حكاية السلطان سليمان المهيب
الفصل 18 — العهدُ الذهبي: إرثٌ من العدل
بقلم أحمد الرشيد
الفصل 18 — العهدُ الذهبي: إرثٌ من العدل
كان السلطان سليمان، الذي اشتهر بلقب "القانوني" في التاريخ، يعلم أن بناء إمبراطوريةٍ عظيمةٍ لا يقتصر على الفتوحات العسكرية وتوسيع الأراضي، بل يمتد ليشمل ترسيخ العدل والقانون في ربوعها. لقد رأى بنفسه كيف أن الأنظمة القانونية الفاسدة أو غير المتوازنة يمكن أن تؤدي إلى اضطراباتٍ وتمردات، حتى لو كانت الدولة قويةً عسكرياً. ولذلك، كرّس جزءاً كبيراً من حكمه لوضع وتطوير الشرائع التي تحكم حياة رعاياه.
في قاعة العرش المهيبة، حيث تتلألأ الزخارف الذهبية وتفوح رائحة البخور الفاخر، كان السلطان سليمان يجلس على عرشه، محاطاً بكبار وزرائه وقضاته. لم يكن مجرد حاكمٍ يقرر، بل كان مشرّعاً يسعى إلى إرساء قواعدٍ متينةٍ للحكم.
"لقد رأينا كيف أن القوانين القديمة، رغم قدمها، لم تعد قادرةً على تلبية احتياجات زماننا المتغير،" قال السلطان بصوتٍ جهوري، يتردد صداه في القاعة. "لقد توسعت حدود دولتنا، وازداد عدد السكان، وتنوعت الأعراف والتقاليد. ولذلك، كان لزاماً علينا أن نضع شرائع جديدة، تواكب هذه التطورات، وتحفظ حقوق الجميع."
كانت العملية قد بدأت منذ سنوات. استعان السلطان بأفضل العلماء والقضاة في عصره، وعلى رأسهم إبراهيم باشا، الذي كان يمتلك حساً قانونياً نادراً. عملوا ليلاً ونهاراً، يدرسون القوانين السابقة، ويتشاورون مع فقهاء الشريعة، ويستلهمون من مبادئ العدل والإنصاف.
"لقد حرصنا في هذه الشرائع على أن نجمع بين أحكام الشريعة الإسلامية السمحة، وبين ما اقتضته ضرورة الحكم العادل في إمبراطوريةٍ واسعةٍ ومتنوعة،" استمر السلطان. "لقد وضعنا قوانين تنظم الزراعة والتجارة، وتنظم العلاقات بين الناس، وتنظم عقوبة المجرمين، وتنظم طريقة فرض الضرائب، كل ذلك بهدف تحقيق المساواة بين جميع الرعايا، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو مكانتهم الاجتماعية."
وقف قاضي القضاة، شيخٌ وقورٌ ذو لحيةٍ بيضاء، وقال بانحناء: "مولاي السلطان، لقد كان عملكم هذا عملاً عظيماً. لقد أرسيتُم بذلك أسس عدلٍ لم تعرفها الإمبراطورية من قبل. إن هذه الشرائع، التي أطلق عليها أسم 'قانون نامه'، ستكون مصدر فخرٍ لنا وللأجيال القادمة. لقد ضمنتم بها أن يعيش الناس في ظل الأمن والأمان، وأن يحصل كل ذي حقٍ على حقه."
ابتسم السلطان سليمان ابتسامةً تحمل معها رضاً عميقاً. قال: "إن العدل هو أساس الملك. فإذا زال العدل، زال الملك. لقد سعيتُ جاهداً لأكون ظلاً لله في أرضه، وأن أطبق شرعه على خير وجه. أتمنى أن تكون هذه الشرائع سبباً في رخاء الدولة واستقرارها."
لم يقتصر عمل السلطان سليمان على وضع الشرائع فحسب، بل سعى أيضاً إلى ضمان تطبيقها بشكلٍ عادلٍ ومنصف. فقد كان يعقد اجتماعاتٍ دوريةً مع قضاته، يستمع إلى شكاوى الناس، ويتأكد من أن أحكام القانون تُنفذ دون محاباةٍ أو ظلم. كان يرى في كل مواطن، سواء كان فلاحاً بسيطاً أو تاجراً غنياً، عبئاً من أعباء الأمانة التي استودعه الله إياها.
كانت إحدى أبرز سمات عصره هي المساواة أمام القانون. فقد كان بإمكان أي فردٍ، مهما كانت مكانته، أن يتقدم بشكوى ضد حتى أقوى المسؤولين في الدولة، وكان للسلطان نفسه أن يُحاسب إذا ثبت عليه ظلمٌ أو تجاوز. هذا المبدأ، الذي كان جديداً على كثيرٍ من الأنظمة الحاكمة في ذلك الوقت، هو ما منح حكم سليمان هيبته وعدالته.
في إحدى المرات، وصل إلى السلطان خبرٌ مفاده أن أحد كبار رجال الدولة قد استولى على أرضٍ تعود لفقيرٍ ما، دون وجه حق. استدعى السلطان هذا الرجل، واستمع إلى أقواله، ثم استمع إلى أقوال الفقير. وبعد التحقق من الأدلة، أمر السلطان بإعادة الأرض إلى صاحبها، ومعاقبة الرجل الذي اعتدى عليها. لم يكن هناك استثناءٌ لأحدٍ من حكم القانون.
وقال السلطان في ذلك: "إنني أخشى يوم القيامة، وأعلم أن الله سائلي عن كل فردٍ تحت حكمي. ولذلك، يجب أن أسعى جاهداً لأكون عادلاً في قضائي، وأن أقيم الحق وأدفع الباطل. فالظلم لا يدوم، والعدل هو أساس الملك."
لقد امتد تأثير الشرائع التي وضعها السلطان سليمان إلى ما بعد عصره. فقد أصبحت القوانين العثمانية، التي عرفت بـ "قانون نامه"، نموذجاً يحتذى به في العديد من الدول، وظلت سارية المفعول لقرونٍ طويلة. إنها شهادةٌ حيةٌ على حكمة السلطان سليمان، وعلى سعيه الدؤوب لإقامة دولةٍ تقوم على العدل والقانون.
لم يكن الأمر سهلاً، فقد واجه السلطان مقاومةً من بعض الذين اعتادوا الظلم والفساد، ومن الذين كانوا يرون في المساواة تهديداً لمصالحهم. لكن السلطان، بصلابته وعزيمته، لم يتراجع. لقد آمن بأن بناء دولةٍ قويةٍ لا يتحقق إلا بإرساء دعائم العدل، وأن استقرار الإمبراطورية يعتمد على قدرتها على حماية حقوق رعاياها.
وهكذا، في عصر السلطان سليمان المهيب، لم تكن السيوف هي وحدها التي تصنع المجد، بل كانت الشرائع والقوانين هي الأخرى التي ترسم ملامح العصر الذهبي. عصرٌ سيبقى خالداً في صفحات التاريخ، شاهداً على أن الحكم العادل هو أعظم ما يمكن أن يحققه سلطانٌ لمواطنيه.