أساطير بغداد: أسرار ألف ليلة
الفصل 8 — جدةٌ تحملُ أسرارَ التاريخ
بقلم محمد الفاروق
الفصل 8 — جدةٌ تحملُ أسرارَ التاريخ
كانتْ رائحةُ القهوةِ والهيلِ تفوحُ من مطبخِ بيتِ جدةِ سليم، وهيَ الرائحةُ التي لطالما جلبتْ لهُ السكينةَ والطمأنينة. لكنَّ هذهِ المرة، كانَ سليم يدخلُ المطبخَ وقلبُه يعتصرُه مزيجٌ من الترقبِ والقلق. وجدَ جدتهُ تجلسُ على الكرسيِّ الخشبيِّ المعتاد، وهيَ تتأملُ نافذةَ المطبخِ التي تطلُّ على ساحةِ الدارِ الصغيرة. كانتْ تبدو هادئةً كعادتها، لكنَّ سليم كانَ يرى في عينيها لمعةً من الحكمةِ والخبرةِ التي لا تُخفى.
"مساءُ الخيرِ يا جدتي." قالَ سليم وهوَ يقتربُ منها، وحاولَ أنْ يبدو طبيعيًا قدرَ الإمكان.
نظرتْ إليهِ جدتهُ بعينيها الثاقبتين، ابتسمتْ ابتسامةً خفيفة، ثمَّ قالتْ بصوتها الهادئ: "مساءُ النورِ يا بني. أينَ كنتَ؟ لقد تأخرتَ اليوم."
شعرَ سليم بأنَّه أمامَ امتحانٍ حقيقي. لم يستطعْ أنْ يكذبَ عليها. "كنتُ في مكانٍ قريب، يا جدتي. أردتُ أنْ أرى شيئًا."
"وما هوَ هذا الشيءُ الذي قادكَ إلى هذا المكان؟" سألتْ جدتهُ، ونبرتها تحملُ شيئًا من الفضولِ الممزوجِ بالحذر.
ترددَ سليم للحظة، ثمَّ قررَ أنْ يبدأَ بالكشفِ عن أجزاءٍ من الحقيقة. "تذكرينَ تلكَ الحديقةُ المهجورةُ التي تحدثتُ عنها؟"
أومأتْ جدتهُ برأسها ببطء. "نعم، أتذكر. لقد حذرتكَ منَ الاقترابِ منها."
"لقد ذهبتُ إليها مجددًا، يا جدتي. واكتشفتُ شيئًا هناك. شيئًا قديمًا جدًا."
تقدمَ سليم نحو خزانةِ الأغراضِ القديمة، وأخرجَ منها صندوقَ الأسرارِ الخشبيَّ الذي وجدهُ في الكهف. وضعهُ أمامَ جدتهُ على الطاولة.
نظرتْ جدتهُ إلى الصندوقِ بصمتٍ لعدةِ لحظات، وشعرَ سليم بأنَّ الزمنَ قد توقف. ثمَّ رفعتْ عينيها إليهِ، وكانتْ نظرتها تحملُ خليطًا من المفاجأةِ والأسى.
"منْ أينَ لكَ هذا يا سليم؟" سألتْ بصوتٍ اهتزَّ قليلًا.
"وجدتهُ في مكانٍ تحتَ الأرض، يا جدتي. في تلكَ الحديقة. معَ رسالةٍ وبعضِ النقوش." قالَ سليم، وبدأَ يشرحُ لها كلَّ شيءٍ بالتفصيل: اكتشافهُ للكهف، الرسالةُ التي وجدها، النقوشُ على الألواح.
عندما تحدثَ عن الرسالة، عن الكلماتِ التي تحذرُ من قوى تسعى لدفنِ الحقيقة، وعن مفتاحِ الماضي الذي يكمنُ في الحاضر، رأى سليم في عيني جدتهِ بريقًا غريبًا. بريقَ معرفةٍ قديمة، وبريقَ حزنٍ عميق.
بدأتْ جدتهُ تفتحُ الصندوقَ بحذر، وأخرجتْ اللفافةَ الورقيةَ والقطعَ الحجرية. أمسكتْ بها، ومررتْ أصابعها على النقوشِ القديمة، وكأنها تستعيدُ ذكرياتٍ غائبة.
"هذهِ... هذهِ رموزٌ قديمةٌ جدًا يا سليم." قالتْ جدتهُ بصوتٍ بالكادِ يُسمع. "رموزٌ لم يعدْ يعرفها إلا القليل."
"هل تعرفينَها يا جدتي؟" سألَ سليم بلهفة. "هل تعرفينَ معناها؟"
تنهدتْ جدتهُ تنهيدةً عميقة، ثمَّ قالتْ: "لقد سمعتُ عنها في قصصِ جدتي أنا أيضًا. كانتْ تتحدثُ عن أسرارٍ قديمةٍ خبأتها عائلتنا عبرَ الأجيال. أسرارٌ تتعلقُ بـ... بتاريخٍ مفقود."
