وصية الفاروق عمر بن الخطاب

الفصل 3 — مجلس الشورى الأخير

بقلم يوسف الأمين

الفصل 3 — مجلس الشورى الأخير

اجتمع الصحابة الكرام، وقد امتلأت وجوههم بالحزن والأسى، وهم يتجمعون حول سرير الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كانت روحه قد بدأت تتهيأ للرحيل. لم يكن هذا مجرد اجتماع، بل كان مجلس شورى أخير، يضع لمساته الأخيرة على مستقبل أمة عظيمة.

كانت الأجواء مشوبة بالرهبة، والصمت كان أبلغ من أي كلام. الكل ينظر إلى عمر، يتلمس منه كلمة أخيرة، نصيحة خالدة، وصية ترشد الأمة في مسيرتها.

"يا أمير المؤمنين،" بدأ عبد الله بن عمر، بصوت يرتجف من شدة التأثر، "لقد أذنَت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، لك بالدفن بجوار صاحبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوار أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما."

ابتسم الفاروق ابتسامة خفيفة، فيها رضى وسكون. "الحمد لله الذي أكرمني بذلك. فإني كنت أرجو ذلك."

ثم التفت ببصره نحو الصحابة المجتمعين، وقد علت وجهه هيبة المؤمن، وعظمة القائد.

"يا معشر المسلمين،" بدأ بصوت قوي، رغم وهن جسده، "لقد عشت فيكم ما عشت، ورأيت ما رأيت. وإنما كنت رجلاً منكم، وكان لي ما لكم، وكان عليّ ما عليكم. ولست بأفضل منكم إلا بتقوى الله."

كانت هذه الكلمات بداية لوصية تحمل في طياتها خلاصة تجربة حياة، ورؤية ثاقبة لمستقبل الأمة.

"إني أوصيكم بتقوى الله، فإنها رأس كل خير. وأوصيكم بالاجتماع، فإن في الاجتماع قوة، وفي الفرقة ضعف."

"وأوصيكم بالعدل، فإن العدل أساس الملك، وهو ما يدوم. وأوصيكم بنصر المظلوم، فإن الله مع المظلوم، ولو بعد حين."

"وإني قد وليت عليكم، فاجتهدت ما استطعت. وإن كانت لي أخطاء، فصححوها، واستغفروا لي. وإن كانت لي حسنات، فاشكرو الله، واقتدوا بها."

كانت هذه دعوة للتواضع، وإقرار بالبشرية، وتذكير بأن الكمال لله وحده.

ثم، التفت إلى علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن عمر، رضي الله عنهم أجمعين.

"يا هؤلاء،" قال بصوت فيه ثقل المسؤولية، "لقد رأيتم أمانة المسلمين، ورأيتم بيت مالهم. فإني أوصيكم بأمر هذه الأمة من بعدي. فإن لم يكن لي رأي، فقد أردت أن أترك الأمر لكم، لتختاروا لأنفسكم."

"ولقد اجتهدت في أمركم، ونظرت فيمن يصلح لهذا الأمر. وقد رأيت رجلاً، لو وليتموه، لكان خير لكم."

صمت الجميع، وقلوبهم تخفق ترقباً، وهم يعرفون أن عمر لم يكن يتحدث إلا عن علم وبصيرة.

"ولكني أترك الاختيار لكم، لتشاوروا فيما بينكم. وإن كان لي أن أشير، فأشير عليكم بفلان."

كانت هذه إشارة ذكية، لم تكن فرضاً، بل كانت توجيهاً، ورغبة في أن يتم الأمر بالشورى، وأن يختار المسلمون من يرونه الأنسب.

"ولكن، إن لم يكن الأمر كذلك، فليكن الأمر شورى بينكم. وليأخذ كل رجل منكم بيد أخيه، ولتكونوا يداً واحدة."

كانت هذه دعوة واضحة إلى وحدة الصف، والابتعاد عن التنازع والاختلاف.

"وإن كان لي أن أقول لكم قولاً، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: 'ما من والٍ يلي أمر المسلمين، ثم لم يجتهد لهم، ولم ينصحهم، إلا لم يدخل الجنة معهم'."

