أساطير بغداد: أسرار ألف ليلة
الفصل 3 — أشباحُ المرصدِ وسرُّ النقش
بقلم محمد الفاروق
الفصل 3 — أشباحُ المرصدِ وسرُّ النقش
تسللتْ ليلى وأبو الفضلِ إلى أزقةِ بغدادَ المظلمة، متوجهينَ نحو مرصدِ الزهراء. كانتْ المدينةُ تغطُّ في سباتٍ عميق، والشوارعُ خاليةٌ إلا من ظلالٍ متراقصةٍ بفعلِ أضواءِ المصابيحِ المتناثرة. كانَ الهواءُ لا يزالُ رطبًا يحملُ رائحةَ المطرِ الذي توقفَ منذُ قليل، ممزوجةً بعطرِ الياسمينِ المتسلقِ على الجدرانِ القديمة.
"هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ هذا الطريق، يا ليلى؟" سألَ أبو الفضلُ بصوتٍ خفيض، وهوَ يحاولُ أنْ يرى طريقهُ بينَ الظلام. "نعم يا شيخي، لقدْ رأيتُ هذا الطريقَ مرارًا في خرائطَ قديمةٍ لجدتي. إنَّهُ الطريقُ الأقربُ إلى المرصد، على الرغمِ منْ أنَّهُ أقلُّ استخدامًا."
وبينما هما يتقدمانِ في طريقٍ أضيقَ وأكثرَ وعورة، بدأتْ أصواتُ المدينةِ تخفتُ تدريجيًا، لتحلَّ محلها أصواتُ الطبيعةِ الليلية: حفيفُ أوراقِ الشجرِ التي تتقاذفها نسماتٌ خفيفة، وصوتُ قططٍ ضالةٍ تبحثُ عنْ طعامها، وهمهماتٌ بعيدةٌ لا تكادُ تُسمع.
"هلْ أنتَ متأكدٌ منْ أنَّ هذهِ الأماكنَ ليستْ مسكونةً بالفعل؟" سألتْ ليلى، وقدْ انتابها شعورٌ غريبٌ بالوحدةِ والقلق. ابتسمَ أبو الفضلُ ببطءٍ وقال: "الأساطيرُ عنِ الأشباحِ عادةً ما تكونُ مجردَ حكاياتٍ تُقالُ لترهيبِ الناسِ أو لحمايةِ الأماكنِ الهامة. لكنْ، في بعضِ الأحيان، قدْ تحملُ هذهِ الحكاياتُ جزءًا منَ الحقيقة. لنتحلى بالحذر."
بعدَ مسيرةٍ بدتْ وكأنها طويلةٌ جدًا، بدأتْ معالمُ مبنى ضخمٍ تلوحُ في الأفق. كانَ المبنى يرتفعُ فوقَ بقيةِ المباني المحيطةِ به، ويُشبهُ هيكلًا عظميًا عملاقًا في ظلمةِ الليل. كانتْ أجزاءٌ منهُ قدْ انهارتْ، لكنَّ الجزءَ الأوسطَ كانَ لا يزالُ قائمًا، يحملُ ما يبدو أنها بقايا برجٍ دائري. "هذا هوَ مرصدُ الزهراء،" قالَ أبو الفضلُ بصوتٍ مليءٍ بالرهبة. "لمْ أرهُ منذُ سنواتٍ طويلة."
اقتربَ الاثنانِ منَ المرصد، وأخذَ أبو الفضلُ يمسحُ بضوءِ مصباحهِ جدرانَهُ الحجريةَ القديمة. بدتْ النقوشُ التي تزينُ الجدرانَ شبهَ متلاشيةٍ بفعلِ عواملِ التعريةِ والزمن، لكنَّ ليلى استطاعتْ أنْ تميزَ بعضَ الرموزِ الفلكيةِ التي رأتها في كتابِ جدتها. "يا شيخي، انظرْ إلى هذا النقش!" قالتْ ليلى وهي تشيرُ إلى جزءٍ منْ الجدارِ يحملُ نقشًا بارزًا، بدا وكأنهُ يمثلُ نجمًا كبيرًا تحيطُ بهِ دوائرُ صغيرة.
