ظل تحت السماء الصافية

الفصل 18 — وهم السراب في واحة المريم

بقلم رنا الطاهر

الفصل 18 — وهم السراب في واحة المريم

كانت واحة المريم تبدو وكأنها وعدٌ في قلب الصحراء القاسية. بعد يومين من السير، مسترشدين باليوميات القديمة ونقوش الحجر، وصل "ليلى" و"أحمد" أخيراً إلى المنطقة التي وصفها والد "ليلى" بأنها "واحة المريم". لم تكن واحةً بالمعنى المعتاد، لا أشجار نخيلٍ خضراء ولا مياه متدفقة، بل كانت عبارة عن مجموعةٍ من الصخور الكبيرة المتناثرة، وبقعةٍ صغيرةٍ من النباتات الصحراوية المتفرقة، وكأنها بقايا واحةٍ قديمةٍ جفت منذ زمنٍ بعيد.

"هل هذه هي واحة المريم؟" سألت "ليلى" وعلامات خيبة الأمل بدأت ترتسم على وجهها. "لم أكن أتوقعها هكذا."

"الصحراء غالباً ما تخفي الجمال الحقيقي تحت ستارٍ من القسوة،" قال "أحمد" وهو ينظر حوله. "لا تدعي المظهر الخارجي يخدعك. والدك قال إنها واحة المريم، وهذا يعني أن لها أهمية."

بدآ في استكشاف المنطقة. كانت الصخور كبيرةً وغريبة الأشكال، بعضها يحمل آثار حفرٍ قديمٍ بدا وكأنه من صنع الطبيعة، وبعضها الآخر بدا وكأنه منحوتٌ بعناية.

"أتذكر أن والدي ذكر شيئاً عن 'سراب' في واحة المريم،" قالت "ليلى" وهي تتذكر. "قال إن الحقيقة قد لا تكون ظاهرةً للعين المجردة، وأنها قد تتطلب بصيرةً أعمق."

بدأت "ليلى" في تفحص الصخور، خاصةً تلك التي تحمل آثار نحتٍ أو حفر. كانت تبحث عن أي علامةٍ تدل على مدخلٍ سري، أو رمزٍ مفقود.

"انظري إلى هنا يا أحمد!" نادت "ليلى" فجأة.

اقترب "أحمد" بسرعة. كانت "ليلى" تقف أمام صخرةٍ كبيرةٍ تبدو عاديةً للوهلة الأولى، ولكن عند فحصها عن كثب، بدت وكأن هناك شكلاً معيناً في سطحها، يشبه بشكلٍ خفيٍ حرف "الميم" الكبير.

"هذا هو حرف 'الميم' الذي وجدناه على الحجر! إنه هنا!" قالت "ليلى" بحماس. "ولكن أين المدخل؟"

بدآ في تحسس الصخرة، وضغطا عليها من أماكن مختلفة، لكن شيئاً لم يحدث. بدا وكأن الحرف مجرد نقشٍ عادي، لا يدل على أي شيءٍ سري.

"ربما لا يتعلق الأمر بالضغط على الصخرة،" قال "أحمد" وهو يتفكر. "ربما يتعلق الأمر بالبصيرة التي تحدثت عنها. هل لدينا شيءٌ آخر قد يساعدنا؟"

تذكرت "ليلى" الحجر الصغير الذي وجدته في الصندوق الخشبي. أخرجته من جيبها، وبدأت تتأمله. كان الحجر غريباً، ملمسه ناعمٌ ولكنه صلب، ولونه داكنٌ جداً.

"هذا الحجر..." قالت "ليلى" وهي تفكر. "ربما يكون له علاقة بالحرف 'الميم' على الصخرة. ربما يجب وضعه في مكانٍ ما."

بدأت "ليلى" تبحث حول الصخرة التي تحمل حرف "الميم" عن أي فجوةٍ أو تجويفٍ قد يناسب حجم الحجر. بعد دقائق من البحث، وجدت تجويفاً صغيراً، مخفياً تقريباً خلف شجيرةٍ صحراوية.

