أساطير بغداد: أسرار ألف ليلة
الفصل 7 — كهفُ الأصداءِ ورسالةٌ من الماضي
بقلم محمد الفاروق
الفصل 7 — كهفُ الأصداءِ ورسالةٌ من الماضي
كانَ شعورُ الدهشةِ ممزوجًا بالرهبةِ يتملكُ سليم وهوَ يقفُ أمامَ البابِ الخشبيِّ العتيق، الذي بدا وكأنهُ يعودُ إلى عصورٍ سحيقة. بعدَ لقائهِ بليلى، لم يغادرْهُ شعورٌ بأنَّ هناكَ شيئًا آخرَ ينتظرهُ في تلكَ الحديقةِ المهجورة. لقد استأذنَ جدتهُ بحجةِ الذهابِ إلى المكتبة، لكنَّ قلبهُ قادهُ إلى ذلكَ المكانِ الذي أصبحَ يشعرُ بأنهُ جزءٌ منه.
عادَ إلى الحديقةِ بعدَ بضعةِ أيام، لم يكنْ لديهِ هدفٌ واضح، سوى استكشافُ كلِّ زاويةٍ وكلِّ حجر. وبينما هوَ يتجولُ بينَ الأشجارِ الكثيفة، لاحظَ شيئًا لم يرهُ من قبل. خلفَ ستارةٍ من أوراقِ اللبلابِ المتشابكة، كانَ هناكَ مدخلٌ صغير، بالكادِ يُرى. اقتربَ بحذر، وأزالَ الأوراقَ المتدلية، ليكتشفَ فتحةً مظلمةً تؤدي إلى الأسفل.
"كهفٌ؟" تساءلَ سليم بصوتٍ خفيض، وشعرَ ببرودةٍ غريبةٍ تنبعثُ من الفتحة. كانتْ رائحةُ الترابِ الرطبِ والأماكنِ المغلقةِ تفوحُ منها. تذكرَ حديثَ ليلى عن الأسرارِ المخفيةِ والأماكنِ التي تحتفظُ بالقصص. هل هذا هوَ أحدُ هذهِ الأماكن؟
بعدَ ترددٍ قصير، قررَ سليم أنْ يخوضَ المغامرة. استجمعَ شجاعتهُ، وأمسكَ بقطعةِ خشبٍ وجدها بالقربِ منهُ، ثمَّ بدأَ ينزلُ بحذرٍ في الظلام. كانتْ الدرجاتُ الأولى منحوتةً في الترابِ والصخر، وكانتْ ضيقةً جدًا. في كلِّ خطوةٍ يخطوها، كانتْ أصداءُ خطواتهِ ترتدُّ من الجدرانِ المظلمة، وكأنها همساتٌ قديمةٌ تستيقظُ من سباتها.
بعدَ نزولٍ بدا وكأنهُ لا ينتهي، وصلَ إلى أرضيةٍ مستوية. أضاءَ سليم القطعةَ الخشبيةَ التي كانَ يحملها، والتي أشعلها ببعضِ الأعوادِ الصغيرةِ التي أحضرها معه، فبدأَ الضوءُ الخافتُ يكشفُ عن جدرانِ كهفٍ صغير. لم يكنْ كهفًا طبيعيًا، بل بدا وكأنهُ ممرٌ أو غرفةٌ تحتَ الأرض، حُفرتْ يدويًا. كانتْ الجدرانُ مغطاةً بنقوشٍ متشابهةٍ لما رآهُ في الحديقة، لكنها هنا كانتْ أكثرَ وضوحًا وتفصيلًا.
مررَ سليم أصابعهُ على النقوش، وشعرَ ببرودةِ الحجرِ وصلابته. لم يكنْ يفهمُ الرموز، لكنهُ شعرَ بأنها تحملُ قصةً عظيمة. وبينما هوَ يتفحصُ الجدران، لفتَ انتباههُ شيءٌ غريبٌ في أحدِ الجدران. كانتْ هناكَ لوحةٌ حجريةٌ بارزةٌ قليلًا عن غيرها، ويبدو أنها قد أُضيفتْ لاحقًا.
اقتربَ منها، وحاولَ دفعها. كانتْ ثقيلةً جدًا، لكنهُ بذلَ كلَّ قوته. ببطءٍ شديد، بدأتْ اللوحةُ تتحركُ إلى الخلف، كاشفةً عن تجويفٍ صغيرٍ خلفها. داخلَ التجويف، وجدَ سليم صندوقًا خشبيًا صغيرًا، يبدو عليهِ القدمُ والزمن.
