ظل تحت السماء الصافية
الفصل 4 — خيوط متقطعة في أرشيف البلدة
بقلم رنا الطاهر
الفصل 4 — خيوط متقطعة في أرشيف البلدة
بعد لقائهما على ضفاف النهر، قرر يوسف وسارة أن يتعاونا في البحث عن الحقيقة. كان يوسف، بشغفه بالقصص التاريخية ومهاراته في البحث، يشكل إضافة قيمة لرحلة سارة. كانا يلتقيان بانتظام، يتبادلان الأفكار، ويضعان خططاً للبحث.
"أعتقد أن أفضل مكان لنبدأ منه هو أرشيف البلدة القديم." قال يوسف في أحد لقاءاتهما. "ربما نجد هناك أي شيءٍ يتعلق بـ 'أمل' أو بجدتكِ في تلك الفترة."
وافقت سارة على الفور. كان أرشيف البلدة عبارة عن غرفة صغيرة في مبنى البلدية القديم، تحتوي على وثائق قديمة، سجلات، وصورٍ تعود لعقود مضت. كانت غالباً ما تكون مهملة، ونادراً ما يرتادها أحد.
في صباح يومٍ آخر، ذهب سارة ويوسف إلى مبنى البلدية. كان المبنى يحمل عبق التاريخ، جدرانه تحمل آثار زمنٍ طويل. استقبلهم الموظف المسؤول عن الأرشيف، رجلٌ كبير السن، يبدو أنه قضى معظم حياته بين هذه الوثائق.
"نحن نبحث عن أي شيءٍ يتعلق بسجلات البلدة القديمة، وبالتحديد حول الأشخاص الذين كانوا يعيشون هنا منذ حوالي 20-25 سنة." قال يوسف، وهو يلقي نظرة على سارة.
نظر الرجل العجوز إليهما بعينين متعبتين. "الأرشيف كبير، والأوراق كثيرة. ماذا تبحثون تحديداً؟"
"شخصٌ يدعى كامل، وكان يُعرف أيضاً باسم أمل." قالت سارة، بلهجةٍ فيها بعض الأمل. "وكان قد أحب سيدة من البلدة، اسمها زينب."
توقف الرجل العجوز عن التصفح، وقد بدا عليه شيءٌ من التفكير. "كامل... أمل... زينب... نعم، أتذكر هذه الأسماء. كانت قصة معروفة في تلك الأيام. قصة حبٍ جميلة، انتهت بحزن."
شعر كل من سارة ويوسف بقلبيهما ينبضان بقوة. كانت هذه هي الإشارة الأولى التي يحصلان عليها من مصدرٍ خارجي.
"هل تتذكر أي تفاصيل؟" سأل يوسف، بلهفة.
"كان كاملاً شاباً وسيمًا، قدم إلى البلدة فجأة، وعمل في بناء أحد المشاريع الكبيرة. ثم تعرّف على زينب، ابنة العائلة الطيبة. كانا يحبان بعضهما كثيراً. ولكن لم يدم هذا الحب طويلاً." قال الرجل العجوز، وهو يتنهد.
"ماذا حدث؟" سألت سارة، وكأنها تكاد تختنق.
"قيل إن كامل اضطر للسفر فجأة. البعض قال إنه سافر بحثاً عن عمل، والبعض الآخر قال إن هناك مشاكل حالت دون بقائه. لم يعد أحدٌ يسمع عنه بعد ذلك." قال الرجل العجوز. "وكانت زينب حزينة جداً. لم تتزوج بعد ذلك، وعاشت حياتها في ذكرى هذا الحب."
"وهل أنت متأكد أن والدي لم يكن 'أمل'؟" سألت سارة، وهي تنظر إلى والدتها في الصورة التي تحملها.
"آه... والدكِ." قال الرجل العجوز، وقد بدت عليه علامات الانتباه. "أتذكر والدكِ. كان رجلاً هادئاً، طيب القلب. كان يعمل في البلدية أيضاً. لكنه توفي عندما كانت ابنتكِ لا تزال صغيرة."
"وهل تعرف كيف تزوج أمي؟" سألت سارة، تشعر بأنها تتوغل في متاهة.
"والدتكِ... فاطمة... لقد تزوجت بعد وفاة زوجها. كانت امرأة قوية، وتعهدت بتربية ابنتها. أما زينب، فقد ظلت وحيدة مع حزنها." قال الرجل العجوز.
شعر يوسف بأن هناك شيئاً غير مكتمل. "هل كان هناك أي شيءٍ يتعلق بـ 'أمل' أو 'كامل' في سجلات البلدة؟ ربما عقود عمل، أو سجلات إقامة؟"
"ربما." قال الرجل العجوز. "الأرشيف يحتوي على كل شيء. ولكنه يحتاج إلى وقتٍ طويل للتصفح."