"وإني أخشى أن ألقى الله، وأن أكون قد قصرت في حقكم. فاستغفروا لي، ودعوا لي بالرحمة."

كانت كلماته مؤثرة، تلامس القلوب، وتوقظ الضمائر. لقد كان الفاروق، في لحظات احتضاره، لا يزال يفكر في أمته، وفي مسؤولياته.

"يا علي،" قال، وقد نظر إليه نظرة خاصة، "إن وليت الأمر، فأقم الحق، وأعن الضعيف، وانصر المظلوم."

"ويا عبد الرحمن بن عوف،" وأضاف، "إن وليت الأمر، فضع المال في مواضعه، ولا تسرف، ولا تبذر."

"ويا سعد بن أبي وقاص،" وأردف، "إن وليت الأمر، فلا تأخذ مالاً لا تستحقه، ولا تظلم أحداً."

"ويا طلحة بن عبيد الله،" وأكمل، "إن وليت الأمر، فكن رحيماً، وعطوفاً، وواسياً."

"ويا الزبير بن العوام،" وأضاف، "إن وليت الأمر، فكن حازماً، وقوياً، لا تخشى في الله لومة لائم."

"وأما أنت يا بني، عبد الله،" وقالها وهو يربت على كتفه، "فإن لم تكن أنت، فاذكر وصيتي هذه، ولتكن لك دليلاً. وإن وليت الأمر، فاتق الله، وكن عادلاً."

كانت هذه وصية جامعة، موجهة إلى كل واحد منهم، تحمل في طياتها معاني عميقة، وتوجيهات واضحة. لقد كان الفاروق يودع الحياة، ولكنه كان يترك وراءه إرثاً عظيماً، ودستوراً خالداً.

"وأوصيكم، يا معشر المسلمين، بأن تحسنوا إلى ولاتكم، وأن تعينوهم على الحق. فإنهم إن استقاموا، استقامت الأمة. وإن انحرفوا، انحرفت."

"وإن رأيتم فيهم خطأ، فنبهوهم برفق، وادعو لهم بالصلاح. فإن الله يأمر باللين، والرفق."

كانت هذه دعوة إلى حسن الظن، وإلى التعاون، وإلى النصيحة الصادقة.

"ولا تنسوا، يا معشر المسلمين، أنكم جميعاً رعاة، وكلكم مسؤول عن رعيته. فليتقي كل منكم ربه فيمن تحت يده."

"فإن كان الوالي، فليتق الله في رعيته. وإن كان الزوج، فليتق الله في زوجته وأولاده. وإن كانت الأم، فلتتق الله في ولدها."

كانت هذه دعوة شاملة، تذكر الجميع بمسؤولياتهم، وتدعوهم إلى التحلي بالتقوى.

"وأما عن هذا السيف،" وقالها وهو يشير إلى سيف كان بجواره، "فقد شهدت به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر. فليكن لكم شاهداً على ما أقول. لا تستخدموه إلا في الحق، ولا تعتدوا به."

كان هذا رمزاً للقوة، ولكنها قوة مقيدة بالحق، وبالعدل.

"وإني أستودعكم الله، وأستودعكم دينه، وأستودعكم رسوله. وأسأل الله أن يتوفاني مسلماً، وأن يلحقني بالصالحين."

كانت تلك كلمات الوداع الأخيرة. كلمات خرجت من قلب مؤمن، ومن روح مجاهد، ومن قائد أمين. لقد ترك الفاروق بصمته الأخيرة، بصمة خالدة في تاريخ الأمة، ودستوراً سيبقى خالداً.

ثم، ساد الصمت. كان كل واحد من الصحابة ينظر إلى عمر، وقلبه يعتصره الألم، ولكنه كان يدرك أنه أمام لحظة تاريخية، لحظة لا يمكن نسيانها.

لقد كانت وصية الفاروق، ليست مجرد كلمات، بل كانت معانٍ، وقيم، ومبادئ، ستبقى خالدة، تهدي الأمة، وترشدها في مسيرتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%