حكاية السلطان سليمان المهيب
الفصل 7 — حصار بلغراد: صمودٌ وأمل
بقلم أحمد الرشيد
الفصل 7 — حصار بلغراد: صمودٌ وأمل
انطلقت جيوش السلطان سليمان من أدرنة، كالسيل الجارف الذي لا يمكن إيقافه. كانت الرايات العثمانية ترفرف عالياً في سماء الأناضول، تعلن عن قرب وصولهم. كان السلطان، وهو في قلب جيشه، يشعر بقوةٍ لا توصف. قوةٌ تنبع من إيمانه بالله، ومن ثقته في رجاله، ومن طموحه الجامح نحو رفعة الدولة.
كانت رحلة الشتاء قاسية. البرد القارس، والثلوج المتراكمة، والرياح العاتية، لم تكن إلا تحدياتٌ بسيطة أمام عزيمة الجنود. كانوا يعرفون أن هدفهم نبيل، وأن السمعة التي سيحققونها لدولتهم تستحق كل هذا العناء. كان السلطان سليمان يشاركهم في كل شيء، يتناول طعامهم، ينام في خيامهم، ويستمع إلى شكواهم. كان يدرك أن القائد الحقيقي لا يقود من خلف، بل من أمام.
بعد أسابيع طويلة من المسير، وصلت الجيوش إلى مشارف بلغراد. كانت المدينة تبدو كقلعةٍ منيعة، تحيط بها أسوارٌ عالية، ويحرسها جنودٌ أشداء. كان السلطان يقف على تلةٍ مرتفعة، يتأمل المدينة بعينيه الثاقبتين. شعر بثقل المسؤولية يزداد، ولكن أيضاً بشيءٍ من الإثارة. كانت هذه هي المعركة التي لطالما حلم بها.
"يا إبراهيم"، قال السلطان وهو يلتفت إلى وزيره الأعظم. "ما هي تقديراتك لقوة الحامية؟"
"مولاي، التقارير تفيد بوجود ما يقارب عشرين ألف جنديٍ نظامي، بالإضافة إلى المقاتلين المحليين. أسوارهم قوية، ومدفعيتهم متطورة. لكن، معنوياتهم بدأت تتراجع مع وصول جيوشنا الضخمة."
"وهل هناك أي ثغرات يمكن استغلالها؟" سأل السلطان.
"نعم يا مولاي. هناك بعض النقاط الضعيفة في السور الغربي، بالقرب من نهر الدانوب. ولكنها ستحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ لتجاوزها."
"إذاً، هذا هو طريقنا"، قال السلطان بحزم. "سنبدأ الحصار فوراً. سنرسل لهم رسالةً تتضمن شروط الاستسلام، ونمنحهم فرصةً أخيرةً لتجنب سفك الدماء. فإن رفضوا، فسنرى كيف ستتحمل أسوارهم غضب الله وغضب السلطان."
تم إرسال الرسالة، ولكن الرد كان الرفض. لقد كان القائد المجري، وهو رجلٌ عنيدٌ وفخور، يرفض الاستسلام لقوةٍ أجنبية. بدأ الحصار.
كانت الأيام الأولى للحصار صعبة. المدفعية العثمانية كانت تقصف الأسوار بلا هوادة، ولكن الأسوار كانت صامدة. كان الجنود المجريون يردون بإطلاق سهامهم وقذائفهم، مما أدى إلى وقوع بعض الخسائر في صفوف العثمانيين. كان السلطان سليمان يقضي أيامه ولياليه في الإشراف على العمليات، وتشجيع جنوده. كان يزور الجرحى، ويواسي عائلات الشهداء. كان قلبه يتألم لما يراه من دماءٍ تسفك، ولكنه كان يعلم أن هذا هو ثمن النصر.
في إحدى الليالي، وبينما كان السلطان يجلس في خيمته، يتأمل النجوم، دخل عليه إبراهيم باشا بوجهٍ متعب.
