين، ومن الذين يعتمد عليهم في جمع المعلومات الحساسة.
"ما لديك يا خليل؟" سأل إبراهيم باشا بصوتٍ هادئ، لكن فيه نبرةٌ من الترقب.
تقدم خليل، وقال بصوتٍ منخفض: "مولاي الصدر الأعظم، لقد تأكدتُ من المعلومات. الهمسات التي تحدثنا عنها ليست مجرد شائعاتٍ عابرة. هناك بالفعل مجموعاتٌ من الضباط في الجيش، وبعض التجار الأثرياء، وحتى بعض الشخصيات في البلاط، بدأوا يتحدثون بصوتٍ عالٍ عن ضرورة تسريع انتقال السلطة. وهم يرون في الأمير مصطفى، الابن الأكبر، الوريث الطبيعي والمناسب."
أطلق إبراهيم باشا نفساً طويلاً، ثم نظر إلى الشموع المشتعلة. قال: "إن هذا أمرٌ خطير. الأمير مصطفى رجلٌ قويٌ وشجاع، ولا شك في كفاءته. ولكنه في الوقت نفسه، لا يجب أن يسمح لأحدٍ باستغلال شعبيته لمآربٍ لا تخدم مصلحة الدولة."
"ولكن يا مولاي، البعض يرى أن الأمير نفسه قد يكون راضياً عن هذه التطلعات، بل قد يكون يشجعها سراً."
توقفت كلمات خليل في حلق إبراهيم باشا. نظر إليه الصدر الأعظم بعينين ثاقبتين. قال: "كيف لك أن تقول ذلك؟ الأمير مصطفى رجلٌ مخلصٌ لوالده. لا تجرؤ على رمي هذه الاتهامات دون دليلٍ قاطع."
"مولاي، أنا لا أرمي بالاتهامات، بل أنقل ما سمعت. سمعتُ أن الأمير قد تحدث مع بعض المقربين منه عن طموحه المشروع، وعن رغبته في أن يكون على قدر المسؤولية."
تنهد إبراهيم باشا. كان يعلم أن الأمير مصطفى طموحٌ، وكان يعلم أيضاً أن طموح الأمراء في وراثة العرش هو أمرٌ طبيعي. لكن الخوف كان يساوره من أن يؤدي هذا الطموح إلى فتنةٍ أو انقسامٍ داخل الدولة، خاصةً وأن السلطان سليمان لا يزال في أوج قوته.
"ما هي أسماء هؤلاء الذين يتحدث عنهم الأمير؟" سأل إبراهيم باشا.
"هناك بعض الضباط في الحرس القديم، يا مولاي، الذين يشعرون بالولاء للأمير أكثر من السلطان. وهناك أيضاً بعض العلماء الذين يرون في الأمير تجسيداً لقيم العدل والشريعة. أما عن التجار، فهم يرون في الأمير ضمانةً لاستقرار الأوضاع الاقتصادية."
"هذا يعني أن المؤامرة، إن جاز تسميتها كذلك، بدأت تأخذ أبعاداً واسعة." قال إبراهيم باشا وهو يتأمل بيديه. "ولكن، ما الذي نريده نحن؟ هل نريد أن نرى الأمير مصطفى على العرش؟ أم أننا نفضل استقرار الوضع الراهن؟"
كان هذا هو السؤال المحوري الذي كان يدور في ذهن إبراهيم باشا. لقد كان مديناً للسلطان سليمان بحياته وبمنصبه. لكنه كان أيضاً رجلاً سياسياً، يدرك أن مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. كان يرى في الأمير مصطفى خليفةً قوياً، لكنه كان يخشى أيضاً من أن يؤدي صعوده المبكر إلى زعزعة استقرار الدولة، خاصةً وأن هناك أمراءً آخرين.
"مولاي،" قال خليل بتردد، "هناك من يعتقد أن الأمير مصطفى قد يكون ضعيفاً أمام بعض المؤثرات. خاصةً، إذا ما استغلّت بعض الأطراف الظروف المحيطة به."
"من تقصد بذلك؟" سأل إبراهيم باشا.
"أقصد، يا مولاي، أن البعض قد يحاول استغلال حب الأمير لوالدته، أو حتى لبعض النساء في حياته، للتأثير على قراراته."
ارتعش وجه إبراهيم باشا قليلاً. كان يعلم أن السلطانة هُيام، والدة الأمير مصطفى، امرأةٌ قويةٌ وذات نفوذ. كان يعلم أيضاً أن علاقة الأمير بوالدته قويةٌ جداً.
"يجب أن أكون حذراً جداً،" تمتم إبراهيم باشا لنفسه. "لا يمكنني أن أسمح بحدوث انقسامٍ في الدولة. يجب أن أحافظ على استقرار الحكم، وأن أضمن انتقالاً سلساً للسلطة حين يحين وقتها."
"ما هي أوامركم يا مولاي؟" سأل خليل.
نظر إبراهيم باشا إلى خليل، وقال بصوتٍ حازم: "استمر في جمع المعلومات. كل ما يتعلق بالأمير مصطفى، وكل ما يتعلق بمن يحاولون استغلاله. لكن كن حذراً. لا يجب أن يعرف أحدٌ أننا نراقب. وأهم من ذلك، لا يجب أن تظهر أي علامةٍ على أننا نتدخل في شؤون الأمير. هدفنا الآن هو الفهم، وليس التغيير."
"أمرك يا مولاي." قال خليل، ثم انحنى وخرج من الغرفة.
بقي إبراهيم باشا وحيداً في مكتبه، تتأمل الشموع. كانت الظلال تزداد طولاً، وتكاد تخنق الأضواء. شعر إبراهيم باشا بثقلٍ كبيرٍ على صدره. لقد أصبح في موقفٍ صعبٍ للغاية. كان عليه أن يوازن بين ولائه للسلطان، وبين واجبه نحو الدولة، وبين قلقه من المستقبل. لقد بدأت المؤامرات في الظلام، وكان عليه أن يجد طريقةً لمواجهتها دون أن يوقع نفسه في فخٍ قد يدمره. كان يعلم أن مستقبل الدولة العثمانية قد يعتمد على قراراته في الأيام القادمة.