أسرار البيت القديم
الفصل 19 — همس الحديقة
بقلم نور الدين
الفصل 19 — همس الحديقة
عادتْ ظلالُ المساءِ لتلفَّ البيتَ القديم، لكنَّ هذهِ الليلة، كانَ الظلامُ أقلَ وطأةً على أحمد. لقدْ أزالَ لقاؤهُ بالسيدِ فاروق، ذلكَ الرجلُ الذي كانَ محورَ قصةِ عائشة، جزءًا كبيرًا منْ ثقلِ الغموضِ الذي كانَ يكبله. فهمَ الآنَ عمقَ حزنِ جدتهِ الكبرى، وفهمَ لماذا اختارتْ أنْ تخفيَ أسرارها في صندوقٍ سريٍّ ودفترٍ مهترئ.
عادَ أحمدُ إلى الغرفةِ المنسية، حيثُ وجدَ كلَّ شيءٍ على حالهِ. الأوراقُ الباهتة، والدفترُ الجلدي، والعلبةُ المعدنيةُ المفتوحة. تأملَ الأشياءَ الصغيرةَ التي وجدها: الخرزةُ الزرقاء، والريشةُ البيضاء، والأعشابُ المجففة. ثمَّ أخذَ دفترَ عائشة، وقلبَ صفحاتهِ ببطء، باحثًا عنْ أيِّ إشارةٍ إلى "الشجرةِ والجبل" أوْ "الرمزِ المزدوج".
لمْ يجدْ وصفًا مباشرًا، لكنهُ وجدَ عباراتٍ متفرقةً تعكسُ حبها العميقَ للطبيعة، وشغفها بالرموزِ القديمة. كانتْ هناكَ إشاراتٌ إلى "توازنِ القوى"، و"اتصالِ الروحِ بالأرض"، و"نورِ السماءِ الذي يغذي الحياة".
"ربما كانتْ عائشةُ ترى في البيتِ القديمِ نقطةَ تلاقيٍ بينَ هذهِ القوى،" فكرَ أحمد. "نقطةٌ يمكنُ منْ خلالها استعادةُ الروحِ المفقودة."
في صباحِ اليومِ التالي، قررَ أحمدُ أنْ يبدأَ بحثهُ منْ حيثُ توقفَ. ذهبَ إلى حديقةِ الأعشاب، متذكرًا نصيحةَ السيدِ فاروق. توقفَ أمامَ الشجيرةِ الصغيرةِ التي نمتْ في وسطِ الحديقة، تلكَ التي تحملُ زهورًا زرقاءَ سماوية.
"هذهِ هيَ الشجيرةُ التي تحدثتْ عنها،" قالَ أحمدُ لنفسه. "لكنْ، ماذا عنْ الشجرةِ والجبل؟"
نظرَ حولهُ. كانتْ الحديقةُ محاطةً بأسوارٍ حجريةٍ قديمة. وفي الجهةِ المقابلةِ للبيت، كانَ هناكَ تلٌّ صغيرٌ مغطىً بالأشجارِ البرية. ربما كانَ هذا التلُّ هوَ "الجبل" الذي تقصدهُ عائشة.
"الأرضُ… السماء… الشجرةُ… الزهرةُ الزرقاء…" تلاشتِ الكلماتُ في ذهنه، كقطعِ أحجيةٍ تتناثرُ هنا وهناك.
قررَ أحمدُ أنْ يستكشفَ التلَّ الصغير. تسلقَ التلَّ بحذر، متجاوزًا الأعشابَ البريةَ والأشجارَ المتشابكة. عندما وصلَ إلى القمة، وجدَ منظرًا جميلًا. كانَ يرى البيتَ القديمَ بوضوحٍ منْ الأعلى، والحديقةَ تتسعُ أمامهُ كبساطٍ أخضر. وفي الأفق، كانَ يرى الجبالَ الحقيقيةَ التي تحيطُ بالمنطقة.
"إذًا، هذا هوَ الجبل،" قالَ أحمد. "وذاكَ هوَ البيتُ كرمزٍ للأرضِ الممتدة."
لكنْ، أينَ الشجرة؟ وأينَ الارتباطُ الحقيقي؟
بينما كانَ يتأملُ المنظر، لمحَ شيئًا غريبًا بينَ الأشجارِ على جانبِ التل. كانَ هناكَ صخرةٌ كبيرةٌ، تبدو وكأنها منحوتةٌ بشكلٍ طبيعي، لكنها كانتْ تحملُ شكلاً غريبًا. اقتربَ بحذر.
عندما وصلَ إلى الصخرة، أدركَ أنها ليستْ صخرةً طبيعية. كانتْ تحملُ نقوشًا قديمة، نقوشًا تشبهُ أشكالَ الأوراقِ والزهور. وفي وسطِ الصخرة، كانَ هناكَ تجويفٌ صغيرٌ.
"هلْ هذا هوَ الارتباط؟" تساءلَ أحمد.
