ظل تحت السماء الصافية

الفصل 3 — لقاء على ضفاف النهر

بقلم رنا الطاهر

الفصل 3 — لقاء على ضفاف النهر

مرت أيامٌ أخرى، تحمل معها هدوءاً ظاهرياً، ولكن داخل سارة، كانت الأمور لا تهدأ. ظلت صورة جدتها الشابة مع الرجل الغامض "أمل" عالقة في ذهنها. الرسائل، والصورة، والقلادة، كلها كانت تصرخ بأسرارٍ دفينة. لم تستطع أن تتقبل كلام والدتها بأن "بعض الألغاز لا يجب أن تُحل". بالنسبة لسارة، كان البحث عن الحقيقة واجباً، ديناً يجب أن تؤديه.

قررت سارة أن تبدأ رحلة البحث بنفسها، بعيداً عن أسئلة والدتها القلقة. كانت تعلم أن بلدة الياسمين، رغم هدوئها، تخفي في طياتها حكايات لم تُروَ. اختارت أن تبدأ من المكان الذي كانت تحب قضاء وقتها فيه كثيراً، وهو ضفاف نهر "الهدى"، الذي يمر بوسط البلدة، وتروي الأشجار الظليلة على جانبيه حكايات قديمة.

في صباح يومٍ مشمس، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل بين أغصان الأشجار، جلست سارة على صخرة كبيرة مطلة على النهر. حملت معها دفتر ملاحظات وقلم. كانت تريد أن تدون كل ما يخطر ببالها، كل ذكرى، كل شعور.

تنفست بعمق، وارتشفَت من هواء النقاء. كان صوت جريان الماء أشبه بترنيمة هادئة، تريح النفس. فجأة، سمعت صوتاً قادماً من خلفها.

"هل أنتِ دائمًا تجلسين هنا؟"

التفتت سارة، لتجد شاباً يقف خلفها. كان شاباً في أوائل العشرينيات، ذو ملامح حادة، وعينين سوداوين عميقتين، تحملان بريقاً ذكياً. كان يرتدي ملابس بسيطة، ولكنه بدا واثقاً من نفسه.

"أحياناً." أجابت سارة، وهي تشعر بشيءٍ من الحذر. لم تكن معتادة على التحدث مع غرباء.

ابتسم الشاب ابتسامة لطيفة. "اسمي يوسف. أنا قادم من المدينة، وأنا هنا لبعض الوقت. سمعت عن هذه البلدة الهادئة، وأردت أن أرى بنفسي."

"أنا سارة." قدمت نفسها، وهي تحاول أن تبدو طبيعية. "مرحباً بك في الياسمين."

"شكراً لكِ. هذه البلدة جميلة حقاً. والنهر هنا له سحر خاص." قال يوسف، وهو يجلس بجوارها على الصخرة، ولكن بمسافة معقولة. "هل تسكنين هنا منذ زمن طويل؟"

"نعم، منذ ولادتي." أجابت سارة. "هذه البلدة هي كل عالمي."

"هل تعرفين الكثير عن تاريخها؟" سأل يوسف، وقد بدا عليه الاهتمام. "أنا مهتم دائماً بالحكايات القديمة، بالأسرار التي تحملها الأماكن."

شعر سارة بشيءٍ من الانجذاب لاهتمام يوسف. ربما كان شخصاً يمكنها التحدث إليه، شخصاً يفهم فضولها.

"بعض الشيء." أجابت سارة. "ولكن هناك أسرار ربما لا يعرفها الكثيرون."

"مثل ماذا؟" سأل يوسف، وقد ارتسمت على وجهه علامات الفضول. "أنا أحب الألغاز."

ترددت سارة قليلاً. هل يجب أن تخبره؟ هل تثق به؟ ولكن نظرة الصدق في عينيه، وشغفه بالحكايات، دفعها للتحدث.

"كنت أبحث في أغراض جدتي المتوفاة حديثاً، ووجدت رسائل وصوراً قديمة. تتحدث عن رجلٍ أحبته، اسمه كامل، أو أمل. ولكنه اختفى، وترك وراءه وعداً بالعودة."

استمع يوسف باهتمام، وهو ينظر إلى النهر. "هذا مثير للاهتمام. هل تعرفين ماذا حدث له؟"

"لا. والدتي لا تريد الحديث عن الأمر. تقول إنه من الأفضل ترك الماضي في ماضيه." قالت سارة، وهي تشعر بالإحباط.

"ولكن ألا تشعرين بأن هناك شيئاً مفقوداً؟ ألا تشعرين بأنكِ تحتاجين لمعرفة الحقيقة؟" سأل يوسف، وقد عيناه لمعت بذكاء.

"بالضبط!" قالت سارة، وقد شعرت ببعض الارتياح لأنها وجدت شخصاً يفهمها. "ولدي هذه القلادة." رفعت القلادة التي كانت لا تزال في جيبها. "كانت هذه القلادة جزءاً من القصة. تحمل حرف 'أ'."

