وصية الفاروق عمر بن الخطاب
الفصل 23 — شهادة الفاروق ونداء الأمة
بقلم يوسف الأمين
الفصل 23 — شهادة الفاروق ونداء الأمة
كانت الساعات تمضي بطيئة، ثقيلة، كسحابة قاتمة تظلل سماء المدينة. في حجرة الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، علت أصوات الدعاء والتضرع. كان جسد أمير المؤمنين قد وهن تماماً، ولم يعد فيه سوى بصيص حياة، يتردد صداه في أنفاسه المتقطعة. كان عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، لا يزال بجوار والده، يتلو عليه آيات من القرآن، ويذكره بفضل الله ورحمته.
"يا أبتي، تذكر وعد الله للمتقين، تذكر جنات النعيم." كان عبد الله يقول بصوت خافت، تتخلله نبرة حزن عميقة.
فتح عمر عينيه بصعوبة، كانت نظراته تتجه نحو السماء، وكأنه يرى ما وراءها. "اللهم... اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك... وموتة في بلد رسولك." همس بصوت بالكاد مسموع، كانت آخر دعواته، آخر أمانيه.
ثم، وكأنما استجاب الله لدعائه، بدأ جسده يرتخي، بدأت أنفاسه تخفت. كانت لحظة وداع رهيبة، لحظة فارقة في تاريخ الأمة. رفع عبد الله يده، يمسح جبين والده البارد، ثم انخرط في بكاء صامت.
"إنا لله وإنا إليه راجعون."
لم يكن البكاء مجرد حزن شخصي، بل كان بكاء أمة تفقد قائداً عظيماً، تفقد علماً من أعلام الإسلام. انتشر الخبر كالنار في الهشيم، فارتجت له المدينة، وامتد الأثر إلى كل ركن من أركان الدولة الإسلامية.
خرج المسلمون من بيوتهم، يتجهون نحو بيت أمير المؤمنين، تجمعوا في ساحات المسجد، وفي الشوارع، وقلوبهم تعتصر ألماً، وعيونهم تترقب. كان هناك مزيج من الحزن العميق، والتقدير الكبير، والمسؤولية الجسيمة.
"لقد فقدنا الفاروق! لقد فقدنا أبا حفص!" كانت هذه الكلمات تتردد بين الناس، ممزوجة بالدموع.
"من سيحمل لواء العدل بعده؟ من سيقيم الحق كما أقامه؟" كانت هذه الأسئلة تدور في أذهان الجميع.
في هذه الأثناء، كان الصحابة الكرام، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم، قد اجتمعوا في مجلس شورى، وهم يحملون ثقل المسؤولية.
"لقد كانت وصية عمر واضحة، بأن يشاور المسلمون فيما بينهم في اختيار الخليفة." قال علي بن أبي طالب، وقد ارتسم على وجهه جلال الحكمة.
"نعم، لقد ترك لنا عمر أمانة عظيمة، وهي اختيار من سيقود هذه الأمة بعده." أضاف طلحة بن عبيد الله.
"لكن الأمر جلل، والمسؤولية عظيمة. عمر لم يكن كأي حاكم، لقد كان الفاروق. فمن سيملأ هذا الفراغ؟" تساءل الزبير بن العوام.
"علينا أن نتذكر وصايا الفاروق، أن نختار من هو أتقى لله، وأعلم بمنهج الإسلام، وأكثر رحمة بالمسلمين." قال عبد الرحمن بن عوف.
"ولكن، كيف لنا أن نختار؟ لقد كان عمر مثالاً فريداً. كيف لنا أن نجد من يوازيه؟" قال سعد بن أبي وقاص.
"يا إخوة، الفاروق لم يتركنا دون هدى. لقد شكل مجلساً للشورى، وجعل الأمر متروكاً لاختيارهم. علينا أن نلتزم بما أوصى به، وأن نجتهد في اختيار الأفضل." قال عبد الله بن مسعود.
كان الجو مشحوناً بالتوتر، وبالحزن، وبالتفكير العميق. كان الجميع يدرك أن القرار الذي سيتخذونه سيكون له أثر كبير على مستقبل الأمة.
