وصية الفاروق عمر بن الخطاب
الفصل 7 — صدمة الفقد وهيبة القيادة
بقلم يوسف الأمين
الفصل 7 — صدمة الفقد وهيبة القيادة
لم يكن الخبر ليصدق في البداية. حينما انتشر الخبر في أرجاء المدينة، وتناقلته الألسنة، شعر الناس وكأن الأرض قد زلزلت من تحت أقدامهم. عمر بن الخطاب، الفاروق، الذي كان يمثل القوة والعدل والأمان، قد رحل! كيف ستستقيم أمور المسلمين بدونه؟ كيف سيجدون القائد الذي يحمل عبء الأمة ويسهر على مصالحها؟
اجتمع الناس في المسجد، وفي الطرقات، يتدارسون الخبر، يتناقلون الحزن، ويبكون قائدهم العظيم. كان هناك مزيج من الصدمة، والحزن العميق، والخوف من المستقبل المجهول. فلقد اعتادوا على وجود عمر، على قوته، على عدله الذي كان يطمئن القريب والبعيد.
جلس أهل الحل والعقد، وهم الصحابة الكرام، في مجلس الشورى الذي تركه عمر. كانت وجوههم تعكس ثقل المسؤولية، وحجم الفقد. كان على عاتقهم الآن اختيار خليفة جديد، قائد يقود الأمة في هذه المرحلة الحرجة.
قال عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، بصوت حزين: "لقد فقدنا بوفاة عمر ركناً عظيماً من أركان الإسلام. لقد كان بحق فاروقاً، يفرق بين الحق والباطل، ويقيم العدل بين الناس. إن اختيار خليفة جديد ليس بالأمر الهين، بل هو مسؤولية عظيمة أمام الله وأمام الأمة."
أومأ طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، موافقاً، وقال: "نعم، لقد ترك لنا عمر وصية عظيمة، وهي الأمانة. علينا أن نختار من يحمل هذه الأمانة، وأن يكون أهلاً لها، وأن يتقي الله في المسلمين."
كان عثمان بن عفان، رضي الله عنه، واقفا ً، ينظر إلى وجوه الصحابة، وعيناه تلمعان بالجدية. قال: "لقد ترك عمر الأمر شورى، وحدد لنا ستة من الصحابة الكرام، الذين يرجى منهم الخير، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم أجمعين. علينا أن نلتزم بوصيته، وأن نختار منهم الأفضل."
شعر علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، بثقل اللحظة. لقد كان عمر، رضي الله عنه، أبا وأخاً وصديقاً، وكان رجلاً عظيم الشأن. قال: "لقد بذل عمر جهده، ووُفق في قيادة الأمة. والآن، تقع علينا مسؤولية عظيمة. سأبايع من يختاره المسلمون، ولن أخالف أمر الله ورسوله."
كانت الأجواء مليئة بالخشوع والتأمل. كل واحد من هؤلاء الرجال الستة كان أهلاً للخلافة، ولكل منهم فضله وعلمه. ولكن الاختيار يجب أن يتم بعناية فائقة، لضمان استمرار مسيرة العدل والإصلاح.
بدأ عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، في الحديث إلى الصحابة، مستطلعاً آراءهم. كانت هناك أسماء تتردد، ولكن الجميع كانوا متفقين على ضرورة اختيار الأفضل، والأكثر حكمة، والأشد تقوى.
قال الزبير بن العوام، رضي الله عنه: "لقد رأينا من عمر ما رأينا من العدل والرحمة. فليكن خليفتنا على نهجه، وليكن قوياً في الحق، رحيماً بالضعيف، شفيقاً على الرعية."
كانت النقاشات تدور، ولكنها كانت نقاشات بناءة، لا تحمل أي ضغينة أو طمع. الجميع كانوا يبحثون عن مصلحة الأمة، وعن استمرار نعم الله عليها.
في تلك الأثناء، كانت نساء المسلمين، وأطفالهن، يدعون في بيوتهم. كن يشعرن بحزن عميق على فراق الفاروق، ولكنهن كن يلجأن إلى الله بالدعاء، أن يختار للأمة القائد الصالح. كانت الأمم العظيمة تبنى على الدعاء والصبر، وعلى التمسك بالقيم.
بعد طول مداولات، وبعد التشاور مع أهل الرأي، بدا أن الاختيار قد يقع بين علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، رضي الله عنهما. كانت لكل منهما صفاته المميزة. علي، بعلمه وفقهه، وعثمان، بحلمه وكرمه.
قال عبد الرحمن بن عوف: "لقد تشاورت مع كثير منكم، ورأيت أن الاختيار سيقع بين هذين الرجلين. فهل لي أن آخذ البيعة منكم لهما؟"
أومأ الجميع بالموافقة. بدأ عبد الرحمن بن عوف بالتحرك، متحدثاً مع كل فرد من أفراد الشورى، محاولاً استطلاع رأيهم النهائي. كانت اللحظة حاسمة، ولها تبعات كبيرة على مستقبل الأمة.
كانت هيبة القيادة تفرض نفسها على الجميع. لم يكن الأمر مجرد منصب، بل كان عبئاً ثقيلاً، ومسؤولية ضخمة. كان عليهم أن يختاروا من يستطيع أن يحمل هذا العبء، وأن يكون خير خلف لخير سلف.
ومع مرور الوقت، بدأت الصورة تتضح. كان هناك اتفاق ضمني على رجل يجمع بين الحزم واللين، بين العلم والعمل، بين الحكمة والرحمة. كان على هؤلاء الرجال العظام أن يقودوا الأمة إلى بر الأمان، كما فعل سلفهم الصالح.