أساطير بغداد: أسرار ألف ليلة
الفصل 9 — المرآةُ العاكسةُ للزمن
بقلم محمد الفاروق
الفصل 9 — المرآةُ العاكسةُ للزمن
بعدَ لقائهِ بجدتهِ، شعرَ سليم وكأنَّ العالمَ من حولهُ قد اكتسبَ أبعادًا جديدة. لم تعدْ مجردَ شوارعَ وأبنية، بل أصبحتْ كلُّ زاويةٍ تحملُ سرًا، وكلُّ حجرٍ يحكي قصة. قضى سليم الأيامَ التاليةَ في بيتِ جدتهِ، وهوَ يتعلمُ منها عن التاريخِ المنسيِّ لبغداد، وعن علمِ النجومِ الذي كانَ يستخدمهُ القدماءُ لفهمِ الكون. كانتْ جدتهُ تشاركهُ قصصًا عن أسلافهما، عن رجالٍ ونساءٍ حملوا شعلةَ العلمِ والمعرفةِ في أوقاتٍ عصيبة.
كانوا يجلسونَ في غرفةِ جدتهِ، وهيَ الغرفةُ التي تفوحُ منها رائحةُ الكتبِ القديمةِ والعطورِ التقليدية. كانتْ جدتهُ تخرجُ لهم مخطوطاتٍ قديمة، ورسوماتٍ لشمسِ وقمرٍ وكواكب، وكانتْ تشرحُ لهُ الرموزَ والنقوشَ التي بدأَ سليم يفهمُ بعضَ معانيها.
"انظرْ يا سليم." قالتْ جدتهُ ذاتَ يوم، وهيَ تشيرُ إلى رسمةٍ تصورُ دائرةً كبيرةً تتوسطها خطوطٌ متقاطعة، وعلى أطرافها أشكالٌ صغيرةٌ تشبهُ النجوم. "هذهِ ليستْ مجردَ رسمةٍ للنجوم. هذهِ خريطةٌ للسماء، لكنها مرتبطةٌ بالأرض. كلُّ نجمٍ لهُ موقعٌ هنا، وكلُّ موقعٍ لهُ تأثيرٌ هنا."
"تأثيرٌ؟ تقصدينَ أنَّ النجومَ تؤثرُ على حياتنا؟" سألَ سليم بفضول.
"ليسَ بالمعنى الذي قد يتخيلهُ البعض، يا بني. ليسَ كأنها تحددُ مصيرنا بشكلٍ قاطع. بل إنها تحملُ طاقاتٍ، وحكمًا. كانَ القدماءُ يستخدمونَ هذهِ المعرفةَ لفهمِ الدوراتِ الطبيعية، وفهمِ أفضلِ الأوقاتِ للزراعة، وللأعمالِ المهمة، ولحمايةِ المدينة. لقد كانتْ بغدادُ في أوجِ عظمتها مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بفهمِ الكون."
"وهل هذهِ المعرفةُ موجودةٌ الآن؟"
"جزءٌ منها، يا سليم. وقد ضاعَ الكثير. لكنَّ ما خبأهُ أجدادنا... ما خبأهُ في تلكَ النقوشِ والرموز... هوَ محاولةٌ لإعادةِ بناءِ هذهِ المعرفة. إنها كقطعِ الألغاز. كلُّ قطعةٍ تقودُ إلى قطعةٍ أخرى."
كانَ سليم يشعرُ بأنَّ عقلهُ يتسعُ لاستيعابِ كلِّ هذهِ المعلومات. لقد بدأَ يرى بغدادَ بعينٍ مختلفة، عينٌ ترى ما وراءَ الظاهر.
في أحدِ الأيام، وبينما كانَ سليم يبحثُ بينَ أغراضِ جدتهِ في غرفةِ المعيشة، وقعَ بصرهُ على شيءٍ غريبٍ في زاويةٍ مظلمة. كانتْ عبارةً عن مرآةٍ كبيرةٍ عتيقة، بإطارٍ خشبيٍّ مزخرفٍ بنقوشٍ غريبة، تشبهُ تلكَ التي رآها في الكهف. لم يرَها من قبل، وبدا وكأنها كانتْ مخبأةً أو مهملة.
"جدتي، ما هيَ هذهِ المرآة؟" سألَ سليم، وهوَ يشيرُ إليها.
نظرتْ جدتهُ إلى المرآةِ ببعضِ التردد، ثمَّ قالتْ: "إنها... إنها مرآةٌ قديمةٌ جدًا. ورثتها عن جدتي. لم أكنْ أفكرُ في إخراجها. إنها... إنها تحملُ بعضَ الذكريات."
اقتربَ سليم منها. كانَ الإطارُ مدهشًا، والنقوشُ عليهِ تبدو وكأنها حية. نظرَ إلى انعكاسهِ في المرآة. كانَ يبدو طبيعيًا، لكنهُ شعرَ بأنَّ هناكَ شيئًا مختلفًا.
"النقوشُ عليها... إنها تشبهُ تلكَ التي في الكهف." قالَ سليم.
"نعم، يا بني. كانتْ عائلتنا تهتمُّ بهذهِ الأمور. كانوا يعتقدونَ أنَّ هذهِ المرآةَ ليستْ مجردَ مرآةٍ عادية."
"ماذا تقصدين؟"
"قالوا إنها... إنها تعكسُ شيئًا غيرَ ما هوَ موجود. تعكسُ الزمن، أو ربما... تعكسُ الحقيقةَ المخفية."
