وصية الفاروق عمر بن الخطاب
الفصل 8 — اختيار الخلفاء وميثاق الأمة
بقلم يوسف الأمين
الفصل 8 — اختيار الخلفاء وميثاق الأمة
كانت المدينة المنورة في حالة ترقب شديد. بعد وفاة الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، اجتمع أهل الحل والعقد، وبدأوا في مداولاتهم لاختيار خليفة جديد. لم يكن الأمر سهلاً، فالأمة الإسلامية قد توسعت، وأصبحت مسؤوليات القيادة أعظم وأجل.
أدرك الصحابة الكرام، وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، ثقل المهمة. لقد ترك عمر، رضي الله عنه، لهم نظاماً محكماً، وترك لهم ستة من خيرة الصحابة، الذين أعدهم للحكم.
بدأ عبد الرحمن بن عوف، بصفته أحد أعضاء مجلس الشورى، في استطلاع آراء الستة، بل استطلاع آراء عموم المسلمين. كان يسألهم عن رأيهم في علي بن أبي طالب، وعن رأيهم في عثمان بن عفان، رضي الله عنهما.
في أحد الأيام، وبعد أن استمرت المداولات لفترة، التقى عبد الرحمن بن عوف بعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه. قال له: "يا أبا الحسن، إنك أهل للخلافة، ولن أقول إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن هل تبايعني إذا لم أخترك؟"
أجاب علي، رضي الله عنه: "نعم، أبايع."
ثم التقى بعثمان بن عفان، رضي الله عنه، وسأله نفس السؤال. فأجاب عثمان: "نعم، أبايع."
هذه الاستجابة العظيمة من هذين الرجلين العظيمين، أظهرت مدى نضج الأمة الإسلامية، ومدى حرص قادتها على وحدة الصف، واستقرار الدولة. لم يكن هناك طمع في السلطة، بل كان هناك تسليم لأمر الله، ورغبة في خدمة الأمة.
استمرت الأيام، وتعمقت المداولات. كان عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، يسعى جاهداً للوصول إلى توافق يرضي الله ويرضي المسلمين. كان يتحدث مع الناس، ويستمع إلى أصواتهم، ويستشعر نبض الأمة.
في يوم الجمعة، وبعد صلاة العصر، وقف عبد الرحمن بن عوف خطيباً في الناس. قال: "أيها المسلمون، لقد اجتمعنا لنختار خليفة لكم بعد الفاروق عمر. وقد استشرت فيكم، ونظرت في أمركم. وقد رأيت أن أقطع الأمر لعثمان بن عفان."
ارتفعت أصوات بالتكبير، وبايع الناس عثمان بن عفان، رضي الله عنه. كان الأمر سلساً، بفضل الله، وبفضل نضج الصحابة ورضاهم.
بايع عثمان، رضي الله عنه، ثم صعد المنبر، وألقى خطبة مؤثرة. قال: "يا أيها الناس، لقد وليت عليكم، ولست بخيركم. ولكن حملتكم، فأنا خيركم. وليت عليكم، ولست ببريء، ولكنني أعمل. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. ألا وإن سبيلكم أن تأخذوا بالحق، وتطلبوا العدل، وتتقوا الله. ألا وإنني لست بذي قوة، ولكنني أخشى، وأخشى أن أطيع الهوى، وأن أكون ظالماً. فأنا لست بذي قوة، ولكنني أخشى، وأخشى أن أطيع الهوى، وأن أكون ظالماً. ولكنني سأعمل بما استطعته، فإن أحسنت فبنعمة الله، وإن أسأت فمن نفسي."
كانت هذه الكلمات، تعكس تواضع عثمان، وحرصه الشديد على ألا يظلم أحداً. لقد تحمل مسؤولية عظيمة، وكان يعلم أنها أمانة ثقيلة.
بعد ذلك، أخذ عثمان، رضي الله عنه، في تفقد أحوال المسلمين، وتدارس ما تركه عمر، رضي الله عنه. كان يحرص على اتباع نهج الفاروق في العدل والتواضع.
ولكن، لم تخلُ الأمة من بعض الأصوات التي بدأت تظهر، والتي كانت تحمل في طياتها بذور الفتنة. كانت هناك بعض الآراء التي لم تكن راضية عن الاختيار، والتي بدأت تثير الشبهات، وتلقي الظلال على خلافة عثمان.
كانت هذه الأصوات، في الغالب، تأتي من أطراف بعيدة، ومن أشخاص لم يعايشوا فترة النبوة والخلافة الراشدة عن قرب. كانوا يحاولون إثارة الفتنة، وإضعاف الدولة الإسلامية.
لم يكن عثمان، رضي الله عنه، غافلاً عن هذه الأصوات، ولكنه كان يعتمد على قوة الإيمان، وعلى حسن الظن بالله، وعلى دعوات المسلمين الصادقين.
كانت الأمة في هذه المرحلة، تحتاج إلى الوحدة، إلى التكاتف، إلى التمسك بالمبادئ التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي طبقها الخلفاء الراشدون.
في أحد الأيام، جاءه أحد الصحابة المقربين، وقال له: "يا أمير المؤمنين، لقد سمعت بعض الأصوات التي تتحدث عنك بسوء، وعن خلافك."
نظر عثمان، رضي الله عنه، إليه، وقال: "والله، إني لأعلم أنني سأُبتلى. ولكن الله المستعان. ما دمت أتقي الله، وأعمل بما يرضيه، فلن أبالي. إنما يأتي الشر ممن لا يتقي الله."
كانت هذه الكلمات، تعكس حكمة عثمان، ورضاه بقضاء الله. لقد كان يؤمن بأن الله لن يخذل عبده الصالح.
في هذه الأثناء، كان علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، يبايع عثمان، رضي الله عنه، بكل وفاء وإخلاص. كان يقف بجانبه، ويدعمه، ويسدده. كان يرى في خلافة عثمان، استمراراً لمسيرة الخير.
ولكن، كانت هناك أمور بدأت تحدث، والتي كانت تنذر بالشر. كانت هناك بعض الأمور التي لم تكن واضحة، والتي أثارت بعض التساؤلات.
كانت هذه التساؤلات، هي بذرة الفتنة التي ستنبت فيما بعد، وتؤثر على مسيرة الأمة.