"مولاي، الوضع صعب. تقدمنا بطيء، والخسائر تتزايد. يبدو أن الحصار سيطول."
تنهد السلطان. "أعرف يا إبراهيم. لكننا لن نستسلم. يجب أن نجد طريقةً لاختراق أسوارهم. هل هناك أي شيءٌ آخر يمكننا فعله؟"
"لقد فكرتُ طويلاً يا مولاي. هناك خيارٌ واحدٌ فقط. يجب أن نستخدم المياه. لقد رأيتُ أن هناك قنواتٍ قديمةٍ تصل بين نهر الدانوب والمدينة. إذا تمكنا من تفجيرها، فقد نحدث فجوةً في السور، أو على الأقل نحدث فوضى داخل المدينة."
نظر السلطان إلى إبراهيم باشا بعينين متقدتين. "هذه فكرةٌ جريئة، ولكنها قد تكون ناجحة. ابدأ في تجهيز الخطط. نريد أن نكون سريين قدر الإمكان."
بدأت وحداتٌ خاصةٌ من الجيش بالعمل ليلاً، بحذرٍ شديد. كانوا يحفرون في الخفاء، ويزرعون المتفجرات بالقرب من القنوات المائية. كان العمل شاقاً، وكان الخوف من اكتشافهم يرافقهم في كل لحظة.
في يومٍ مشهود، وعند فجرٍ مبكر، انطلقت أصواتٌ مدويةٌ هزت الأرض. لقد نجحت الخطط. انفجرت القنوات المائية، وتدفقت المياه بغزارة نحو المدينة. لم يكن الهدف هو إغراقها، بل إحداث فوضى، وتدمير جزءٍ من السور، وفتح ثغرةٍ يمكن للجنود اقتحامها.
استغل العثمانيون هذه الفوضى. اندفع الجنود نحو الثغرة، حاملين سيوفهم ورماحهم. كانت معركةٌ دامية، ولكنها كانت معركةً يشعر فيها الجندي العثماني بقرب النصر. كان السلطان سليمان بنفسه في مقدمة الهجوم، يشق طريقه بين الصفوف، يقاتل بشجاعةٍ لا مثيل لها.
لم يستطع الجنود المجريون تحمل الضغط. بدأ السور ينهار، وبدأت صفوفهم تتفكك. في نهاية المطاف، سقطت بلغراد.
عندما دخل السلطان سليمان المدينة، لم يشعر بالزهو بقدر ما شعر بالأسى على ما حدث. رأى الدمار، وشاهد الدموع في عيون المدنيين. أمر جنوده بالتوقف عن القتال، وبدء مساعدة السكان. أمر بتوفير الطعام والشراب، ومعالجة الجرحى. كان يعلم أن النصر الحقيقي ليس في الدمار، بل في إعادة البناء.
"مولاي"، قال إبراهيم باشا وهو يقف بجانب السلطان في ساحة المدينة. "لقد أثبتنا للعالم أننا أقوياء. بلغراد الآن في أيدينا."
"نعم يا إبراهيم"، قال السلطان سليمان، وهو ينظر إلى السماء. "ولكن هذه البداية فقط. الطريق طويل، والمسؤوليات عظيمة. يجب أن نحكم بعدل، وأن نحافظ على سلامة هذا الشعب الذي أصبح تحت رعايتنا."
عاد السلطان إلى أدرنة، محمولاً على أكتاف الفرح والانتصار. لكنه لم ينسَ أبداً ثمن هذا النصر. لقد تعلم أن القوة الحقيقية ليست في شن الحروب، بل في تحقيق السلام والعدل. لقد كانت بلغراد مجرد بداية، ولكنها بدايةٌ وضعت أسس عصرٍ جديد، عصرٌ سيُعرف فيه السلطان سليمان بأنه "القانوني"، العادل، والمجتهد.