أساطير بغداد: أسرار ألف ليلة
الفصل 2 — خريطةُ النجومِ وأصداءُ الماضي
بقلم محمد الفاروق
الفصل 2 — خريطةُ النجومِ وأصداءُ الماضي
استمرَّ المطرُ يهطلُ بغزارةٍ على أسطحِ بغداد، وكأنَّ السماءَ تبكي على ما سيأتي. داخلَ بيتِ ليلى، تحولَ الجوُّ الهادئُ إلى خليةٍ نحلٍ مصغرة. كانتْ ليلى وأبو الفضلِ منغمسينِ في دراسةِ الكتابِ العتيقِ ورسالةِ الشيخِ زيدان. ضوءُ المصباحِ الزيتيِّ كانَ يتمايلُ على وجوههما، مرسمًا خطوطًا منَ التركيزِ والقلق.
"قلبُ الأسد... قلبُ الأسد..." تمتمتْ ليلى وهي تتفحصُ رسوماتِ الكتاب. "أينَ يمكنُ أنْ يكونَ هذا القلب؟ هلْ هوَ مكانٌ حقيقيٌّ في بغداد؟" أجابَ أبو الفضلُ وهوَ يشيرُ إلى رسمةٍ أخرى في الكتاب، كانتْ تصورُ برجًا عاليًا تتسلقُهُ سلالمُ لولبية: "هذا البرجُ يشبهُ برجَ المجاهدينَ القديم، لكنَّ شكلَهُ هنا مختلفٌ قليلاً، وكأنَّه يحملُ رمزيةً أعمق."
"جدتي كانتْ دائمًا ما تقولُ إنَّ بغدادَ مدينةٌ مسحورة، وأنَّ أسرارها لا تظهرُ إلا لمنْ يعرفُ كيفَ ينظر. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ 'قلبُ الأسد' مجردَ رمزٍ؟" قالتْ ليلى. "هذا محتملٌ جدًا،" وافقَ أبو الفضل. "الشيخُ زيدان كانَ شغوفًا بعلمِ الفلكِ وتفسيرِ الرموز. ربما يكونُ 'قلبُ الأسد' هوَ برجٌ سماويٌّ، أو نجمٌ معينٌ، أو حتىَ ترتيبٌ للنجومِ في ليلةٍ معينة."
فتحَ أبو الفضلُ حقيبتهُ الجلديةُ القديمة، وأخرجَ منها مخطوطةً أخرى، بدتْ قديمةً جدًا، ومرسومًا عليها خريطةٌ للسماءِ مرصعةٌ بالنجوم. "هذهِ خريطةٌ للسماءِ كما كانتْ تُرى منْ بغدادَ في العصورِ الذهبية،" شرحَ أبو الفضل. "لقدْ ورثتها عنْ شيخي، وهوَ ورثها عنْ شيخه، وهكذا. يقولُ الأجدادُ أنَّ هناكَ نجومًا معينةً تحملُ أسرارًا، وأنَّ مواقعها في السماءِ تكشفُ عنْ كنوزٍ أو بواباتٍ إلى عوالمَ أخرى."
جلستْ ليلى بجوارِ أبو الفضل، وانحنتْ معهُ فوقَ الخريطة. كانتْ عيناها تتتبعانِ خطوطَ الأبراجِ وأسماءَ النجومِ المكتوبةِ بلغةٍ قديمة. "انظري هنا يا ليلى،" قالَ أبو الفضلُ وهوَ يشيرُ بإصبعهِ إلى كوكبةٍ معروفة: "هذهِ هيَ كوكبةُ الأسد. وفي قلبِ هذهِ الكوكبة، يوجدُ نجمٌ لامعٌ يُعرفُ باسمِ 'قلبُ الأسد'."
اتسعتْ عينا ليلى. "قلبُ الأسد! إذنْ هوَ نجمٌ حقًا!" "هذا ما نعتقدُهُ،" أجابَ أبو الفضل. "لكنَّ الأمرَ لا ينتهي هنا. في رسالةِ الشيخِ زيدان، ذكرَ عبارةً أخرى: 'عندما يتحدثُ النجمُ معَ المرآة'." "المرآة؟ أيُّ مرآة؟" تساءلتْ ليلى.
أخرجَ أبو الفضلُ منْ حقيبتهِ قطعةً معدنيةً لامعة، مغطاةً بغبارِ الزمن. كانتْ تبدو كقطعةٍ منْ مرآةٍ قديمة. "هذهِ وجدتها معَ بعضِ مقتنياتِ جدتكِ. كانتْ تقولُ إنها 'مرآةُ الحقيقة'، وأنها تستطيعُ أنْ تكشفَ ما لا تراهُ العينُ المجردة."
أخذتْ ليلى القطعةَ المعدنيةَ بينَ يديها. كانتْ باردةً وثقيلة. وضعتها بجوارِ الخريطة، وبدأتْ تتأملُ في النجوم. "متى يتحدثُ النجمُ معَ المرآة؟" سألتْ ليلى. "ربما عندما يكونُ النجمُ في موقعٍ معينٍ في السماء، وعندما ينعكسُ ضوءُهُ على المرآةِ بطريقةٍ خاصة،" قالَ أبو الفضل. "لكنَّ المشكلةَ هيَ أنَّ مواقعَ النجومِ تتغيرُ معَ مرورِ الوقت. نحنُ نحتاجُ لمعرفةِ الزمنِ الذي كانَ الشيخُ زيدانُ يتحدثُ عنهُ."