بيدينِ مرتعشتين، رفعَ سليم الصندوق. كانَ ثقيلًا بعضَ الشيء. لم يكنْ لهُ قفل، بل كانَ مغلقًا بقطعةِ قماشٍ قديمةٍ مربوطةٍ بإحكام. بحذرٍ شديد، فكَّ سليم العقدة، وفتحَ الصندوق.
لم يكنْ بداخلهِ كنوزٌ من الذهبِ أو الأحجارِ الكريمة، بل كانَ يحوي شيئًا أكثرَ قيمةً لسليم في تلكَ اللحظة. كانتْ هناكَ لفافةٌ من الورقِ القديم، بالكادِ بقيتْ أجزاءٌ منها سليمة، وبعضُ قطعِ الألواحِ الحجريةِ الصغيرةِ المنقوشة.
فتحَ سليم اللفافةَ بحذرٍ شديد، وشعرَ بأنَّ الورقَ سيتحطمُ بينَ أصابعه. كانتْ الكتابةُ عليها بخطٍ جميلٍ وقديم، لكنها كانتْ متآكلةً في بعضِ الأماكن. بدأَ يقرأُ بصوتٍ منخفض، يحاولُ فكَّ رموزِ اللغةِ القديمة. كانتْ اللفافةُ تبدو وكأنها رسالةٌ، أو جزءٌ من يوميات.
"إلى منْ يجدهُ... أنتَ لستَ وحدكَ في رحلةِ البحث. هذهِ المدينةُ تحملُ في طياتها أكثرَ مما تظن. الأجدادُ قد خبأوا الأسرارَ لكي لا تضيعَ في غياهبِ النسيان. اتبعْ خيوطَ النجوم، واستمعْ إلى همساتِ الريح، واقرأْ ما خطتهُ الأيدي القديمة. هناكَ حقيقةٌ تنتظرُ منْ يجرؤُ على كشفها. مفتاحُ الماضي يكمنُ في فهمِ الحاضر. احذرْ منْ القوى التي تسعى لدفنِ الحقيقةِ إلى الأبد."
توقفَ سليم عن القراءة، وشعرَ بأنَّ كلماتِ الرسالةِ تتسربُ إلى روحه. "منْ القوى التي تسعى لدفنِ الحقيقة؟" تساءلَ في نفسه. "ومنْ هوَ الجدُّ الذي كتبَ هذهِ الرسالة؟"
بدأَ ينظرُ إلى قطعِ الألواحِ الحجرية. كانتْ عليها رموزٌ تشبهُ تلكَ التي رآها في النقوشِ على الجدران. رفعَ إحدى الألواح، ونظرَ إليها في ضوءِ النارِ الخافت. فجأةً، تذكرَ شيئًا. تذكرَ النقشَ الذي رآهُ في المرصدِ القديم، النقشَ الذي يشبهُ خريطةَ نجومٍ قديمة.
"خريطةُ النجوم..." تمتمَ سليم. "هل هذهِ هيَ؟"
بدأَ يقارنُ الرموزَ على الألواحِ بالنقوشِ على جدرانِ الكهف. كانَ هناكَ تشابهٌ كبير. شعرَ بأنَّ هذهِ الألواحَ ليستْ مجردَ زخارف، بل هيَ أجزاءٌ من لغزٍ أكبر.
"يجبُ أنْ أرى جدتي." قالَ سليم بحزم. "عليها أنْ تعرفَ شيئًا عن هذا."
جمعَ سليم محتوياتِ الصندوقِ بعناية، وأعادَ اللوحةَ الحجريةَ إلى مكانها، ثمَّ بدأَ يتسلقُ للخارج، حاملًا معه أثقلَ هديةٍ تلقاها في حياته: عبءُ معرفةٍ جديدة، ووعيٍ بوجودِ أسرارٍ عميقةٍ مخبأةٍ في قلبِ بغداد.
عندما خرجَ من الكهف، شعرَ وكأنهُ خرجَ من عالمٍ آخر. كانتْ الشمسُ قد بدأتْ تميلُ نحو الغروب، وكانَ الضوءُ الذهبيُّ يغمرُ الحديقة. نظرَ حولهُ، وكأنَّ الأشجارَ والنباتاتِ تبتسمُ لهُ، وكأنها تشاركهُ سِرَّ الكهف.
عادَ إلى بيتِ جدتهِ، وقلبهُ يخفقُ بقوة. كانَ يعرفُ أنَّ مواجهةَ جدتهِ لن تكونَ سهلة، لكنهُ كانَ مستعدًا. كانَ لديهِ الآنَ دليل، دليلٌ ماديٌّ على وجودِ ما كانَ يشعرُ بهِ فقط. كانتْ الرسالةُ والرموزُ هيَ الشرارةُ التي ستُشعلُ الحقيقة.