"هذا هوَ برجُ الأسد!" قالَ أبو الفضلُ بانبهار. "والنقوشُ التي حولهُ تبدو وكأنها تمثلُ مواضعَ معينةً للنجوم." "ولكنْ ما علاقةُ هذا بـ 'قلبِ الأسد'؟" تساءلتْ ليلى. "ربما يكونُ هذا النقشُ هوَ الخريطةُ الأرضيةُ التي تتحدثُ عنها خريطةُ السماء،" أجابَ أبو الفضل. "ربما علينا أنْ نجدَ المكانَ الذي يتوافقُ فيهِ النقشُ معَ النجمِ في السماء، وأنْ نستخدمَ المرآةَ هناك."
دخلَ الاثنانِ إلى مبنى المرصدِ المهجور. كانتْ رائحةُ الغبارِ والرطوبةِ تملأُ المكان. كانتْ الأرضُ مغطاةً ببقايا الحجارةِ المتساقطةِ منَ السقف، وبأعشابٍ بريةٍ نمتْ بينَ الشقوق. "يبدو أنَّ المكانَ لمْ يزرْهُ أحدٌ منذُ زمنٍ طويل،" قالتْ ليلى. "هذا جيد،" قالَ أبو الفضل. "كلما قلَّتْ الحركةُ، زادتْ فرصُ إيجادِ ما نبحثُ عنهُ دونَ أنْ نلفتَ الأنظار."
صعدَ الاثنانِ على درجاتٍ حجريةٍ قديمةٍ تؤدي إلى الطابقِ العلوي. كانَ الدرجُ متآكلًا في بعضِ الأماكن، وكانَ عليهمْ أنْ يسيروا بحذرٍ شديد. وصلوا إلى قمةِ البرجِ الدائري، حيثُ توجدُ فتحةٌ كبيرةٌ في السقفِ تسمحُ برؤيةِ السماء. "هذا هوَ المكان،" قالَ أبو الفضلُ وهوَ ينظرُ إلى السماءِ المظلمة. "نحنُ الآنَ في أعلى نقطةٍ في المرصد."
انتظرَ الاثنانِ بصبر. بدأتْ الغيومُ تتلاشى تدريجيًا، وبدأتْ النجومُ تظهرُ واحدةً تلوَ الأخرى، وكأنها جواهرُ نثرتها يدٌ خفيةٌ على قماشٍ أسود. "انظري،" قالَ أبو الفضلُ وهوَ يشيرُ إلى السماء. "ها هوَ برجُ الأسد، وها هوَ نجمُ 'قلبُ الأسد' يلمعُ ببريقٍ خاص."
أخرجَ أبو الفضلُ الخريطةَ السماويةَ ومرآةَ الحقيقة. وضعَ الخريطةَ على حجرٍ مستوٍ، ثمَّ أمسكَ بالمرآةِ ووجهها نحو السماء. "علينا أنْ نجدَ الزاويةَ الصحيحة،" قالَ. "الزاويةُ التي ينعكسُ فيها ضوءُ 'قلبِ الأسد' على المرآةِ ويسقطُ على النقشِ الموجودِ على الجدار."
بدأَ أبو الفضلُ بتحريكِ المرآةِ ببطء، وهوَ يراقبُ انعكاسَ النجمِ على سطحها المعدني. في الوقتِ نفسهِ، كانتْ ليلى تقارنُ النقشَ على الجدارِ بالخريطةِ السماوية، وتحاولُ تحديدَ النقطةَ التي يجبُ أنْ يسقطَ عليها الضوء. "أظنُّ أنَّها هنا!" صاحتْ ليلى فجأة، وهيَ تشيرُ إلى بقعةٍ معينةٍ على النقش.
حاولَ أبو الفضلُ توجيهَ المرآةِ نحو تلكَ النقطة. وعندما نجحَ في ذلك، حدثَ شيءٌ عجيب. لمْ يسقطْ ضوءُ النجمِ على المرآةِ فحسب، بلْ بدأَ النقشُ على الجدارِ نفسه يتوهجُ بضوءٍ خافت، وكأنَّهُ يستقبلُ الضوءَ منَ السماء. "يا إلهي!" قالَ أبو الفضلُ بانبهار. "لقدْ فعلناها!" بدأتْ الحروفُ والأشكالُ على النقشِ تظهرُ بوضوحٍ أكبر، وكأنَّها قدْ نُحتتْ حديثًا. لكنَّ الشيءَ الأكثرَ غرابةً هوَ أنَّ بعضَ النقوشِ بدأتْ تتحركُ وتتغير، وكأنها تعرضُ صورًا ومشاهدَ منَ الماضي.