"وجدته!" قالت "ليلى" وهي تشير إلى التجويف.

وضعت "ليلى" الحجر الصغير في التجويف. في البداية، لم يحدث شيء. ثم، وبشكلٍ غريب، بدأت الصخرة التي تحمل حرف "الميم" تصدر همهمةً خفيفة، وبدأت الخطوط المحيطة بالحرف تتوهج بلونٍ أزرقٍ باهت.

"يا إلهي! انظري!" صاح "أحمد" بدهشة.

بدأ التجويف الذي وضعت فيه "ليلى" الحجر يتسع، وأصبحت الصخرة نفسها تنزلق ببطءٍ إلى الداخل، كاشفةً عن ممرٍ مظلمٍ يؤدي إلى أسفل.

"إنها 'دار الحكمة المفقودة'!" قالت "ليلى" بصوتٍ مرتجفٍ من الإثارة. "لقد وجدناها أخيراً!"

شعر "أحمد" بالارتياح والفخر. "لقد كنتِ على حقٍ دائماً يا ليلى. والدك ترك لكِ الأدلة، وكان يعرف أنكِ ستتمكنين من فك رموزها."

أخرج "أحمد" المصباح القوي، ووجهه نحو الممر. كان يبدو ضيقاً ولكنه مستقيم.

"هل أنتِ مستعدة؟" سأل "أحمد" وهو ينظر إلى "ليلى".

نظرت "ليلى" إلى الممر المظلم، ثم إلى السماء الصافية فوقها. "أنا مستعدة. لقد قطعت شوطاً طويلاً لأصل إلى هنا، ولا يمكنني التراجع الآن."

دخلا الممر. كان الممر منحوتاً بعنايةٍ في باطن الأرض، وجدرانه صخريةٌ ناعمة. كان الهواء فيه أبرد، ورائحته مختلفة، رائحةُ كنوزٍ قديمةٍ ورقية.

وبينما كانا يسيران، بدأ الممر يتسع تدريجياً. لم يكن مجرد كهفٍ بسيط، بل بدا وكأنه جزءٌ من بناءٍ قديمٍ معقد. كانت هناك نقوشٌ على الجدران، مشابهةٌ لتلك التي وجدوها في الوادي، ولكنها كانت أكثر وضوحاً وحيوية.

"هذه النقوش..." قالت "ليلى" وهي تتفحصها. "إنها تصف تاريخ 'دار الحكمة'. وكيف كانت مركزاً للعلم والمعرفة منذ قرون."

"إنها أكثر من مجرد مكتبة،" قال "أحمد" بانبهار. "إنها معبدٌ للمعرفة."

واصلوا السير، حتى وصلوا إلى قاعةٍ واسعةٍ جداً، تتوسطها أعمدةٌ ضخمةٌ تنتهي بسقفٍ مرتفعٍ يبدو وكأنه منحوتٌ في الصخر. كانت القاعة مضاءةً بضوءٍ خافتٍ غريب، يبدو وكأنه ينبعث من بعض البلورات المتلألئة المثبتة في السقف.

"هذه هي 'دار الحكمة المفقودة'!" قالت "ليلى" بصوتٍ مليءٍ بالرهبة.

كانت القاعة مليئةً بالرفوف الخشبية القديمة، التي كانت مليئةً باللفائف والكتب والمخطوطات. كانت هناك طاولاتٌ للكتابة، وأدواتٌ قديمةٌ للكتابة والرسم. كان المكان أشبه بحلمٍ لكل باحثٍ عن المعرفة.

"ولكن أين والدي؟" سألت "ليلى" فجأة، وقد عاد القلق ليخيم على وجهها. "لقد وجدنا المكان، ولكن لم نجده هو."

