أساطير بغداد: أسرار ألف ليلة

الفصل 10 — أسرارُ الأرقامِ ولغةُ النجوم

بقلم محمد الفاروق

الفصل 10 — أسرارُ الأرقامِ ولغةُ النجوم

كانَ الهواءُ في المرصدِ القديمِ باردًا وثقيلاً، يحملُ معه رائحةَ الغبارِ المتراكمِ عبرَ السنين، ورائحةَ الحجرِ المبلل. حينَما دخلَ سليم، شعرَ وكأنهُ يعودُ إلى مكانٍ يعرفهُ جيدًا، ولكنهُ لم يكشفْ عن كلِّ أسرارهِ بعد. ضوءُ الشمسِ الخافتِ كانَ يتسللُ منَ النوافذِ المكسورة، يرسمُ خطوطًا ذهبيةً على الأرضيةِ الحجرية، وعلى بقايا الأدواتِ الفلكيةِ الصدئة.

تذكرَ سليم النقشَ الذي رآهُ في المرةِ السابقة، النقشَ الذي يشبهُ خريطةَ نجومٍ قديمة، والكلماتِ التي قرأها في الرسالةِ التي وجدها في الكهف. "ابحثْ عنِ الرمزِ الذي يشبهُ عينَ النسر." قالتْ جدتهُ، "سرُّ المرصد."

بدأَ سليم يتجولُ في المرصد، باحثًا عن أيِّ شيءٍ جديد، عن أيِّ أثرٍ يمكنُ أنْ يقودهُ إلى "سرِّ المرصد". مرَّ على المنصةِ التي كانَ يقفُ عليها التلسكوبُ القديم، تفحصَ الجدرانَ بحثًا عن أيِّ نقوشٍ مخفية.

بعدَ فترةٍ منَ البحثِ الدؤوب، لفتَ انتباههُ شيءٌ في أحدِ الجدرانِ الخلفية. كانتْ هناكَ مجموعةٌ منَ الأرقامِ منحوتةً في الحجر، فوقَ بعضها البعض، بشكلٍ يبدو عشوائيًا للوهلةِ الأولى. لكنَّ سليم، الذي بدأَ يتعلمُ لغةَ الأرقامِ والرموزِ من جدتهِ، شعرَ بأنَّ هذهِ الأرقامَ تحملُ معنى.

اقتربَ منها، وبدأَ يتفحصها. كانتْ أرقامًا تبدو مألوفةً، ولكنها مرتبةٌ بطريقةٍ غريبة. تذكرَ كيفَ كانتْ جدتهُ تتحدثُ عن ارتباطِ النجومِ بالأرض، وعن حساباتٍ معقدةٍ كانتْ تستخدمُ لفهمِ تأثيراتِ الكواكب.

"هل هذهِ... هل هيَ حسابات؟" تساءلَ سليم بصوتٍ خفيض.

بدأَ يحاولُ ربطَ هذهِ الأرقامِ بما تعلمهُ عن حركةِ الكواكبِ وأبراجِها. هل تمثلُ تواريخ؟ أم مواقعَ نجوم؟ أم ربما...

وفجأةً، تذكرَ النقشَ القديمَ الذي يشبهُ خريطةَ النجوم. هل يمكنُ أنْ تكونَ هذهِ الأرقامُ مفتاحًا لفهمِ ذلكَ النقش؟

أخرجَ سليم دفترًا صغيرًا كانَ يحملهُ، وبدأَ يدونُ الأرقام. ثمَّ أخرجَ ورقةً أخرى كانَ قد رسمَ عليها النقشَ القديمَ في المرصد. بدأَ يقارنُ بينَ الاثنين.

"هنا... يبدو أنَّ هذهِ الأرقامَ تشيرُ إلى مواقعَ محددةٍ في هذهِ الخريطة." قالَ سليم، وبدأَ يشعرُ بأنَّه يقتربُ من شيءٍ مهم.

لاحظَ وجودَ رمزٍ صغيرٍ بينَ الأرقام، رمزٌ يشبهُ عينَ النسر، نفسُ الرمزِ الذي وجدهُ على إطارِ المرآةِ وعلى ألواحِ الكهف.

"عينُ النسر!" صاحَ سليم. "إنها هنا أيضًا!"

بدأَ يتبعُ الرموزَ على الخريطةِ القديمة، مستخدمًا الأرقامَ كدليل. كانتِ الأرقامُ تشيرُ إلى نجومٍ معينة، وترتيبها يشيرُ إلى خطٍ وهميٍّ يمتدُّ عبرَ السماء.

"إنها... إنها تشيرُ إلى نقطةٍ معينةٍ في السماء!" قالَ سليم، وعيناهُ تلمعانِ بالإثارة. "نقطةٌ لا تبدو مميزةً جدًا، ولكنها... لكنها مرتبطةٌ بهذا الرمز."

