أسرار البيت القديم
الفصل 12 — وجه في الظل
بقلم نور الدين
الفصل 12 — وجه في الظل
في صباح اليوم التالي، وقبل أن ترتفع الشمس تمامًا، كان أحمد وفاطمة وليلى في طريقهم إلى منزل الشيخ خالد. كان منزل الشيخ، كبيت جد ليلى، من البيوت القديمة التي تحمل عبق التاريخ. كان محاطًا بحديقة صغيرة، تفوح منها رائحة الياسمين والورد. استقبلهم الشيخ خالد بابتسامة دافئة، كان وجهه يشع بالحكمة والسكينة.
"أهلاً وسهلاً بكم يا أحبائي. تفضلوا، تفضلوا." قال الشيخ خالد، وهو يفتح لهم باب منزله. "ما الذي أتى بكم في هذا الوقت المبكر؟" جلسوا في غرفة المعيشة، التي كانت تزينها المفروشات التقليدية والكتب القديمة. قدمت فاطمة للشيخ الخريطة والدفتر.
"لقد وجدنا هذه الأشياء في غرفة والد المرحوم. ونحن نحاول فهمها." قالت فاطمة، وعيناها تتطلعان إلى الشيخ. أخذ الشيخ خالد الخريطة والدفتر، وبدأ يتفحصهما بتمعن. كانت عيناه تتجولان عبر الخطوط والكلمات، كأنما يقرأ كتابًا يعرفه جيدًا. مر الوقت بصمت، لم يقطعه سوى صوت تصفح الأوراق.
"سبحان الله!" تمتم الشيخ خالد في النهاية، ورفع نظره نحوهم. "هذه الكتابة... إنها ليست عربية فصحى قديمة، وليست لغة محلية." "إذن هي لغة أجنبية؟" سأل أحمد بدهشة. "ليست تمامًا. إنها مزيج من رموز وكلمات قديمة، ربما استخدمها أجدادنا في زمن كان فيه التواصل محدودًا، أو لحماية أسرارهم." قال الشيخ خالد، وهو يشير إلى بعض الرموز. "وهذه الخريطة، تبدو وكأنها تشير إلى مكان في أطراف البلدة، بالقرب من الوادي القديم. مكان لم يعد يزوره أحد."
"الوادي القديم؟" تكررت ليلى الكلمة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كانت تتذكر قصص جدها عن هذا الوادي، وكيف كان مكانًا غامضًا، يتحدث الناس عن أنه مسكون. "نعم، الوادي القديم. هناك يقال إن هناك كهوفًا قديمة، وربما أنفاقًا تحت الأرض." أوضح الشيخ خالد. "وربما تكون هذه 'الأمانة الغالية' مخبأة هناك."
"ولكن لماذا يا شيخ؟ لماذا قام جدي بإخفاء شيء في مكان كهذا؟" سألت ليلى، وعيناها مليئة بالأسئلة. "هذا هو السؤال الأهم يا ابنتي. ربما كان يحمي شيئًا ذا قيمة كبيرة، ليس بالضرورة قيمة مادية. ربما كانت أمانة ثقافية، أو دينية، أو حتى عائلية." قال الشيخ خالد، وهو ينظر إلى عيني ليلى. "والدك، السيد أحمد، هل كان جدك يتحدث عن أي أسرار عائلية؟"
هز أحمد رأسه بالنفي. "لم يكن يتحدث عن أسرار بهذا الوضوح. كان مجرد رجل عادي، يحب عائلته. ولكن كان لديه دائمًا شغف بالتاريخ، وكان يؤمن بضرورة الحفاظ على التراث."
"ربما هذه هي الأمانة التي كان يتحدث عنها. شيء من تراثنا." قال الشيخ خالد. "هذه الخريطة، والرموز، تشير إلى أن جدك كان لديه خطة. خطة لإخفاء هذا الشيء، وربما تركه لمن يثق بهم." "ومن يمكن أن يكون هذا الشخص؟" سألت ليلى، وهي تفكر في جدها. "أنتِ يا ابنتي." قال الشيخ خالد بثقة. "جدكِ كان يحبك كثيرًا، وكان يرى فيكِ الذكاء والشجاعة. أعتقد أنه ترك هذه الأدلة لكِ."
