أساطير بغداد: أسرار ألف ليلة
الفصل 5 — أسرارُ الحديقةِ وهمساتُ النافورة
بقلم محمد الفاروق
الفصل 5 — أسرارُ الحديقةِ وهمساتُ النافورة
وصلَ أبو الفضلِ وليلى إلى حديقةِ القصرِ العباسي، وهيَ حديقةٌ متراميةُ الأطراف، مليئةٌ بالأشجارِ العتيقةِ والزهورِ المتفتحة. كانتْ نوافيرُ الماءِ تتدفقُ بهدوء، وصوتُ العصافيرِ يملأُ المكان. كانتْ شمسُ الظهيرةِ ترسلُ أشعتها الذهبيةَ عبرَ الأغصان، مُلقيةً بظلالٍ راقصةٍ على الممراتِ المرصوفةِ بالحجارة.
"هذا المكانُ جميلٌ جدًا،" قالتْ ليلى وهيَ تتأملُ في سحرِ الحديقة. "لا عجبَ أنَّ جدتي كانتْ تحبُّ الجلوسَ هنا." "بالفعل،" قالَ أبو الفضل. "وهو مكانٌ مثاليٌّ للقاءاتٍ سرية. لكنْ، علينا أنْ نكونَ حذرين. لا نعرفُ منْ قدْ يكونُ في انتظارنا هنا."
بدأَ الاثنانِ يسيرانِ في الحديقة، وعيونهما تبحثانِ عنْ أيِّ شيءٍ غيرِ عادي. تذكرا أنَّ جدةَ ليلى كانتْ تحبُّ الجلوسَ بالقربِ منْ نافورةٍ كبيرةٍ في وسطِ الحديقة، والتي كانتْ تُعرفُ باسمِ "نافورةُ السحر". "ربما يكونُ هوَ ينتظرُنا هناك،" قالتْ ليلى.
توجهَ الاثنانِ نحو النافورة. كانتْ المياهُ تتناثرُ منْ فوهاتها، مُشكلةً قوسَ قزحٍ صغيرًا في ضوءِ الشمس. عندَ حافةِ النافورة، لاحظَ أبو الفضلِ شيئًا غريبًا. كانتْ هناكَ قطعةٌ منَ القماشِ الأخضرِ مربوطةٌ بأحدِ الأغصانِ القريبة، وكانَ عليها رسمٌ صغيرٌ لزهرةِ بخورِ المريم. "هذهِ هيَ العلامة،" قالَ أبو الفضل. "إذنْ، هوَ هنا." "ولكنْ أينَ هوَ؟" سألتْ ليلى وهيَ تنظرُ حولها.
فجأة، سمعَ الاثنانِ صوتًا خافتًا قادمًا منْ خلفِ ستارةٍ منْ نباتاتِ اللبلابِ الكثيفة، كانتْ تُغطي جزءًا منْ جدارٍ قديمٍ قريبٍ منَ النافورة. "هلْ أنتَ هناك؟" نادى أبو الفضلِ بصوتٍ منخفض. تحركَ اللبلابُ قليلاً، وظهرَ رجلٌ عجوزٌ، ذو لحيةٍ بيضاءَ طويلةٍ وشعرٍ خفيف. كانتْ عيناهُ تحملانِ حكمةَ السنين، وكانَ يرتدي ملابسَ بسيطةً لكنها نظيفة. "أبو الفضل؟" قالَ الرجلُ بصوتٍ أجش. "لقدْ عرفتُ أنكَ ستأتي." "الشيخُ زيدان!" صاحتْ ليلى بفرحٍ وارتياح.
ركضتْ ليلى واحتضنتِ الشيخَ زيدان. كانَ الرجلُ ضعيفًا بعضَ الشيء، لكنَّهُ كانَ مبتسمًا. "يا جدتي، لقدْ كدتُ أفقدُ الأمل،" قالتْ ليلى. "لا تقلقي يا ابنتي، فقدْ كنتُ أعرفُ أنَّ جدتكِ قدْ تركتْ لكِ ما يكفي منَ الذكاءِ والشجاعةِ لتجدي طريقكِ،" قالَ الشيخُ زيدان.
فصلَ أبو الفضلِ الشيخَ زيدانَ عنْ ليلى، ونظرَ إليهِ بقلق. "ما الذي حدثَ لكَ يا صديقي؟ لقدْ كنا نبحثُ عنكَ في كلِّ مكان." "لقدْ تمَّ اختطافي،" قالَ الشيخُ زيدان. "هؤلاءِ الرجالُ الذينَ رأيتهما في السوق، كانوا يعملونَ لصالحِ منظمةٍ سريةٍ تسعى للسيطرةِ على أسرارِ بغدادَ القديمة. لقدْ عرفوا أنني على وشكِ اكتشافِ 'كنزِ ألفِ ليلة'، وأنَّ الكتابَ الذي معي هوَ المفتاح."
