وصية الفاروق عمر بن الخطاب

الفصل 14 — محنة الخليفة ونداء الحق

بقلم يوسف الأمين

الفصل 14 — محنة الخليفة ونداء الحق

مع مرور الوقت، بدأت تبرز بعض الظلال القاتمة على خلافة عثمان بن عفان. لم يكن الأمر يتعلق بخطأ جسيم في الحكم، بل كان نتيجة تراكمات، وبعض التعيينات التي أثارت الاستياء، وشائعات مغرضة، وحسد مستتر. لقد شعر عثمان، بأن عبء المسؤولية يزداد ثقلاً، وأن الهموم تتكاثر.

كانت المدينة المنورة، مركز الخلافة، تشهد حركة دائمة. كان الناس يأتون من الأمصار، يحملون أخباراً، وشكاوى، واقتراحات. وكان عثمان، يستقبلهم بصدر رحب، ولكن أحياناً، كان يشعر بالإرهاق.

في إحدى الليالي، بينما كان عثمان جالساً في بيته، بعد أن صلى العشاء، شعر بضيق شديد. جاءه ابنه، عبد الله، فسأله: "يا أبي، ما بك؟ أراك مهموماً."

قال عثمان: "يا بني، لقد طال بي المقام في هذا الأمر. أشعر أن الناس بدأت تختلف عليّ. وأن هناك من يسعى في الفتنة."

قال عبد الله: "يا أبي، إن هذا ابتلاء من الله. وإن الله معك. ولا تخف. فمن كان معك، فلن يضره أحد."

قال عثمان: "أعلم ذلك يا بني. ولكن، قلبي يتألم. لقد رأيت كيف كان الفاروق، وكيف كان أبو بكر. لقد كانوا أقوياء. وأنا أشعر أنني أحتاج إلى المزيد من القوة."

في تلك الفترة، بدأت تتجمع بعض الوفود من بعض الأمصار، تحمل شكاوى، تتحدث عن بعض الولاة، وعن بعض القرارات. كان عثمان، يستمع إليهم، ويحاول أن يطمئنهم، ويعدهم بالتحقيق.

جاءه وفد من مصر، وفد من الكوفة، وفد من البصرة. كانوا يتحدثون عن أمور مختلفة. البعض كان يتحدث عن الولاة، والبعض الآخر عن توزيع المال، والبعض الثالث كان يتحدث عن تعيينات معينة.

حاول عثمان، أن يفند هذه الشكاوى، وأن يوضح وجهة نظره. ولكن، كان هناك بعض الأشخاص، ممن يحملون ضغينة، أو طمعاً، يعملون على تأجيج هذه الأمور.

في إحدى المرات، جاءه رجل، وكان معروفاً بلسانه الحاد، وألقى عليه كلاماً قاسياً، متهماً إياه بالانحياز. قال الرجل: "يا أمير المؤمنين، لقد رأيتك تولي أبناءك المناصب، وتمنحهم الأموال. أين العدل؟"

كان عثمان، رجلاً صبوراً، ولكن هذه المرة، شعر بشيء من الانزعاج. قال: "يا أخي، أما أبنائي، فإنني لم أعطهم شيئاً لم يكن لهم حق فيه، ولم أعطهم منصباً إلا بعد أن أثبتوا كفاءتهم. أما المال، فكل مال المسلمين، هو مال الله، وأنا مسؤول عنه. أين هو الدليل على ظلمي؟"

كان الرجل، لا يملك دليلاً، ولكنه كان يريد إثارة المشاكل.

بدأ عثمان، يفقد بعضاً من ثقته بمن حوله. شعر بأن هناك من يحاول أن يوقع به. بدأ يتجنب بعض اللقاءات، ويقلل من اختلاطه بالناس.

في هذه الأثناء، كانت هناك بعض الأخبار تصل إلى المدينة، تتحدث عن تحركات غريبة في بعض الأمصار. عن مجموعات من الناس، تتجمع، وتتحدث عن الخلافة، وعن الخليفة.

كان عمر بن العاص، والي مصر، وقد أُعفي من ولايته، بسبب خلاف بينه وبين عثمان، قد نصحه بشدة، بالابتعاد عن هذه الأجواء، قائلاً: "يا أمير المؤمنين، إن الفتنة إذا بدأت، لا يمكن إيقافها بسهولة. أحسن الظن بالله، ثم أحسن الظن بمن معك، وحاول أن تصلح ما يمكن إصلاحه."

قال عثمان: "لقد فعلت ما في وسعي. ولكن، يبدو أن الأمور تفلت من يدي."

بدأت الأمور تتصاعد. وصلت أخبار إلى المدينة، عن وصول جماعات من مصر، ومن الشام، ومن الكوفة، ومن البصرة، إلى المدينة. كانوا يقولون إنهم جاءوا ليشتكوا.

اجتمع عثمان بالصحابة الكرام. قال لهم: "لقد وصلني أن أناساً من الأمصار، جاءوا إلى المدينة، ويقولون إنهم جاءوا ليشتكوا. ما رأيكم؟"

قال علي بن أبي طالب: "يا أمير المؤمنين، إنهم إن جاءوا يشتكون، فعليك أن تسمع لهم. وإن جاءوا بالباطل، فعليك أن ترد عليهم بالحق."

قال عبد الله بن عمر: "يا أمير المؤمنين، إنني أرى أن نفتح لهم أبواب المدينة، ونسمع لهم، ولكن علينا أن نكون حذرين."

قال الزبير بن العوام: "علينا أن نتقي الله، وأن نحكم بالعدل. فإن كان فيهم حق، فليؤخذ. وإن كان فيهم باطل، فليرد عليهم."

ولكن، سرعان ما تحولت شكاوى هؤلاء الناس، إلى مطالب، ثم إلى حصار. حاصروا بيت عثمان، وهم يطالبون بأمور، لم تكن كلها مستندة إلى الحق.

كان عثمان، في داخل بيته، مع عائلته، ومع بعض الصحابة الذين أتوا لنصرته. كان يشعر بالحزن، ولكنه لم يفقد إيمانه.

قال لابنه عبد الله: "يا بني، إن هؤلاء الناس، يريدون قتلي. ولكن، تذكر أنني لم أكن ظالماً. وأنني سعيت في خدمة الإسلام. إذا حدث شيء، فاصبر، واحتسب. ولا تكن سبباً في فتنة أكبر."

كانت كلماته، كلمات رجل مؤمن، يستعد للقاء ربه.

في إحدى الأيام، اقتحم هؤلاء الناس، بيت عثمان. وجدوه جالساً، يقرأ القرآن. كان يحمل في يده مصحفاً.

عندما رأوه، تقدموا نحوه. قال عثمان، بصوت هادئ: "أيها الناس، اتقوا الله. لم أكن لكم ظالماً. ولم أكن أرتكب ما يغضب الله."

ولكن، لم يسمع له أحد. قام رجل، وطعنه، ثم تبعه آخرون. سقط عثمان، شهيداً، وهو يمسك بالمصحف.

كانت لحظة مفجعة. سقط الخليفة، على الأرض، والمصحف بين يديه. كانت تلك اللحظة، نهاية حقبة، وبداية مرحلة جديدة، مليئة بالأحزان والتحديات.

صوت عظيم، كان يصدح في التاريخ، صوت الفاروق عمر بن الخطاب، وصوت أبي بكر الصديق، والآن صوت عثمان بن عفان. كلهم رحلوا، تاركين وراءهم أمة، كان عليها أن تستمر، وأن تتجاوز محنتها، وأن تتمسك بمنهج الحق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%