في هذه الأثناء، كان عبد الله بن عمر، قد خرج من بيت والده، وقد غسل جسد الفاروق، وكفنه، واستعد لدفنه. كان يقوم بهذه المهمة بشعور من الثقل، وشعور من الوفاء.
"يا أبي، سأحقق لك أمنيتك، وسأدفنك بجوار صاحبيك. سأضعك في المكان الذي طالما أحببته، وفي الجوار الذي طالما تمنيت." قال عبد الله بصوت متأثر.
خرج الناس لتشييع جنازة أمير المؤمنين. كان المشهد مهيباً، مؤثر. سار المسلمون في جنازة عمر، وقد انهمرت الدموع من أعينهم. كانوا يشيعون قائداً عظيماً، ورجلاً ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الإسلام.
صلى المسلمون على جنازة الفاروق، بقيادة عبد الرحمن بن عوف، الذي قام بالصلاة نيابة عنهم. كانت صلاة مؤثرة، صلاة مليئة بالخشوع، وبالدعاء.
ثم، وبعد الصلاة، تم حمل جثمان الفاروق عمر بن الخطاب، إلى المكان الذي أعد له بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق، رضي الله عنهما. كان هذا المكان، بمثابة أسمى درجات التقدير، وأجلّ مراتب الشرف.
عندما وصل الجثمان إلى المكان المحدد، تفاجأ الجميع. فقد كان هناك قبران فقط، قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر أبي بكر الصديق. ولم يكن هناك مكان ثالث.
توقف الناس، وهم يتساءلون: "أين سيُدفن أمير المؤمنين؟"
عندها، تقدمت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، وقد رأى الناس في عينيها مزيجاً من الحزن، والتقدير، والعظمة.
"لقد استأذن عمر، وقلت له: بأبي أنت وأمي، إن كنت سأجعله لكم. هذه ناحية، وهذا موضع، قد أعددته لك."
ثم أشارت إلى المكان بجوار قبري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق.
"فجاءني عبد الله بن عمر، وقال: يا أبتي، لقد استأذنت أم المؤمنين، وقد أذنت لك. وها أنا ذا، قد أعددت لك هذا الموضع."
قال الناس: "فأدخلوه."
لقد كان هذا المشهد، بمثابة تأكيد على مكانة عمر العظيمة، وعلى تقدير الصحابة الكرام له. لقد كان حلماً تحقق، وأمنية استجيبت.
بعد دفن الفاروق، عاد الصحابة الكرام إلى مجلس الشورى، وقد انقشعت سحابة الحزن قليلاً، ولكن ثقل المسؤولية كان ما زال قائماً.
"لقد ورينا الثرى الفاروق. لقد تركنا في فراغ كبير. والآن، علينا أن نختار من سيخلفه." قال علي بن أبي طالب.
"لقد اجتهدنا في اختيار الأفضل، وقد رأينا رأي أمير المؤمنين في حياته، فقد كان يشير إلى أبي بكر، ثم إلي." قال طلحة.
"ولكن، أبو بكر وعمر قد رحلا. وعليكم الآن أن تتشاوروا، وأن تختاروا من ترونه الأنسب." قال الزبير.
"لقد ذكر الفاروق في وصيته، أن الخليفة من بعده يجب أن يكون تقياً، رحيماً، عادلاً، وأن يقيم الحق." قال عبد الرحمن.
"لقد كان عمر يضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار. وعلينا أن نفعل المثل." قال سعد.
"علينا أن نتذكر أننا أمة واحدة، وأننا أمة وسط. علينا أن نختار من يعبر عن هذه الأمة، ومن يحمل رسالتها." قال عبد الله بن مسعود.
بدأت النقاشات تحتدم، وبدأت الأفكار تتبلور. لقد كان الاختيار صعباً، ولكنه ضروري. كان على الصحابة أن يضعوا مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، وأن يختاروا من يكون خير خلف لخير سلف.
كان يوم وفاء، ويوم انتقال، ويوم بداية لمرحلة جديدة. لقد ودعت الأمة فاروقها، ولكنها كانت تحمل في قلبها إرثه، ووصاياه، ورؤيته لمستقبل الإسلام.