"الكتابُ الذي وجدناهُ في المرصد؟" سألتْ ليلى. "نعم، لكنَّهُ ليسَ الكتابَ الأصلي،" أوضحَ الشيخُ زيدان. "الكتابُ الذي معي هنا هوَ النسخةُ الأصلية. لقدْ كنتُ أعرفُ أنهم سيأتونَ إليَّ، فخبأتُ الكتابَ الأصلي، وكتبتُ هذهِ النسخةَ ليعثرَ عليها منْ يستحقها، مثلَكم. لقدْ استخدمتُ رمزَ بخورِ المريمِ لأُخبركم بالمكانِ الذي يجبُ أنْ نلتقي فيه."
أخرجَ الشيخُ زيدانُ منْ تحتِ ملابسهِ كتابًا صغيرًا، مغلفًا بقطعةٍ منَ القماشِ الأخضر. كانَ الكتابُ يبدو قديمًا جدًا، وغلافُهُ مزينٌ بنقوشٍ معقدة. "هذا هوَ الكتاب،" قالَ الشيخُ زيدان. "إنهُ ليسَ مجردَ كتابٍ، بلْ هوَ دليلٌ إلى أسرارِ بغدادَ القديمة، وإلى 'كنزِ ألفِ ليلة' الذي تحدثتْ عنهُ الأساطير."
"ولكنْ ما هوَ هذا الكنز؟" سألتْ ليلى. "هلْ هوَ ذهبٌ وفضة؟" ابتسمَ الشيخُ زيدانُ بحكمة. "الذهبُ والفضةُ زائلانِ يا ابنتي. الكنزُ الحقيقيُّ هوَ المعرفة، والحكمة، والتاريخ. هذا الكتابُ يحملُ أسرارَ مدينةِ بغدادَ القديمة، أسرارَ علومها، وفنونها، وحضارتها. وهوَ يحملُ أيضًا مفتاحًا لفهمِ أعمقَ لألفِ ليلةٍ وليلة، ولأسرارِ قصصها الخالدة."
"ولكنْ، كيفَ سنحميهِ منْ هؤلاءِ الرجال؟" سألَ أبو الفضل. "يبدو أنهم منظمونَ وقويونَ." "هذا هوَ التحدي،" قالَ الشيخُ زيدان. "لقدْ هربتُ منهم، لكنَّهم ما زالوا يبحثونَ عني وعنِ الكتاب. علينا أنْ نكونَ أكثرَ حذرًا، وأنْ نجدَ طريقةً لحمايةِ هذا الإرثِ العظيم. جدتكِ، رحمةُ اللهِ عليها، قدْ تركتْ لكِ ميراثًا ثقيلًا، لكنهُ ميراثٌ يستحقُّ الكفاحَ منْ أجلِهِ."
"وماذا عنْ هؤلاءِ الرجال؟ هلْ سنعرفُ منْ هم؟" سألتْ ليلى. "نعرفُ أنهم يسعون للسيطرةِ على تاريخِ بغداد، لكنَّ هويتهم الحقيقيةَ لا تزالُ مجهولة. ربما علينا أنْ نبحثَ في الكتابِ نفسهِ عنْ أدلةٍ تكشفُ عنْ هويتهم، وعنْ أهدافهم الحقيقية."
نظرَ أبو الفضلِ وليلى إلى الكتابِ الذي بينَ يدي الشيخِ زيدان. كانَ يبدو وكأنهُ بوابةٌ إلى عالمٍ منَ الأسرارِ والمغامرات. "نحنُ مستعدونَ يا شيخي،" قالَ أبو الفضل. "سنساعدكَ في حمايةِ هذا الكتاب، وفي كشفِ الحقيقة." "ونحنُ كذلك،" أكدتْ ليلى.
جلسَ الثلاثةُ بالقربِ منَ النافورة، وبدأَ الشيخُ زيدانُ في فتحِ الكتابِ بحذر. كانتْ صفحاتهُ مليئةً بالرموزِ والرسوماتِ التي لمْ يفهموها بعد. بدأتْ همساتُ النافورةِ تُرددُ أصداءَ الحكاياتِ القديمة، وكأنها تُباركُ هذهِ البدايةَ الجديدة. كانتْ تلكَ هيَ ليلةَ أسرارِ الحديقةِ وهمساتِ النافورة، ليلةً بدأتْ فيها رحلةُ كشفِ أسرارِ ألفِ ليلةٍ وليلة، رحلةٌ ستُغيرُ حياةَ ليلى إلى الأبد.