وصية الفاروق عمر بن الخطاب

الفصل 4 — رداء الأمانة وعرش الخلافة

بقلم يوسف الأمين

الفصل 4 — رداء الأمانة وعرش الخلافة

مع تزايد وهن جسد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتصاعد أنفاسه الأخيرة، كان مجلس الشورى الذي انعقد حوله يشتعل بنقاشات هادئة، ولكنها عميقة، حول من سيحمل عبء الخلافة من بعده. لم يكن الأمر مجرد اختيار قائد، بل كان اختيار رجل ستناط به مسؤولية أمة عظيمة، وراية دين سماوي.

نظر عمر إلى الوجوه التي أحاطت به، وجوه الصحابة الكرام، الذين شاركوه مسيرة الجهاد والبناء. كانت نظراتهم تحمل مزيجاً من الحزن، والقلق، والأمل.

"لقد اجتهدت في أمركم،" قال بصوت خفيض، "ولم أترك الأمر للصدفة. لقد نظرت فيمن يصلح لهذا المنصب، واخترت ممن رأيت فيهم الأهلية والتقوى."

ثم، وجه بصره نحو علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وقال: "يا علي، إن وليت الأمر، فاعدل في الناس، وأقم الحق، وأعن الضعيف."

ونظر إلى عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، وأضاف: "وإن وليت الأمر، فليكن همك الأول هو راحة المسلمين، وسد حاجتهم. وليكن مال بيت المال في مصالحهم."

ثم، توجه إلى سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه: "ويا سعد، إن وليت الأمر، فكن قوياً في الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم. وليكن لك بصيرة في الأمور."

ونظر إلى الزبير بن العوام، رضي الله عنه: "ويا زبير، إن وليت الأمر، فكن صبوراً، شجاعاً، ولا تخف في الحق شيئاً."

ثم، التفت إلى طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه: "ويا طلحة، إن وليت الأمر، فكن رحيماً، عطوفاً، وليكن قلبك مع المساكين والأرامل."

وأخيراً، نظر إلى ابنه عبد الله، رضي الله عنه، وقد فاضت عيناه بدموع خفية: "وأما أنت يا بني، عبد الله، فإني أراك أهلاً لهذا الأمر، ولكن أخشى أن تزيدني الأمانة همّاً على همّ. وإن لم تكن أنت، فاستمع لنصائحي، ولما أقول لكم."

كانت هذه اللحظة مؤثرة، فيها حب أب، وحرص قائد، ورغبة في أن تجد الأمة رجلاً كفؤاً.

"لقد رأيت فيكم، يا معشر من حضر، ستة، إن اجتمعوا، وكانوا على الحق، فمن تولى منهم، فهو أرجى لهم."

كانت هذه إشارة واضحة إلى مبدأ الشورى، وإلى أهمية اختيار الأفضل.

"ولكني أترك لكم الأمر، لتختاروا فيما بينكم. فإن اختلفتم، فاجعلوا عبد الرحمن بن عوف حكماً بينكم. فإنه لا يألوكم خيراً."

كان هذا تفويضاً واضحاً، وثقة كبيرة في عبد الرحمن بن عوف، ودليل على حرص عمر على وحدة الأمة.

"وإني أخشى، يا معشر المسلمين، من ثلاث خصال." قال عمر، وقد علا صوته قليلاً، كأنه يودعهم بقوة.

"أخشى من غدر الأقوياء، ومن فتنة الأغنياء، ومن فساد العلماء."

"فأما غدر الأقوياء، فليعلموا أنهم سيحاسبون. وأما فتنة الأغنياء، فليعلموا أن المال سيُسأل عنه. وأما فساد العلماء، فإنه قد يؤدي إلى فساد الأمة كلها."

كانت هذه تحذيرات بالغة الأهمية، تحمل في طياتها بصيرة نافذة.

"فأوصيكم، يا معشر المسلمين، بأن تحذروا هذه الخصال. وأن تسعوا في إصلاح أنفسكم، وإصلاح ولاة أموركم."

"وإني أوصيكم، يا من يلي أمركم، بأن تتقوا الله في عباده. وأن تنظروا في مصالحهم، وأن تحافظوا على حقوقهم."

"وإن وجدتم في بيت المال شيئاً، فليصرف في مصالح المسلمين. وإن لم تجدوا، فلا تثقلوا عليهم. فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها."

"ولا تنسوا، يا معشر المسلمين، حقوق الفقراء والمساكين. فإنهم أحق الناس بمال المسلمين. ولا تنسوا حقوق اليتامى والأرامل، فإنهم حمل ثقيل، وأمانة في أعناقكم."