شعرَ سليم ببعضِ الخوفِ الممزوجِ بالفضول. "هل تقصدينَ أنها... هل ترينَ فيها شيئًا؟"
"في الماضي، حينَما كنتُ صغيرة، كنتُ أقفُ أمامها وأرى أحيانًا أشياءً غريبة. صورًا باهتةً لأشخاصٍ لا أعرفهم، أو لمشاهدَ لم تحدث. لكنني كنتُ صغيرة، وربما كانَ خيالًا."
"هل يمكنني أنْ أنظرَ فيها؟" سألَ سليم.
أومأتْ جدتهُ برأسها، وقالتْ: "لكنْ كنْ مستعدًا يا بني. قد لا يكونُ ما ترينهُ مريحًا."
وقفَ سليم أمامَ المرآة، وأخذَ يتأملُ انعكاسهُ. بدأَ يركزُ على النقوشِ على الإطار، وعلى التفاصيلِ الصغيرة. كلما ركزَ أكثر، شعرَ بأنَّ الصورةَ في المرآةِ تبدأُ بالاهتزازِ والتموج.
لم يعدْ يرى نفسه بوضوح. بدأتْ معالمهُ تتغير، وتتداخلُ معَ صورٍ أخرى. رأى لمحةً لوجهٍ رجلٍ عجوزٍ بلحيةٍ بيضاء، ثمَّ لوجهِ امرأةٍ شابةٍ ترتدي زيًا قديمًا. رأى أجزاءً من صورٍ لمبانٍ لم يرها من قبل، وكأنها بغدادُ في زمنٍ آخر.
"يا إلهي..." همسَ سليم، وهوَ يشعرُ بالذهول.
"ماذا ترينَ يا بني؟" سألتْ جدتهُ بقلق.
"أرى... أرى صورًا تتغير. أشخاصًا... أماكن... كأنها ذكرياتٌ تتجسدُ أمامي."
"إنها تعكسُ أرواحَ منْ مروا عبرَ الزمن، يا سليم. إنها تحملُ أصداءَ الماضي."
استمرَّ سليم في النظرِ إلى المرآة، وكلما نظرَ، شعرَ بأنَّه يقتربُ من فهمِ شيءٍ أعمق. رأى صورةَ رجلٍ يرتدي ملابسَ الفلكيين، ويحملُ أداةً تشبهُ الأسطرلاب. ورأى امرأةً تجلسُ عندَ نافذةٍ، وتنظرُ إلى السماءِ بعيونٍ حزينة.
"منْ هؤلاءِ يا جدتي؟"
"إنهم أجدادنا، يا سليم. هؤلاءِ الذينَ حاولوا الحفاظَ على هذهِ المعرفة. إنهم يبثونَ لكَ الرسائل، لكي لا تيأس."
شعرَ سليم بأنَّ المرآةَ هيَ نافذةٌ حقيقيةٌ على الماضي. ليستْ مجردَ انعكاس، بل هيَ بوابةٌ للذكرياتِ والأسرار.
"هل هناكَ شيءٌ محددٌ يجبُ أنْ أبحثَ عنه؟" سألَ سليم.
"ابحثْ عنِ الرمزِ الذي يشبهُ عينَ النسر. كانَ هذا رمزًا خاصًا لدى عائلتنا. يمثلُ البصيرةَ والفهمَ العميق."
أخذَ سليم يتفحصُ النقوشَ على الإطارِ بدقةٍ أكبر، يبحثُ عن رمزِ عينِ النسر. وبعدَ فترةٍ منَ البحث، وجدَهُ. كانَ رمزًا صغيرًا، مخفيًا بينَ نقوشٍ أخرى.
"وجدتهُ!" صاحَ سليم بفرح.
"حسناً. الآن، انظرْ إلى النقوشِ التي حولهُ. هل ترى شيئًا؟"
ركزَ سليم على النقوشِ حولَ رمزِ عينِ النسر. بدأتْ ترى وكأنها كلمةٌ أو جملةٌ مكتوبةٌ بلغةٍ قديمة.
"تبدو وكأنها... 'سرُّ المرصد'." قالَ سليم.
"سرُّ المرصد..." كررتْ جدتهُ بصوتٍ متهدج. "لقد سمعتُ هذهِ الكلماتِ منْ جدتي. كانتْ تقولُ إنَّ المرصدَ القديمَ لم يكنْ مجردَ مكانٍ لرصدِ النجوم، بل كانَ يحملُ سرًا أعمق."
شعرَ سليم بأنَّ كلَّ الخيوطِ بدأتْ تتجمع. المرآة، الرسالة، النقوش، والآن، ذكرى جدتهِ عن "سرِّ المرصد". كلُّ هذهِ الأمورِ تشيرُ إلى مكانٍ واحد.
"يجبُ أنْ أعودَ إلى المرصدِ القديم." قالَ سليم بحزم.
نظرتْ إليهِ جدتهُ ببعضِ القلق، لكنها رأتْ في عينيهِ تصميمًا لا يتزعزع. "كنْ حذرًا يا بني. لقد مرَّ زمنٌ طويلٌ على ذلكَ المكان. ولا تعلمُ ما قد تجدُهُ فيه."
"أنا مستعدٌ يا جدتي. لقد بدأتُ أفهمُ. وهذهِ المرآةُ... لقد أرشدتني."
ودّعَ سليم جدتهُ، وانطلقَ نحو المرصدِ القديم. كانَ يحملُ في قلبهِ مزيجًا منَ الشوقِ والخوف، ولكنهُ كانَ يعلمُ أنَّ الحقيقةَ تنتظرهُ في ذلكَ المكانِ المهجور.