"تاريخٍ مفقود؟ وما هوَ هذا التاريخ؟"
"إنها قصةُ بغداد، يا سليم. قصةُ تأسيسها، وقصةُ علمائها وفلكييها الذينَ استخدموا النجومَ لفهمِ الكون. قصصٌ تتجاوزُ ما هوَ مكتوبٌ في الكتب. قصصٌ تتعلقُ بـ... حقيقةٍ كادتْ أنْ تُدفن."
"وهل الرسالةُ التي وجدتها... هل هيَ منهم؟"
"نعم، يا بني. إنها منْ أحدِ أجدادنا. كانَ لديهم علمٌ عظيم، وقد خافوا أنْ يضيعَ هذا العلمُ ويُستخدمَ بشكلٍ خاطئ. لذا، قاموا بتخبئةِ جزءٍ منهُ في أماكنَ سرية، وتركوها لمنْ يأتي بعدهم. لمنْ يستحقُ أنْ يعرف."
"لكنْ منْ هم هؤلاءُ الذينَ يريدونَ دفنَ الحقيقة؟" سألَ سليم، متذكرًا كلماتِ الرسالة.
نظرتْ جدتهُ إليهِ بعينينِ مليئتينِ بالقلق. "هناك دائمًا منْ يخشى المعرفة، يا سليم. هناك دائمًا منْ يريدُ أنْ يتحكمَ في ما يعرفهُ الناس. إنهم يسعون إلى إبقاءِ الناسِ في الظلامِ لكي يسهلَ قيادتهم."
"وهل جدتي ليلى... هل تعرفُ كلَّ هذا؟" سألَ سليم، ولم يستطعْ أنْ يخفيَ حيرته.
ابتسمتْ جدتهُ ابتسامةً غامضة. "ليلى... إنها تحملُ إرثًا عظيمًا. إنها منْ عائلةٍ مرتبطةٍ بعمقٍ بهذهِ الأسرار. لقد كانتْ جدتها منْ أقربِ الناسِ إليَّ، وكانتْ تحدثني عن هذهِ الأمور."
"إذًا... إذنْ أنتِ تعرفينَ الكثير." قالَ سليم، وشعرَ بأنَّ الحقيقةَ بدأتْ تتضحُ أمامهُ.
"لقد حاولتُ أنْ أحميكَ منْ هذهِ الأمور، يا بني. فالحقيقةُ قد تكونُ خطرة. لكنَّ القدرَ لهُ مساراتٌ لا نعرفها. يبدو أنَّ روحَ بغدادَ قد اختارتكَ. اختارتكَ لكي تكونَ جزءًا من هذهِ القصة."
"ولكنْ كيفَ لي أنْ أفهمَ كلَّ هذا؟ هذهِ الرموزُ والنقوش... إنها تبدو معقدةً جدًا."
"لا تقلق، يا بني. سأساعدكَ. لقد كنتُ أخزنُ في ذاكرتي ما تعلمتُهُ منْ جدتي. وسنعملُ معًا. سنفهمُ هذهِ الألواح، وسنحاولُ فكَّ رموزِها. سنعيدُ إحياءَ ما كانَ على وشكِ أنْ يُنسى."
شعرَ سليم بأنَّ عبئًا قد انزاحَ عن كاهله، وحلَّ محلهُ شعورٌ بالأملِ والتصميم. لم يعدْ وحيدًا في رحلته. لديهِ الآنَ مرشدٌ، مرشدٌ يحملُ حكمةَ الأجيال.
"شكرًا لكِ يا جدتي." قالَ سليم، وشعرَ بأنَّ عينيهِ قد امتلأتا بالدموع. "شكرًا لأنكِ صدقتني، وشكرًا لأنكِ مستعدةٌ لمساعدتي."
ربتتْ جدتهُ على يدهِ بحنان. "أنتَ قطعةٌ من روحي، يا سليم. ومن واجبي أنْ أساعدكَ. لكنْ تذكر، هذهِ الرحلةُ لن تكونَ سهلة. يجبُ أنْ تكونَ حذرًا، وأنْ تثقَ بقلبكَ. وبقلبِ ليلى."
"ليلى..." تمتمَ سليم، وشعرَ بأنَّ اسمَها يترددُ في أذنيهِ كأنشودةٍ قديمة. "أتمنى أنْ ألتقي بها قريبًا."
"ستلتقي بها حينَما يحينُ الوقت المناسب، يا بني. فالقدرُ يرتبُ لقاءاتهِ دائمًا."
جلستْ جدتهُ وهيَ تحملُ الألواحَ الحجرية، وبدأَ سليم يجلسُ بجانبها. أضاءَ ضوءُ المصباحِ الخافتِ المكان، وبدأتْ رحلةُ البحثِ عن الحقيقةِ تتكشفُ أمامهما، رحلةٌ بدأتْ في كهفٍ مظلم، وستستمرُّ في أروقةِ التاريخِ المنسي.