نظر يوسف إلى القلادة باهتمام. "حرف 'أ'... هل يمكن أن يكون اسم 'أمل'؟"

"نعم، هذا ما أعتقده." قالت سارة. "ولكن لم تذكر جدتي أي شيءٍ آخر. ولم أجد في الرسائل أي إشارة إلى شخصٍ آخر اسمه 'أ' أو ما شابه."

"ربما لم يكن حرف 'أ' مرتبطاً باسمه بالضرورة." قال يوسف، وهو يفكر. "ربما كان رمزاً لشيءٍ آخر. ربما كان لقباً، أو مكاناً، أو حتى شيئاً خاصاً بهما."

"ماذا تقصد؟" سألت سارة.

"فقط أفكار. نحن البشر نميل إلى ترك بصمات لنا. وراء كل غياب، هناك قصة. وراء كل لغز، هناك مفتاح." قال يوسف، وهو يتأمل جريان النهر. "ربما كان 'أمل' رجلاً يعيش حياة مزدوجة. ربما كان لديه سبب قوي للاختفاء، سبب يجعله يترك كل شيء وراءه."

"ولكن لماذا يترك جدتي؟ ولماذا لم يعد؟" سألت سارة، وشعرت بأن الحزن يعود إليها.

"ربما لم يستطع. ربما حدث له شيء. أو ربما... ربما كان هناك طرف ثالث في القصة." قال يوسف، وقد عيناه تلمعان بالفضول.

"طرف ثالث؟"

"نعم. في بعض الأحيان، تكون هناك أشياء نراها، وأشياء لا نراها. في بعض الأحيان، تكون هناك قوى خفية تحرك الأحداث." قال يوسف، وقد بدت عليه علامات التفكير العميق. "هل سألتِ والدتكِ عن والدها؟"

"لقد سألتها، ولكنها قالت إنها لا تتذكر الكثير، لأنه توفي عندما كانت صغيرة جداً." قالت سارة. "هل تعتقد أن 'أمل' قد يكون والدي؟"

"لا أعرف. ولكن إذا كان هو والدها، فهل هذا يعني أنه لم يكن يعرف بوجودها؟ أو ربما كان يعرف، ولكنه لم يستطع أن يكون جزءاً من حياتها؟" قال يوسف، وهو يعكس أفكار سارة. "هذه الأمور معقدة. الحب، والواجب، والظروف. كلها تتشابك."

"ولكن هذه القلادة..." قالت سارة، وهي تنظر إلى القلادة. "أشعر بأنها تحمل سرّاً. سرّاً يتعلق بي أيضاً."

"ربما." قال يوسف. "ولكن ربما أنتِ أيضاً تحملين مفتاحاً لهذا السر. تفكيركِ، ومشاعركِ، وذكرياتكِ، كلها قد تكون جزءاً من الحل."

"كيف؟"

"ببساطة. عندما تنظرين إلى هذه القلادة، ماذا تشعرين؟" سأل يوسف. "ما هي أول صورة تخطر ببالك؟"

أغلقت سارة عينيها، وركزت. تذكرت شعور الأمان، وابتسامة دافئة، ويدا حنونة تمسك بيدها. "أشعر بالأمان. أشعر بأنني كنت طفلة صغيرة، وأنني كنت محبوبة."

"هذا مهم." قال يوسف. "هذا يعني أن هذا الشخص، مهما كان، كان يحمل لكِ مشاعر طيبة. وأن هذا الارتباط لم يكن مجرد لقاء عابر."

"ولكن لماذا اختفى؟" سألت سارة، والأسئلة تنهال عليها.

"هذا هو السؤال الذي يجب أن نبحث عن إجابته." قال يوسف، وقد بدا عليه الحماس. "ربما كان هناك سبب قوي. ربما كان هناك خطر. ربما كان يحميكِ."

"يحميني؟"

"نعم. أحياناً، يبتعد الأحباء ليحموا من يحبون. قد يكون هذا قاسياً، ولكنه قد يكون ضرورة." قال يوسف.

شعرت سارة بأن كلام يوسف يفتح لها آفاقاً جديدة. لم تفكر في هذا الاحتمال من قبل. نظرت إلى يوسف، وشعرت بامتنان كبير. كانت قد خرجت للبحث عن إجابات، ووجدت شخصاً مستعداً لمساعدتها في رحلتها.

"هل أنت مستعد لمساعدتي؟" سألت سارة، وعيناها تلمعان بالأمل.

ابتسم يوسف ابتسامة واسعة. "بالتأكيد. الألغاز هي لعبتي المفضلة. خاصة عندما تتعلق بقصص حب قديمة، وغموضٍ يكتنف الماضي."

وقفا معاً، ينظران إلى النهر. بدا لهما أن الماء يحمل همساتٍ من الماضي، وأن الأشجار تروي حكاياتٍ تنتظر من يستمع إليها. شعرت سارة بأنها ليست وحدها في هذه الرحلة بعد الآن. وأن ظل "أ" قد بدأ يتكشف، تحت سماءٍ صافية، ولكنها تحمل في طياتها غيوم أسرارٍ قديمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%