"وإني أستودعكم الله، وأستودعكم دينه، وأستودعكم رسوله. وأسأل الله أن يتوفاني مسلماً، وأن يلحقني بالصالحين."

كانت هذه كلمات عمر الأخيرة، التي خرجت من قلب مؤمن، ومن روح قائد، ومن أب رحيم. لقد كان يودع الدنيا، ولكنه كان يترك وراءه إرثاً عظيماً، ودستوراً خالداً.

"يا أمير المؤمنين،" قال علي بن أبي طالب، وقد ارتسمت على وجهه علامات التأثر العميق، "لقد كنت لنا خير أب، وخير معلم. فجزاك الله عنا خير الجزاء."

"بل أنتم من كنتم خير معين، وخير سند." رد عمر، وقد فاضت عيناه بالدموع. "لولاكم، ما بلغت ما بلغت."

كانت هذه لحظة تاريخية، لقاء بين عظماء التاريخ، يتجلى فيه الإيمان، والتواضع، والحب الصادق للأمة.

"والآن، يا معشر المسلمين،" قال عمر، بصوت يكاد يكون غير مسموع، "اذهبوا، واختاروا خليفتكم. وليكن أمركم شورى بينكم."

ثم، سكت. كان جسد الفاروق يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما روحه كانت تحلق نحو السماء، نحو لقاء ربه. كان صمتٌ مليءٌ بالحزن، والفخر، والتطلع إلى المستقبل.

اجتمع الصحابة، وهم يشعرون بثقل المسؤولية، ومرارة الفراق. لقد كانوا أمام مرحلة جديدة، مرحلة تتطلب الحكمة، والتعاون، والوحدة.

ذهب علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن عمر، إلى مكان بعيد قليلاً، ليبدأوا مشاوراتهم.

"لقد اجتهد الفاروق في اختيارنا،" قال عبد الرحمن بن عوف، "ولكن، علينا أن نختار الأفضل للأمة. فمن ترون؟"

"إن علياً، رضي الله عنه، هو أحق الناس بالخلافة، فهو أول السابقين، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج فاطمة، رضي الله عنها." قال الزبير بن العوام.

"ولكن،" اعترض طلحة بن عبيد الله، "عبد الرحمن بن عوف، له مكانة عظيمة، وقد أشار إليه عمر."

"ولا ننسى،" قال سعد بن أبي وقاص، "أن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، له مكانة رفيعة، وهو من المبشرين بالجنة."

"ولكن،" قال علي بن أبي طالب، بصوت هادئ، "إنما أراد عمر أن يترك الأمر لنا، لنختار. وليكن الأمر شورى بيننا. ولكني أرى أن نختار من هو أهل لهذه المسؤولية، ومن يستطيع أن يحملها بحق."

"ولقد رأيت،" قال عبد الرحمن بن عوف، "أن عمر كان يشير إلى عثمان بن عفان، رضي الله عنه. فهو رجل ورع، وتقي، ويخشى الله."

"وإني أرى ذلك أيضاً،" قال سعد بن أبي وقاص، "فقد رأيت في عثمان ما يدل على أهلية لهذا الأمر."

"وماذا عن علي؟" سأل الزبير بن العوام، "فهو رجل لا يشق له غبار."

"وإني أرى،" قال علي بن أبي طالب، "أن عثمان بن عفان هو الأرجى لقيادة الأمة في هذه المرحلة. فهو رجل حكيم، ولين، وسيتحمل المسؤولية برحمة وعدل."

"ولقد رأيت،" قال عبد الرحمن بن عوف، "أن عمر كان راضياً عن هذا الاختيار. فليكن الأمر كذلك."

وهكذا، وبعد مشاورات طويلة، وبعد تفكير عميق، وبعد استحضار وصية الفاروق، اجتمع الصحابة على اختيار عثمان بن عفان، رضي الله عنه، خليفة للمسلمين.

عادوا إلى عمر، الذي كان يحتضر، ليبلغوه بالقرار.

"يا أمير المؤمنين،" قال عبد الرحمن بن عوف، بصوت يرتجف، "لقد اخترنا، بالتشاور، وبموافقتك، خليفة للمسلمين. لقد اخترنا عثمان بن عفان، رضي الله عنه."

ابتسم الفاروق ابتسامة خفيفة، فيها رضى وسكون. "الحمد لله. لقد أصبتُم."

ثم، أغمض عينيه، ولفظ أنفاسه الأخيرة، وقد اطمأن قلبه على مستقبل أمته.

لقد رحل عمر، ولكن رداء الأمانة قد انتقل إلى يد أخرى، يد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، الذي سيواصل المسيرة، وسيبقى إرث الفاروق نبراساً له، وللأمة من بعده.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%