أمضى سارة ويوسف ساعاتٍ طويلة في تصفح الوثائق. كانوا يقلبون صفحاتٍ صفراء، ويبحثون في أسماءٍ قديمة. وجدوا سجلاتٍ تتعلق بالمشاريع التي أُقيمت في البلدة في تلك الفترة، ووجدوا أسماء بعض العمال، ولكن اسم "كامل" أو "أمل" لم يظهر بوضوح.
"هذا غريب." قال يوسف، وهو يمسح عرقه. "إذا كان قد عمل هنا، فيجب أن يكون هناك سجلٌ له."
"ربما كان يعمل بشكلٍ غير رسمي؟" اقترحت سارة.
"ربما." قال يوسف. "ولكن ماذا عن سجلات الإقامة؟ أين كان يعيش؟"
بدأوا يبحثون في سجلات السكان، ولكن لم يجدوا أي شخصٍ يحمل اسم "كامل" أو "أمل" في تلك الفترة، باستثناء بعض الأسماء المشابهة التي لم تتناسب مع الوصف.
"هل يمكن أن يكون قد استخدم اسماً مستعاراً؟" سألت سارة.
"من الممكن. ولكن لماذا؟" قال يوسف. "ربما كان لديه سببٌ قوي للاختباء."
وبينما كانوا يبحثون، وقعت عين سارة على صورةٍ قديمة، كانت معلقة على أحد الجدران. كانت صورة لافتتاح مشروعٍ جديد في البلدة، قبل حوالي 25 عاماً. كان هناك حشدٌ من الناس، بينهم مسؤولون محليون، وبعض العمال. التقطت سارة الصورة، وبدأت تتفحص الوجوه.
"يوسف، انظر!" قالت سارة، مشيرةً إلى رجلٍ يقف في الصف الخلفي. كان الرجل يرتدي قبعة، ويبدو أنه يتحدث إلى شخصٍ ما. لم تكن ملامحه واضحة تماماً، ولكن كانت هناك شبهٌ كبير مع الرجل الذي في صورة جدتها.
"هل هذا هو؟" سأل يوسف، وقد بدت عليه علامات الاهتمام.
"لا أعرف، ولكن هناك شبهٌ كبير." قالت سارة. "ولكن لماذا كان يقف في الصف الخلفي؟ ولماذا لا يظهر اسمه في أي سجل؟"
"ربما لم يكن يريد أن يظهر." قال يوسف. "ربما كان لديه سببٌ ليختفي."
بدأوا يبحثون في قائمة أسماء الأشخاص الذين حضروا حفل الافتتاح، ولكن لم يجدوا أي اسمٍ يتناسب مع "كامل" أو "أمل".
"هذا محبط." قالت سارة، وهي تشعر بالإحباط. "يبدو أننا لسنا أقرب إلى الحقيقة مما كنا عليه."
"لا تيأسي." قال يوسف. "الأرشيف يحمل الكثير من المعلومات، ولكنها ليست دائماً سهلة الوصول. ربما يجب أن نبحث عن شيءٍ آخر. شيءٌ يتعلق بوالدتكِ."
"والدتي؟"
"نعم. أنتِ تقولين إن والدها توفي عندما كانت صغيرة. ولكن هل هناك أي سجلاتٍ تتعلق به؟ ربما سجل زواج، أو شهادة وفاة؟" سأل يوسف.
"لا أعرف. والدتي لا تتحدث عن هذا الأمر أبداً." قالت سارة. "ولكن ربما يمكنني أن أسأل جدتي قبل وفاتها. هل سألتها عن والدي؟"
"لا، لم أسألها." قالت سارة، وقد شعرت ببعض الندم.
"ربما هذا هو المفتاح." قال يوسف. "ربما يجب أن نبدأ من حيث بدأت والدتكِ. من والدها."
قررت سارة أن تعود إلى المنزل، وتبحث في أوراق والدتها القديمة. ربما تجد هناك شيئاً يتعلق بجدها. في طريق عودتها، كانت تفكر في الرجل الذي في الصورة، وفي الشبه الكبير بينه وبين الرجل الذي في صورة جدتها. هل كان حقاً "أمل"؟ وهل كان هو والد والدتها؟
كانت خيوط القصة متقطعة، ولكنها بدأت تتجمع ببطء. كانت تشعر بأنها تقترب من شيءٍ كبير، شيءٌ سيغير حياتها، وحياة عائلتها.