وصية الفاروق عمر بن الخطاب
الفصل 24 — انتخاب الخليفة وصلابة المبدأ
بقلم يوسف الأمين
الفصل 24 — انتخاب الخليفة وصلابة المبدأ
بعد مراسم دفن الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وما صاحبها من مشاعر الحزن العميق والتقدير الكبير، عاد الصحابة الكرام، ومن تحمل منهم مسؤولية اختيار الخليفة من بعده، إلى اجتماعهم. كان بيت أمير المؤمنين، الذي أصبح خالياً من قائده العظيم، لا يزال يحمل عبق ذكراه، وصدى وصاياه.
اجتمع رهط من الصحابة الأجلاء، الذين اختارهم عمر في حياته، أو الذين أجمع المسلمون على مكانتهم، ليحسموا أمر الخلافة. كان على رأسهم علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود. كانت وجوههم تعكس ثقل المسؤولية، وعمق التفكير.
"لقد رأينا جميعاً ما كان عليه الفاروق، وما تركه لنا من وصايا." بدأ علي بن أبي طالب، مخاطباً الحاضرين. "لقد كانت حياته كلها جهاداً في سبيل الله، وعدلاً في الرعية، وحكمة في القيادة. والآن، علينا أن نختار من سيسير على خطاه، ومن سيحمل راية الإسلام من بعده."
"لقد أشرت يا علي، وأنا معك. الفاروق ترك لنا معياراً واضحاً: من هو الأتقى لله، والأعلم بمنهج الإسلام، والأكثر رحمة بالمسلمين." قال طلحة بن عبيد الله، وقد كان يتأمل وجوه الحاضرين.
"ولكن، كيف لنا أن نختار؟ لقد كان عمر رجلاً فريداً. هل سنجد من يوازيه في عدله، وفي قوته، وفي حزمه؟" تساءل الزبير بن العوام، وقد كان صوته يحمل شيئاً من التردد.
"يا زبير، الفاروق لم يتركنا في حيرة. لقد وضع لنا مبادئ، وجعل الأمر شورى بيننا. علينا أن نتبع تلك المبادئ، وأن نجتهد في اختيار الأنسب، لا في إيجاد النسخة الثانية من عمر." قال عبد الرحمن بن عوف، وكان صوته هادئاً، ولكنه يحمل قوة الحجة.
"نعم، الفاروق نفسه كان يعلم أنه لا يوجد من يماثله تماماً. لقد كان يتمنى أن يكون له نوابض مثل عمر. لكن مهمتنا الآن، هي أن نختار من يقدر على حمل الأمانة، ومن يضع مصلحة الأمة فوق مصلحته الشخصية." أضاف سعد بن أبي وقاص.
"علينا أن نبتعد عن كل ما قد يؤدي إلى فتنة أو فرقة. علينا أن نتذكر وصية عمر، بأن لا يجعلوا له سلطاناً بعد موته، وأن لا يعظموه أكثر من اللازم. علينا أن نضع الله ورسوله نصب أعيننا، وأن نختار من يرضيهما." قال عبد الله بن مسعود، وقد كانت كلماته هذه بمثابة تذكرة قوية.
بدأت المناقشات تتبلور. كان الجميع يدرك أن الاختيار يجب أن يكون مبنياً على أسس واضحة، وعلى قناعات راسخة. لم يكن الأمر مجرد انتخاب شخص، بل كان اختيار قائد لمستقبل دولة الإسلام.
"لقد كانت هناك عدة أسماء مطروحة في أذهاننا." قال عبد الرحمن بن عوف، وقد بدأ يفرز الأفكار. "ولكن، علينا أن نتذكر أن الفاروق قد أشار، في سياقات مختلفة، إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم أشار إلى ستة من الصحابة ليكونوا شورى بعده. علينا أن ننظر إلى هؤلاء الستة، وأن نرى من منهم الأجدر."
كان المقصود بالستة، هم الذين اختارهم عمر في حياته، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.
"إنهم جميعاً من خيرة الصحابة، ومن السابقين الأولين." قال علي بن أبي طالب. "ولكن، لابد من اختيار واحد. فمن هو الأقرب إلى حمل هذه المسؤولية؟"
"لقد رأيت بنفسي، وكثير منكم رأى، كيف كان الفاروق يقدر عثمان بن عفان. كان يستشيره في أمور كثيرة، وكان يعتمد على رأيه." قال طلحة بن عبيد الله.
"نعم، وعثمان له فضل كبير، وهو من السابقين الأولين، وقد بذل مالاً كثيراً في سبيل الإسلام." أضاف الزبير بن العوام.
"وعلي بن أبي طالب، له فضل لا يجارى، فهو زوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من أسلم من الرجال. وهو ذو علم وفقه عميق." قال سعد بن أبي وقاص.
"وعبد الرحمن بن عوف، له خبرة واسعة في أمور الدنيا، وقد كان الفاروق يعتمد عليه في جمع المال وتوزيعه." قال عبد الله بن مسعود.
"وعلينا أن ننظر إلى كل هؤلاء، وأن ندعو الله أن يهدينا إلى الاختيار الصحيح." قال عبد الرحمن بن عوف.
كان النقاش مستمراً، ولكن دون جدل أو خلاف. كان الجميع يسعى لإرضاء الله، ولتحقيق مصلحة الأمة.
ثم، اقترح عبد الرحمن بن عوف، الذي كان يتمتع بحكمة ورؤية ثاقبة، شيئاً غير متوقع.