انتقلَ تفكيرُ ليلى إلى كتابِ جدتها. كانتْ تتذكرُ أنَّ هناكَ بعضَ الصفحاتِ التي تحتوي على تقويماتٍ قديمةٍ ورموزٍ مرتبطةٍ بالأيامِ والأشهر. بدأتْ تقلبُ الصفحاتِ بسرعة، وعيناها تبحثانِ عنْ أيِّ دليل. "هنا! انظري يا شيخي!" صاحتْ ليلى. "هذهِ الرموز... تبدو وكأنها أيامٌ معينة. وهذهِ الرموزُ هنا، يبدو أنها مرتبطةٌ بالنجومِ وبالقمر." بدأَ أبو الفضلِ وليلى في مقارنةِ الرموزِ معَ التقويماتِ القديمة، ومعَ مواقعِ النجومِ في الخريطة. كانتْ عمليةً شاقةً ومليئةً بالتحديات، لكنَّ شغفهما بالمعرفةِ وحبهما لبغدادَ كانا يدفعانهما للمضي قدمًا.
بعدَ ساعاتٍ منَ البحثِ المضني، وبينما كانتْ ساعاتُ الليلِ قدْ تجاوزتْ منتصفها، بدأتْ خيوطُ الحقيقةِ تتكشف. "لقدْ وجدتها!" صاحتْ ليلى بفرحٍ غامر. "هذا الرمزُ هنا، يتوافقُ معَ يومٍ معينٍ في الشهرِ القمري، وكانَ ذلكَ اليومُ هوَ الليلةَ التي اختفى فيها الشيخُ زيدان. وفي تلكَ الليلة، كانَ نجمُ 'قلبُ الأسد' في موقعٍ مميزٍ جدًا في السماء." "رائعٌ يا ليلى! إذنْ، يجبُ أنْ نجدَ مكانًا في بغدادَ نستطيعُ منهُ رؤيةَ السماءِ بوضوح، وأنْ نستخدمَ هذهِ المرآةَ في الوقتِ المناسب،" قالَ أبو الفضل.
"ولكنْ أينَ؟" سألتْ ليلى. "الكثيرُ منَ المباني القديمةِ قدْ أُزيلت، والكثيرُ منَ الأبراجِ لمْ تعدْ موجودة." فكرَ أبو الفضلُ للحظة، ثمَّ قال: "هناك مكانٌ واحدٌ قدْ يكونُ هوَ الحل. إنهُ 'مرصدُ الزهراء' القديم. لقدْ بناهُ الخلفاءُ العباسيون، وكانَ يُستخدمُ لرصدِ النجومِ وحسابِ التقاويم. على الرغمِ منْ أنَّ جزءًا كبيرًا منهُ قدْ دُمِّرَ، إلا أنَّ بعضَ أجزائهِ العلويةِ لا تزالُ قائمة، وربما توفرُ لنا المنظرَ المطلوب." "مرصدُ الزهراء؟" تذكرتْ ليلى. "جدتي كانتْ تحكي لي قصصًا عنهُ. تقولُ إنَّهُ كانَ مركزًا للعلمِ والمعرفة."
"بالضبط. إنَّه مكانٌ مثاليٌّ. لكنَّ الوصولَ إليهِ قدْ يكونُ صعبًا. فهو يقعُ في منطقةٍ مهجورةٍ منَ المدينة، ويُقالُ إنَّهُ مسكونٌ بالأشباح." ضحكتْ ليلى ضحكةً خفيفة. "أشباح؟ يا شيخي، بعدَ كلِّ ما سمعتُهُ منْ جدتي، لمْ يعدْ هناكَ شيءٌ يُخيفني. إذا كانَ هذا هوَ الطريقُ لكشفِ أسرارِ الشيخِ زيدان، فسنذهبُ إليه."
حزمَ أبو الفضلُ حقيبتهُ، وأخذَ الخريطةَ ومرآةَ الحقيقة. كانَ المطرُ قدْ بدأَ يخفُّ قليلاً، وبدتْ السماءُ تفتحُ نافذةً صغيرةً للقمرِ الخجول. "إنَّ الأمرَ يبدو وكأنَّ القدرَ يرسمُ لنا مسارًا،" قالَ أبو الفضل. "لكنْ تذكري يا ليلى، إنَّ طريقَ الحقيقةِ غالبًا ما يكونُ محفوفًا بالمخاطر." "وأنا مستعدةٌ لمواجهةِ تلكَ المخاطر،" أجابتْ ليلى بثبات.
خرجَ الاثنانِ منَ البيت، متوجهينَ إلى قلبِ بغدادَ القديمة. كانتْ الشوارعُ لا تزالُ رطبةً منَ المطر، والهواءُ يحملُ رائحةَ الترابِ المبلل. كانَ صمتُ الليلِ لا يقطعهُ إلا صوتُ خطواتهما. شعرتْ ليلى بأنَّها تسيرُ في حلم، حلمٌ نسجهُ الماضي، وتُحاولُ الآنَ كشفَ خيوطهِ المعقدة. كانتْ تلكَ الليلةُ ليلةَ خريطةِ النجومِ وأصداءِ الماضي، ليلةً ستُدخلُ ليلى في قلبِ الحقيقةِ المخبأة.