نظرَ إلى الشجرةِ الصغيرةِ في الحديقة، ثمَّ نظرَ إلى التجويفِ في الصخرة. شعرَ بأنَّ هناكَ شيئًا ينقصه.
عادَ أحمدُ إلى البيت، وهوَ يشعرُ بالضياع. كانتْ الأمورُ لا تزالُ غامضةً جدًا. جلسَ في غرفةِ المعيشة، وأخرجَ الأشياءَ التي وجدها منْ العلبةِ المعدنية. نظرَ إلى الخرزةِ الزرقاء، ولمسَ بتلاتِ زهورِ الشجيرةِ التي جلبها معه.
"الخرزةُ الزرقاء… الزهرةُ الزرقاء…" تذكرَ شيئًا. "عائشةُ كانتْ تحبُّ الألوانَ الزرقاء. كانتْ تقولُ إنها لونُ الأملِ والهدوء."
وفجأة، لمعتْ في ذهنهِ فكرة. "ربما… ربما كانَ هناكَ شيءٌ في البيتِ نفسه. شيءٌ يجمعُ بينَ كلِّ هذهِ الرموز."
عادَ أحمدُ إلى الغرفةِ التي كانَ فيها الدفترُ والرسائل. كانَ قدْ بحثَ فيها مرارًا، لكنهُ شعرَ بأنَّ هناكَ شيئًا فاتهُ. جلسَ على الأرض، وبدأَ يتفحصُ الجدرانَ بعناية. كانتْ الجدرانُ قديمةً، ومغطاةً بالطبقاتِ المتعددةِ منْ الدهاناتِ القديمة.
بدأَ يقشرُ جزءًا صغيرًا منْ الدهانِ عندَ زاويةِ الغرفة. كشفَ عنْ طبقةٍ أخرى منْ الدهانِ بلونٍ مختلف. استمرَّ في التقشير، حتى وصلَ إلى الطبقةِ الأخيرة. كانتْ مفاجأة.
تحتَ طبقاتِ الدهانِ القديمة، كانتْ هناكَ نقوشٌ جداريةٌ جميلة. كانتْ تصورُ شجرةً كبيرةً، تمتدُ جذورها في الأرض، وتصلُ أغصانها إلى سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم. وبينَ أغصانِ الشجرة، كانتْ هناكَ طيورٌ بألوانٍ زاهية، ومنْ بينِ الأغصان، كانتْ تظهرُ شمسٌ مشرقة.
"هذا هوَ الرمزُ المزدوج!" صرخَ أحمدُ بسعادة. "الشجرةُ التي تربطُ بينَ الأرضِ والسماء!"
"لكنْ، أينَ الزهرةُ الزرقاء؟" سألَ نفسه.
عادَ ببصرهِ إلى النقوش. لاحظَ أنَّ هناكَ بقعةً صغيرةً فارغةً عندَ قاعدةِ الشجرة. بدتْ وكأنها تنتظرُ شيئًا.
"الخرزةُ الزرقاء… الزهرةُ الزرقاء…"
ركضَ أحمدُ إلى حيثُ كانتِ الأشياءُ الصغيرةُ مبعثرة. أمسكَ بالخرزةِ الزرقاء، وعادَ إلى الغرفة. وقفَ أمامَ النقشِ الجداري، ووضعَ الخرزةَ الزرقاءَ في البقعةِ الفارغةِ عندَ قاعدةِ الشجرة.
في تلكَ اللحظة، حدثَ شيءٌ مذهل. بدأَ النقشُ الجداريُّ يتوهجُ بضوءٍ خافت. ثمَّ سمعَ صوتَ احتكاكٍ ميكانيكيٍّ خفيف. بدأَ جزءٌ منْ الجدارِ يتحركُ ببطءٍ إلى الداخل، ليكشفَ عنْ فتحةٍ صغيرةٍ كانتْ مخبأةً خلفَ النقوش.
"لا يمكنُ أنْ يكونَ هذا صحيحًا!" قالَ أحمدُ بصوتٍ مذهول.
أضاءَ هاتفهُ، وأدخلَ يدهُ في الفتحة. شعرَ بوجودِ صندوقٍ خشبيٍّ صغير. سحبهُ بحذر. كانَ الصندوقُ مزينًا بنقوشٍ دقيقة، لكنَّ أهمَّ ما فيهِ كانَ وجودَ ريشةٍ بيضاءَ صغيرةٍ مغروسةٍ في غطائه.
"الريشةُ البيضاء…" همسَ أحمد.
وضعَ الصندوقَ الخشبيَّ على الأرض، بجوارِ الخرزةِ الزرقاء. كانتْ قلبهُ يخفقُ بشدة، وكانَ يشعرُ بأنهُ على وشكِ اكتشافِ السرِّ الأكبر.
"هلْ هذا هوَ الإرثُ الذي تركتهُ عائشة؟" تساءلَ. "هلْ هذا هوَ ما سيُعيدُ الروحَ إلى هذا البيت؟"