وصية الفاروق عمر بن الخطاب
بالتأكيد، إليك الفصول من 6 إلى 10 من رواية "وصية الفاروق عمر بن الخطاب"، مكتوبة بالأسلوب والشروط المطلوبة:
بقلم يوسف الأمين
بالتأكيد، إليك الفصول من 6 إلى 10 من رواية "وصية الفاروق عمر بن الخطاب"، مكتوبة بالأسلوب والشروط المطلوبة:
الفصل 6 — لقاء الأحبة ودموع الوداع
لم تكد الأنفاس تهدأ في بيت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حتى أخذت الأسى تتسلل إلى القلوب كخيوط العنكبوت، تلتف حول الأرواح وتخنقها بأنين خافت. كان الأطباء قد فعلوا ما في وسعهم، ووصفوا ما استطاعوا من دواء، ولكن قدر الله غالب، والمقدور كائن لا محالة. جلس عمر، فاروق الأمة، على فراش مرضه، وعلى وجهه مسحة من الألم، ولكن عينيه كانتا تحملان نوراً لا يخبو، نور الرضا والتسليم.
كانت عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، جالساً بقربه، يمسك بيده اليمنى، ويشعر ببرودتها المتزايدة. كانت الدموع تتلألأ في عينيه، ولكنه كان يحاول جاهداً أن يصبر، وأن يكون سنداً لأبيه في ساعاته الأخيرة. سأل عمر بصوت متقطع: "يا بني، كيف هي حال الناس؟ هل رأيت منهم جزعاً؟"
أجاب عبد الله بصوت مرتعش: "يا أبي، الناس جميعاً في ضيق، ودعواتهم لك لا تنقطع. لقد أحبوك حباً جماً، ولم يبلغني عنهم جزع، بل حزن عميق وألم شديد."
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، وقال: "الحمد لله. هذا ما أرجوه. أن يحبني الله ورسوله، وأن يحبني الناس لما رأوا مني من خير. يا بني، أوصيك بتقوى الله، وأن تكون عادلاً في حكمك، وأن لا تخشى في الحق لومة لائم. لقد كانت الأمانة ثقيلة، ولكن الله أعانني. وأنت إن وليت أمراً، فضع نصب عينيك قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)."
تنهد عبد الله، وعانق أباه بحرارة، وقال: "يا أبي، إنك قد أديت الأمانة على أكمل وجه، وتركت لنا ميراثاً عظيماً من العدل والحكمة. سنبذل قصارى جهدنا للسير على خطاك."
دخلت أم كلثوم، رضي الله عنها، ومعها بعض نساء البيت، وقد ارتسم على وجوههن الحزن العميق. نظرت إلى أبيها نظرة ملؤها الحب والألم، وسألته بصوت خفيض: "كيف حالك يا أبي؟ هل تشعر ببعض الراحة؟"
قال عمر: "الحمد لله يا ابنتي. كل ما يحدث هو خير. لقد قضيت ما قضيت، وسألقى ربي قريباً. أوصيك بتقوى الله، وأن تكوني صبورة، وأن تحسني تربية أبنائك. اجعلي كتاب الله وسنة رسوله دليلك في حياتك."
بكت أم كلثوم بحرقة، وقالت: "يا أبي، كيف لنا أن نطيق فراقك؟ لقد كنت لنا السند والأمان. ولكننا سنصبر، وسنحتسب أجرنا عند الله."
كانت الساعات تمضي ثقيلة، كل دقيقة تمر كأنها دهر. كان عمر يستقبل ضيوفه، يوصي كل واحد منهم بتقوى الله، وبالتمسك بالدين، وبالاهتمام بالمسلمين. كان يتحدث عن عدله، عن تواضعه، عن خوفه من الله. كانت كلماته مؤثرة، تحمل في طياتها حكمة السنين وخبرة الحكم.
قال له عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: "يا أمير المؤمنين، لو استخلفنا رجلاً من أهل بيتكم لكان خيراً."
فأجاب عمر: "وما يمنعني من ذلك؟ ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الخلافة في قريش، ثم تكون في غيرهم). فلا أدري ما يكون. وقد تركت الأمر شورى بينكم. ولكن اعلموا أنني أخشى أن يتفرق الناس على خليفتهم، وأن يكون في ذلك شر. فاختاروا لأنفسكم الأصلح."
كانت وصاياه الأخيرة تدور حول الأمة، حول المسلمين، حول العدل، حول الرحمة. لم يكن يخشى على نفسه، بل كان يخشى على أمته. كان قلبه معلقاً بالله، وروحه تتوق إلى لقائه.
بعد أن استقبل الجميع، ودعهم بكلمات مؤثرة، ودعا لهم، ثم استلقى على فراشه، مغمضاً عينيه. كان يسمع صوت عبد الله بن عمر وهو يقرأ القرآن بقربه. كانت الآيات تتلو بعضها بعضاً، ترتلها روح مطمئنة، تهيئ نفسها للقاء الأجل.
بدأت أنفاسه تتباطأ، وقلبه يخفق بصعوبة. نظر إلى عبد الله بن عمر، وأشار إليه بيده. اقترب عبد الله منه، وأمسك بيده. قال عمر بصوت خافت جداً: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله."
ثم أغمض عينيه، وسكن جسده. لقد رحلت روح الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى بارئها، تاركة وراءها أمة تبكي فقدان قائدها العظيم، وميراثاً خالداً من العدل والحكمة.