ظل تحت السماء الصافية
الفصل 12 — اكتشاف في الغرفة المغلقة
بقلم رنا الطاهر
الفصل 12 — اكتشاف في الغرفة المغلقة
عادت "ليلى" إلى منزل عائلتها، تحمل في جعبتها خيطاً جديداً لفك ألغاز اختفاء والدها. "بئر الأسرار" الذي ذكره "أبو سليمان" كان يتردد صداه في ذهنها، وكأنه مفتاح سري لم يكتشف بعد. لم يكن مجرد مكان، بل أصبح رمزاً للماضي الغامض لوالدها، "سليم"، الذي لطالما آمن بوجود كنوز مخفية في ثنايا التاريخ.
"جدتي، يجب أن أبحث في غرفة والدي مرة أخرى. ربما فاتني شيء مهم." قالت "ليلى" وهي تقف أمام الباب الخشبي المغلق لغرفة والدها، وهي الغرفة التي لم تطأها قدماها منذ اختفائه.
نظرت إليها "أمينة" بحزن. "الغرفة ما زالت كما تركها يا ابنتي. لم يمسها أحد. لكن إن كنتِ تشعرين بأن هناك شيئاً، فليكن."
ترددت "ليلى" قليلاً قبل أن تفتح الباب. كان الهواء في الغرفة ثقيلاً، وكأن الزمن توقف فيها. رائحة خفيفة من التبغ القديم الممزوج بعبق الكتب تملأ المكان. كانت المكتبة الضخمة لجدار كامل، مليئة بالكتب المتنوعة، من التاريخ والفلسفة إلى الأدب والروايات. كانت هناك أيضاً بعض الخرائط القديمة المكدسة على رف، وجهاز لوحي قديم، وقلم حبر ملقى على طرف المكتب.
بدأت "ليلى" في البحث، ببطء وتأنٍ. قلبت الكتب، وفحصت الأدراج، وتفحصت الزوايا. كل شيء كان يبدو طبيعياً، وكأن والدها غادر للتو وسيعود في أي لحظة. شعرت بالإحباط يتسلل إليها مرة أخرى. هل كان "أبو سليمان" مخطئاً؟ هل كان والدها مجرد رجل يحب القصص القديمة؟
فجأة، سقطت إحدى الخرائط القديمة من الرف، وانتشرت على الأرض. انحنت "ليلى" لتلتقطها، ولكن قبل أن تفعل، لاحظت شيئاً غريباً. كانت هناك علامة صغيرة، مرسومة بطلاء أحمر باهت، على حافة الخريطة. لم تكن جزءاً من الخريطة الأصلية، بل كانت إضافة.
"جدتي، انظري إلى هذا!" نادت "ليلى" بصوت فيه نبرة اكتشاف.
اقتربت "أمينة" ورأت العلامة. "ما هذا؟"
"لا أعرف، لكنها ليست جزءاً من الخريطة." قالت "ليلى" وهي تفحص الخريطة بدقة. كانت الخريطة لمدينة "الفيحاء" القديمة، المدينة التي كانت موطنهم. كانت العلامة تشير إلى منطقة معينة، في الطرف الشمالي للمدينة، بالقرب من السور.
"هذه المنطقة... إنها قريبة من المكان الذي وصفه أبو سليمان! 'بئر الأسرار'!" قالت "ليلى" بفرحة غامرة.
بدأت "ليلى" تفحص الخريطة بشكل مكثف. لاحظت أن هناك بعض الخطوط المرسومة بقلم رصاص خفيف، تشكل مساراً يبدأ من وسط المدينة، ويتجه نحو تلك المنطقة. لم يكن مساراً واضحاً، بل كان أشبه بخطوط متقطعة، تتطلب معرفة بالمدينة للسير عليها.
"انظري يا جدتي، هذه الخطوط! وكأنها دليل. والدتي كان يخطط لشيء ما، وكان يضع لنفسه خريطة سرية."
"من كان يظن أن سليم لديه مثل هذه الأسرار؟" قالت "أمينة" وهي تنظر إلى الخريطة بذهول.
واصلت "ليلى" بحثها في الغرفة، وهي تشعر بأنها تقترب أكثر فأكثر من الحقيقة. فحصت جهاز الكمبيوتر الخاص بوالدها، لكنه كان محمياً بكلمة مرور. حاولت بعض الكلمات التي كانت مرتبطة بوالدها، لكنها فشلت.
ثم وقع بصرها على مكتب والدها. كان هناك قلم حبر، ومجموعة من الأوراق. وبين الأوراق، وجدت غلافاً صغيراً من الجلد. فتحته، فوجدت بداخله ورقة مطوية بعناية.
عندما فتحت الورقة، وجدت رسماً بسيطاً، وبجانبه بعض الكلمات المكتوبة بخط يد والدها. كان الرسم عبارة عن شكل دائري، وبداخله خطوط متعرجة. أما الكلمات، فكانت: "حيث تلتقي الظلال بالأرض، وحيث يتنفس التاريخ."
"ما هذا؟" تساءلت "ليلى".