كلمات الشيخ خالد أثلجت صدر ليلى. شعرت بأنها قريبة أكثر من جدها. ولكن في نفس الوقت، زاد الشعور بالمسؤولية. إذا كانت هي المسؤولة عن هذا الأمر، فعليها أن تفعل كل ما في وسعها لحماية هذه الأمانة.
"ولكن هناك أمر آخر يثير القلق." قال أحمد، وهو ينظر إلى الشيخ خالد. "لقد حاول شخص ما اقتحام منزلنا الأسبوع الماضي. يبدو أنهم يبحثون عن شيء ما." شحب وجه الشيخ خالد قليلاً. "لقد سمعت همسات عن غرباء يتجولون في البلدة، يسألون عن بعض المنازل القديمة. لا أعرف نواياهم، ولكن يجب أن نكون حذرين."
"هل يمكن أن يكونوا هم من يبحثون عن هذه الأمانة؟" سألت فاطمة بقلق. "من المحتمل جدًا." أجاب الشيخ خالد. "ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهم لا يعرفون أين يبحثون. الخريطة والدفتر هما المفتاح الوحيد."
"إذن، ماذا نفعل؟" سأل أحمد. "علينا أن نذهب إلى الوادي القديم." قال الشيخ خالد بحزم. "علينا أن نستكشف المنطقة، ونرى ما إذا كنا نستطيع العثور على أي شيء. ولكن علينا أن نكون مستعدين، وأن نتخذ احتياطاتنا."
شعر الجميع بالترقب. كانت الفكرة مثيرة ومخيفة في آن واحد. الذهاب إلى مكان مهجور، مليء بالأساطير، بحثًا عن كنز غامض، بينما هناك من يحاول سرقته.
"سأذهب معكم." قالت ليلى بصوت قوي. "لا يمكنني البقاء هنا وأنا أعرف أن هناك شيئًا مهمًا ينتظرنا." ابتسم الشيخ خالد. "أعلم أنكِ ستفعلين ذلك يا ليلى. أنتِ تحملين روح جدكِ."
في طريق العودة إلى المنزل، كان الصمت يخيم على السيارة. كل واحد منهم كان غارقًا في أفكاره. ليلى كانت تفكر في الوادي القديم، وفي الكهوف المظلمة، وفي الأمانة التي قد تغير كل شيء. أحمد وفاطمة كانا قلقين على ابنتهما، وعلى سلامة العائلة.
وبينما كانوا يقتربون من منزلهم، لمح أحمد شيئًا غريبًا. سيارة سوداء داكنة، متوقفة في نهاية الشارع، بالقرب من منزلهم. لم تكن سيارة معروفة في البلدة. شعر ببرودة مفاجئة تسري في عروقه.
"هل لاحظتم تلك السيارة؟" سأل أحمد، وهو يشير بإصبعه. نظرت فاطمة وليلى. "لم أرها من قبل." قالت فاطمة. "إنها غريبة." أضافت ليلى.
عندما وصلوا إلى المنزل، وجدوا أن السيارة السوداء قد اختفت. ولكن الشعور بعدم الارتياح ظل يلاحقهم. هل كان مجرد صدفة، أم أنها علامة على أن هناك من يراقبهم؟ هل كان هؤلاء الغرباء هم من يحاولون اقتحام المنزل؟
في تلك الليلة، كان النوم أثقل من المعتاد. ليلى لم تستطع أن تنسى وجه الشيخ خالد المليء بالحكمة، وكلماته عن كونها هي الوريثة لهذه الأمانة. ولكن ما أثار قلقها حقًا هو ظلال تلك السيارة السوداء. شعرت وكأن هناك عيونًا تراقبهم، تنتظر اللحظة المناسبة لتكشف عن وجهها. كان المنزل القديم يحمل أسرارًا، ولكن يبدو أن هذه الأسرار تجذب إليها أشخاصًا لا يقلون غموضًا.