"يا إخوة، بما أننا نجتمع هنا، وعلينا أن نختار. فلماذا لا نعرض الأمر على أصحاب الشورى الستة؟ ولنجعل كل واحد منهم، يعرض رأيه، ويعرض لمن يرى أن الأمر يصلح له. ولننظر في النتائج."
وافق الجميع على اقتراحه، فقد كان اقتراحاً حكيماً.
بدأ عبد الرحمن بن عوف، الذي كان يتمتع بقدرة فائقة على إقناع الآخرين، بالحديث مع علي بن أبي طالب.
"يا أبا الحسن، لقد رأيت فيك ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأى عمر. أنت أهل للخلافة. ولكن، ما رأيك؟ لمن ترى الأمر يصلح؟"
نظر علي بن أبي طالب إلى عبد الرحمن بن عوف، وقد ارتسم على وجهه الحزن على فراق عمر، ولكنه كان يحمل أيضاً مسؤولية المستقبل.
"يا عبد الرحمن، لقد رأيت ما رأيت. لقد كنت مع عمر، ورأيت كيف كان يدير الأمور. لقد تركت لنا أمانة عظيمة. ورغم أنني أرى نفسي قادراً على حملها، إلا أنني أرى أيضاً مكانة عثمان بن عفان، وفضله، وحلمه، وحكمته. إنني أرى أن الأمر يصلح لعثمان."
كانت هذه كلمة عظيمة، كلمة تحمل في طياتها تواضعاً، وحكمة، وإيثاراً. لم يقل علي بن أبي طالب، إنه الأحق، بل أشار إلى عثمان.
ثم، تحدث عبد الرحمن بن عوف مع الزبير بن العوام.
"يا أبا عبد الله، أنت سيف الله المسلول، ورجل له مكانة عظيمة. لمن ترى الأمر يصلح؟"
قال الزبير بن العوام: "يا عبد الرحمن، لقد كنت مع الفاروق، ورأيت ما رأيت. إنني أرى في عثمان بن عفان، الحلم، والرزانة، والقدرة على تحمل المسؤولية. إنني أرى أن الأمر يصلح لعثمان."
ثم، تحدث مع طلحة بن عبيد الله، الذي كان يعرف بـ "طلحة الخير".
"يا أبا محمد، أنت أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن أصحاب الشورى. لمن ترى الأمر يصلح؟"
قال طلحة بن عبيد الله: "يا عبد الرحمن، لقد رأيت في عثمان بن عفان، الصفات التي كانت في الفاروق، من الحلم، والرزانة، والقدرة على الإدارة. إنني أرى أن الأمر يصلح لعثمان."
ثم، تحدث مع سعد بن أبي وقاص، القائد العسكري الشهير.
"يا أبا إسحاق، أنت أحد فرسان الإسلام. لمن ترى الأمر يصلح؟"
قال سعد بن أبي وقاص: "يا عبد الرحمن، لقد رأيت في عثمان بن عفان، التقوى، والورع، والقدرة على تحمل أعباء الخلافة. إنني أرى أن الأمر يصلح لعثمان."
عندما سمع عبد الرحمن بن عوف هذه الإجابات، التفت إلى عثمان بن عفان، الذي كان حاضراً، وقد رأى في عينيه التأثر، والحزن على فراق عمر، ولكن كان يحمل أيضاً قدرة على تحمل المسؤولية.
"يا أبا عمرو، أنت رجل من أهل الشورى، ومن السابقين الأولين. لقد رأيت ما سمعت، ورأيت ما سمعت من إخوانك. لمن ترى الأمر يصلح؟"
نظر عثمان بن عفان إلى عبد الرحمن بن عوف، ثم إلى علي بن أبي طالب، ثم إلى بقية الصحابة. كان يعرف أن الأمر ليس اختياراً شخصياً، بل هو مسؤولية عظيمة.
"يا عبد الرحمن، لقد رأيت ما رأيت. ولقد رأيت فضائل علي بن أبي طالب، وحلمه، وعلمه، وفضائل بقية إخواني. ولكن، إذا كان رأي المسلمين، ورأي إخواني، هو أن الأمر يصلح لي، فإني أرى أن أستجيب لهذا الأمر، وأن أحمل هذه الأمانة، وأن أبذل قصارى جهدي لإرضاء الله ورسوله، ولخدمة المسلمين."
كانت هذه كلمة عظيمة، كلمة رجل يضع نفسه في خدمة الأمة، مستجيباً لرأي الجماعة.
في تلك اللحظة، أدرك عبد الرحمن بن عوف، أن الأمر قد حُسم. لقد أجمع الجميع، ومن بينهم علي بن أبي طالب، على أن عثمان بن عفان هو الأنسب لخلافة الفاروق.
"إذاً، يا معشر المسلمين، لقد اخترنا. اخترنا عثمان بن عفان، خليفة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب." قال عبد الرحمن بن عوف، بصوت عالٍ، يحمل في طياته قراراً تاريخياً.
ارتفعت أصوات التأييد من بين الحاضرين، وارتفعت الدعوات لعثمان بن عفان بالتوفيق والسداد.
كانت هذه نهاية مرحلة، وبداية مرحلة جديدة. لقد اختارت الأمة، بناءً على وصية الفاروق، وبناءً على شورى الصحابة، خليفة جديداً. خليفة يحمل في قلبه إرث الفاروق، وإرث من سبقوه، وإرث الإسلام.
لقد أظهر الصحابة الكرام في هذا الموقف، مدى نضجهم السياسي، ومدى إخلاصهم للدين. لم يكن الأمر مجرد اختيار قائد، بل كان تجسيداً لمبادئ الإسلام، لمبادئ الشورى، والعدل، والإيثار.