"هل يبدو لك شيئاً يا جدتي؟"
فكرت "أمينة" قليلاً. "تذكرت شيئاً. والدك كان يحب أن يصف الأشياء بطرق شعرية. ربما يكون هذا وصفاً رمزياً لمكان ما."
"لكن أين؟" سألت "ليلى".
نظرت "ليلى" إلى الرسم مرة أخرى، ثم إلى الخريطة. ربطت بين العلامة الموجودة على الخريطة، ووصف والدها. "حيث تلتقي الظلال بالأرض... ربما يقصد المكان الذي تكون فيه الظلال طويلة في وقت معين؟ وحيث يتنفس التاريخ... ربما يقصد مكاناً قديماً، له أهمية تاريخية."
"بئر الأسرار!" صاحت "ليلى" فجأة. "الوصف ينطبق عليه تماماً! إنه مكان قديم، ربما في وقت معين، تكون ظلال السور أو الأشجار المحيطة به طويلة وتغطي البئر."
كانت "ليلى" تشعر بإثارة قوية. شعرت وكأنها على وشك كشف لغز كبير. أخذت الخريطة، والورقة المرسوم عليها، وخرجت من الغرفة.
"جدتي، يجب أن نذهب إلى هناك. إلى 'بئر الأسرار'." قالت "ليلى" بعزم.
"في هذا الوقت؟ إنها توشك على الظلام." قالت "أمينة" بقلق.
"الوقت مناسب! ربما يكون هذا هو الوقت المقصود في الوصف. يجب أن نذهب الآن." أصرت "ليلى".
وافقت "أمينة" على مضض، وأحضرت معها مصباحاً يدوياً احتياطياً. ارتدت "ليلى" ملابس مناسبة، وأخذت حقيبة صغيرة فيها بعض الأدوات التي قد تحتاجها.
شعرتا ببعض التوتر أثناء سيرهما في الشوارع التي بدأت تخلو من المارة. كانت المدينة العتيقة تبدو مختلفة في الظلام، أكثر غموضاً وهدوءاً. كانت الأضواء الخافتة المنبعثة من بعض النوافذ تخلق ظلالاً طويلة ترقص على الجدران.
قادتهما الخريطة إلى حافة المدينة، حيث كان السور القديم يقف شامخاً كشاهد على عصور مضت. كانت المنطقة هناك مهجورة، والمباني قليلة ومتهالكة. كان الهواء بارداً، ورائحة التراب الرطب تملأ المكان.
"هل هذا هو المكان؟" سألت "أمينة" وهي تنظر حولها.
"وفقاً للخريطة، نعم." قالت "ليلى" وهي تشير إلى منطقة محددة.
بدأت "ليلى" تبحث عن البئر. كان المكان مغطى بالأعشاب البرية والأحجار المتناثرة. كان الظلام قد بدأ يشتد، والمصباح اليدوي الذي كان مع "ليلى" بالكاد يكشف ما حولهما.
وفجأة، سمعت "ليلى" صوتاً غريباً. صوت يشبه تسرب الماء. تقدمت نحو الصوت، ووجدت مجموعة من الأحجار المتراصة، تشكل حفرة دائرية في الأرض. كان هذا هو "بئر الأسرار".
اقتربت "ليلى" بحذر، وألقت نظرة في البئر. كان عميقاً ومظلماً، ولم تستطع رؤية قاعه. كان صوت تسرب الماء يأتي من داخله.
"هل هذا هو البئر؟" سألت "أمينة" وهي تقترب.
"نعم، أعتقد ذلك." أجابت "ليلى".
"لكن لا يبدو أن هناك شيئاً مهماً هنا." قالت "أمينة".
"ربما ليس هنا بالضبط، بل في شيء متعلق به." قالت "ليلى" وهي تفحص حافة البئر. لاحظت أن هناك بعض العلامات المحفورة على الأحجار المحيطة بالبئر. كانت مشابهة للرسم الذي وجدته في الغرفة.
"جدتي! انظري إلى هذه العلامات!"
اقتربت "أمينة" ورأت العلامات. "هذه هي نفس العلامات الموجودة على الورقة!"
بدأت "ليلى" تتفحص الأحجار بعناية. كان هناك حجر يبدو مختلفاً قليلاً عن البقية. كان أملس، وكأن أحداً قد قام بصقله. حاولت دفعه، لكنه لم يتحرك.
"يبدو أن هناك شيئاً هنا. حجر متحرك." قالت "ليلى" وهي تحاول إيجاد طريقة لفتحه.
لمحة من الضوء الخافت انبعثت من حافة البئر. نظرت "ليلى" نحوها، فوجدت أن الحجر الذي كان مختلفاً، قد تحرك قليلاً، وكاشفاً عن فتحة صغيرة.
"جدتي، هناك شيء!"
فتحت "ليلى" الفتحة بحذر. كانت هناك صندوق خشبي صغير، مدفون جزئياً في الأرض. أمسكت به وسحبته للخارج. كان الصندوق مغطى بالغبار والأوساخ، ولكنه بدا سليماً.
شعرت "ليلى" بقلبها يخفق بقوة. هل هذا هو الشيء الذي كان والدها يخفيه؟ هل سيساعدها هذا الصندوق في كشف لغز اختفائه؟