بدأَ سليم يشعرُ بأنَّه على وشكِ اكتشافِ السرِّ الكبير. لكنَّه لم يكنْ يعرفُ ما الذي تعنيهِ هذهِ النقطةُ المحددة. هل هيَ موقعٌ فلكيٌّ مهم؟ أم أنها مجردُ رمزٍ آخر؟

بينما كانَ يتفحصُ النقشَ والخريطة، لاحظَ شيئًا غريبًا في زاويةِ المرصد، تحتَ نافذةٍ شبهِ مغلقة. كانتْ هناكَ قاعدةٌ حجريةٌ صغيرة، يبدو أنها كانتْ تحملُ شيئًا ما في السابق. كانتْ مغطاةً بالغبار، لكنَّ سليم شعرَ بأنها مهمة.

اقتربَ منها، وأزالَ الغبارَ بحذر. وجدَ عليها نقشًا آخر، نقشٌ صغيرٌ جدًا، بالكادِ يُرى. كانَ يشبهُ دائرةً بها نقطةٌ في المنتصف، محاطةً بنقوشٍ تبدو كأنها تتبعُ حركةَ عقاربَ الساعة.

"ما هذا؟" تساءلَ سليم.

بدأَ يفكر. الدائرةُ بالنقطةِ في المنتصف... حركةُ عقاربَ الساعة... والنقطةُ المحددةُ في خريطةِ النجوم. هل يمكنُ أنْ يكونَ هناكَ علاقة؟

"ربما... ربما هذهِ القاعدةُ كانتْ تحملُ شيئًا يحاكي ما هوَ في السماء." قالَ سليم. "شيءٌ يدورُ حولَ نقطةٍ معينة."

عادَ إلى خريطةِ النجومِ والأرقام. بدأَ يحاولُ فكَّ معنى الدائرةِ والنقطة. هل هيَ أداةٌ؟ أم رمزٌ؟

وفجأةً، لمعتْ فكرةٌ في رأسه. تذكرَ كيفَ كانتْ جدتهُ تتحدثُ عن "مفتاحِ الماضي". هل يمكنُ أنْ يكونَ هذا هوَ المفتاح؟

نظرَ سليم إلى الأعلى، إلى سقفِ المرصدِ المهدم. هل هناكَ شيءٌ مخبأٌ هناك؟

قررَ سليم أنْ يجربَ شيئًا. بدأَ يدورُ حولَ القاعدةِ الحجرية، محاولًا محاكاةَ حركةِ عقاربَ الساعة، وفي نفسِ الوقت، يركزُ تفكيره على النقطةِ المحددةِ في خريطةِ النجوم.

لم يكنْ يعرفُ ما الذي يفعلهُ، ولكنهُ شعرَ بأنَّه يقودُهُ حدسه. بدأَ يشعرُ بأنَّ هناكَ طاقةً تتجمعُ في المكان.

وفجأةً، حينَما وصلَ إلى موقعٍ محددٍ أثناءَ دورانه، سمعَ صوتَ طقطقةٍ خفيفةٍ قادمةٍ منَ الأرضيةِ الحجريةِ تحتَ قدميه.

توقفَ سليم، ونظرَ إلى الأسفل. كانتْ هناكَ لوحةٌ حجريةٌ تبدو وكأنها قد انزاحتْ قليلًا عن مكانها، كاشفةً عن فتحةٍ صغيرةٍ جدًا.

"لقد... لقد وجدتُ شيئًا!" صاحَ سليم، وشعرَ بقلبهِ يخفقُ بقوة.

مدَّ يدهُ بحذرٍ إلى الفتحة، وبدأَ يشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا ما بداخلها. كانتْ قطعةٌ معدنيةٌ صغيرة، تشبهُ قرصًا، منقوشةً عليها رموزٌ مشابهةٌ لتلكَ التي في خريطةِ النجوم.

أخرجَ سليم القرصَ المعدنيَّ، وشعرَ ببرودتهِ بينَ أصابعه. لم يكنْ يعرفُ ما هوَ بالضبط، لكنه كانَ متأكدًا من أنَّه جزءٌ أساسيٌّ منَ اللغز.

"سرُّ المرصد... ربما لم يكنْ مجردَ مكانٍ لرصدِ النجوم، بل كانَ مكانًا لحمايةِ هذا الشيء." قالَ سليم، وهوَ يتأملُ القرصَ المعدنيَّ.

رفعَ سليم عينيهِ نحو السماءِ من خلالِ النافذةِ المكسورة، وكأنَّه يبحثُ عن إجاباتٍ بينَ النجوم. لقد كشفَ عن جزءٍ مهمٍ منَ اللغز، لكنَّ القصةَ لم تنتهِ بعد. كانتْ هناكَ أسرارٌ أخرى تنتظرهُ، تنتظرهُ لكي يكتشفها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%