"إنها ليستْ مجردَ نقوش،" قالتْ ليلى بصوتٍ مذهول. "إنها صورٌ متحركة!" رأتْ ليلى صورًا لنساءٍ ورجالٍ يرتدون ملابسَ قديمة، وهمَ يقومونَ بأعمالٍ غريبة. رأتْ قصرًا عظيمًا، وحدائقَ غناء، وسوقًا صاخبًا. ثمَّ، بدأتْ الصورُ تتغيرُ بسرعة، ورأتْ ليلى مشهدًا لمْ تتوقعه.
رأتْ الشيخَ زيدان، وهوَ يقفُ أمامَ طاولةٍ مليئةٍ بالكتبِ والمخطوطات. كانَ يبدو قلقًا، وهوَ يضعُ شيئًا صغيرًا في جيبه. ثمَّ، رأى رجلانِ يرتديانِ ملابسَ سوداءَ يخترقانِ الغرفةَ ويُلقيانِ القبضَ على الشيخِ زيدان. "الشيخُ زيدان!" صرختْ ليلى. "لقدْ اختطفوه!" "هذا هوَ دليلُنا!" قالَ أبو الفضلُ بحزم. "علينا أنْ نعرفَ منْ هؤلاءِ الرجالِ ومنْ يقفُ وراءَهم."
استمرَّ النقشُ في عرضِ الصور، فرأوا الشيخَ زيدانَ وهوَ يُجبرُ على فتحِ صندوقٍ خشبيٍّ قديم. وعندما فتحه، رأوا بداخلهِ كتابًا صغيرًا، غلافُهُ مزينٌ برموزٍ غريبة. "هذا هوَ الكتابُ الذي كانَ يبحثُ عنهُ،" قالَ أبو الفضل. "الكتابُ الذي يحملُ أسرارَ 'كنزِ ألفِ ليلة'." ثمَّ، بدأتْ الصورُ تتلاشى تدريجيًا، وعادَ النقشُ كما كانَ عليهِ في البداية، مجردَ نقوشٍ حجريةٍ باهتة.
"لقدْ اختفى كلُّ شيء،" قالتْ ليلى بخيبةِ أمل. "لا، لمْ يختفِ كلُّ شيء،" قالَ أبو الفضل. "لقدْ رأينا ما يكفي. نعرفُ الآنَ أنَّ الشيخَ زيدانَ قدْ تمَّ اختطافُهُ، وأنَّهُ كانَ يملكُ كتابًا مهمًا جدًا، وأنَّ هناكَ منْ يسعى للحصولِ عليه. لقدْ كشفَ لنا المرصدُ سرًا، لكنَّهُ فتحَ لنا أيضًا بابًا لمخاطرَ أكبر."
خرجَ الاثنانِ منَ المرصدِ تحتَ ضوءِ القمرِ الخافت. كانتْ أفكارهما مشوشة، وقلوبهما مليئةٌ بالأسئلة. "ماذا سنفعلُ الآن، يا شيخي؟" سألتْ ليلى. "سنعودُ إلى البيت، ونُفكرُ جيدًا. علينا أنْ نجدَ طريقةً لتعقبِ هؤلاءِ الرجال، وأنْ نُفهمَ ما هوَ هذا الكتابُ الذي يسعون إليه. لكنْ، قبلَ كلِّ شيء، علينا أنْ نتأكدَ منْ أنَّنا لسنا مراقبين."
عندما كانا يسيرانِ في الظلام، شعرتْ ليلى بشيءٍ غريب. شعرتْ بأنَّ هناكَ منْ يراقبهما، وأنَّ هناكَ عيونًا تتربصُ بهما في الظلام. "هلْ تشعرُ بشيء، يا شيخي؟" سألتْ ليلى بصوتٍ خافت. "نعم،" أجابَ أبو الفضلُ بجدية. "يبدو أنَّ أشباحَ المرصدِ ليستْ الوحيدةَ التي تسكنُ هذهِ المدينة."
كانتْ تلكَ الليلةُ ليلةَ أشباحِ المرصدِ وسرِّ النقش، ليلةً كشفتْ عنْ جزءٍ منَ الحقيقة، وأدخلتْ ليلى وأبو الفضلِ في قلبِ مؤامرةٍ أعمقَ وأخطرَ مما كانا يتخيلان.