بدأ "أحمد" يتفحص المكان بعناية. "ربما يكون في مكانٍ ما هنا. ربما كان يعمل على شيءٍ ما."

بينما كان "أحمد" يتفحص أحد الرفوف، لاحظ شيئاً مخبأً خلف مجموعةٍ من اللفائف. كان مظروفاً كبيراً، مختوماً بختمٍ يبدو قديماً.

"ليلى، انظري إلى هذا!" نادى "أحمد".

أخذت "ليلى" المظروف. كان عليه اسمها مكتوباً بخط والدها. "إلى ابنتي الحبيبة ليلى".

فتحت "ليلى" المظروف بيدين مرتعشتين. كانت بداخله رسالةٌ طويلة، يبدو أنها مكتوبةٌ في لحظاتٍ أخيرة.

"ابنتي العزيزة ليلى،" بدأت "ليلى" تقرأ بصوتٍ متقطع. "إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنكِ تمكنتِ من فك رموزي ووصلتِ إلى 'دار الحكمة'. أنا فخورٌ بكِ جداً. لقد حاولتُ جاهداً حماية هذا المكان، لأن المعرفة التي يحتويها ثمينةٌ جداً، وقد تكون خطيرةً في الأيدي الخاطئة."

توقفت "ليلى" للحظة، تلتقط أنفاسها. "ولكن يا والدي، أين أنت؟"

واصلت القراءة: "لقد اكتشفتُ أن هناك خطراً حقيقياً يهدد 'دار الحكمة'. لم أستطع مواجهته بمفردي، ولذلك قررتُ أن أختبئ وأضع خطةً لإنقاذ المكان. لقد تركتُ لكِ كل الأدلة التي تحتاجينها، ولكنني لم أستطع أن أخبركِ بكل شيءٍ خوفاً على سلامتكِ."

"كنتُ أخشى أن يتم استغلال هذه المعرفة، أو تدميرها. ولذلك، قررتُ أن أفعل شيئاً أخيراً لحمايتها. لقد قمتُ بتفعيل آليةٍ قديمةٍ داخل 'دار الحكمة'، آليةٌ ستحميها من أي دخيل، ولكنها ستجعلها غير مرئيةٍ للعالم الخارجي لفترةٍ طويلة. لقد اخترتُ أن أكون جزءاً من هذه الحماية."

"أنا لا أعرف متى ستعود 'دار الحكمة' إلى الظهور، أو متى سأتمكن من العودة. ولكنني أعرف أنكِ ستكونين حارستها الجديدة. اعتني بها يا ابنتي، واستخدمي المعرفة التي فيها بحكمة. تذكري دائماً حبنا لكِ."

"ابنكِ المحب، والدك."

سقطت الدموع من عيني "ليلى". لقد فهمت الآن. والدها لم يختفِ، بل اختار أن يكون جزءاً من آلية حماية "دار الحكمة". لقد ضحى بنفسه، أو ربما اختار أن يعيش في عزلةٍ لحماية هذا الإرث.

"لقد أصبح هو جزءاً من 'دار الحكمة'،" همست "ليلى" وهي تحتضن الرسالة. "لقد أصبح هو الحارس."

شعر "أحمد" بالحزن والإعجاب. "لقد كان رجلاً عظيماً يا ليلى. لقد اختار طريقاً صعباً، ولكنه طريقٌ نبيل."

نظرت "ليلى" حولها في القاعة الواسعة. كانت ترى الآن المعرفة كلها، ولكنها كانت ترى أيضاً عبء المسؤولية الذي سيقع على عاتقها.

"يجب أن أكون عند حسن ظنه،" قالت "ليلى" بتصميم. "يجب أن أحمي 'دار الحكمة' كما فعل هو."

كانت الرحلة قد انتهت، وبدأت رحلةٌ أخرى. رحلةٌ لحماية إرثٍ قديم، ورحلةٌ لفهم معنى التضحية والحب الأبوي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%