أسرار البيت القديم
الفصل 4 — ضيف غير متوقع
بقلم نور الدين
الفصل 4 — ضيف غير متوقع
بعد اكتشافها للغرفة السرية والكنوز التي وجدتها بداخلها، شعرت فاطمة بتغييرٍ ملحوظ في حياتها. لم تعد مجرد وريثةٍ لبيتٍ قديم، بل أصبحت حارسةً لأسرارٍ قديمة. كانت تقضي معظم وقتها في محاولة فهم الرموز والنقوش، وفي قراءة الأوراق التي وجدتها. اللفافة الجلدية كانت تحتوي على نصوصٍ بلغةٍ قديمة، لم تستطع فهمها، لكنها كانت تشعر بأنها ذات أهميةٍ بالغة.
في أحد الأيام، وبينما كانت تحاول فك رموز إحدى النقوش على جدران الغرفة السرية، سمعت صوت جرس الباب. لم تكن تتوقع أحداً. بقلقٍ ممزوج بالفضول، توجهت نحو الباب.
كانت تقف أمامها امرأةٌ أنيقة، في منتصف العمر، ترتدي ملابس راقية، وتنظر إليها بابتسامةٍ مصطنعة. "مساء الخير،" قالت بصوتٍ ناعم، "هل أنتِ الآنسة فاطمة؟"
"نعم، أنا هي،" أجابت فاطمة بحذر. "كيف يمكنني المساعدة؟"
"اسمي ليلى،" قالت المرأة، "كنت صديقةً لوالدتك. لقد سمعت عن عودتك إلى البيت القديم، وأردت أن أرحب بكِ."
شعرت فاطمة بشيءٍ من الغرابة. لم تتذكر أن والدتها قد ذكرت لها أي صديقةٍ اسمها ليلى. لكنها أظهرت بعض الترحيب. "تفضلي بالدخول،" قالت.
جلست ليلى في الصالة، وبدأت تتحدث عن ذكرياتٍ مشتركة مع والدة فاطمة، وعن أيامٍ مضت. كانت تتحدث ببراعة، وتظهر اهتماماً كبيراً بكل تفاصيل البيت. كانت عيناها تتجولان في أرجاء المكان، وكأنها تبحث عن شيءٍ ما.
"هذا البيت جميل جداً،" قالت ليلى، وهي تتأمل أحد الأثاث القديم. "لقد سمعت الكثير من القصص عنه. يقال إن به أسراراً كثيرة."
شعرت فاطمة بأن ليلى تعرف أكثر مما تقول. "نعم، إنه بيتٌ قديم، بالطبع يحمل ذكريات كثيرة،" أجابت بحذر.
"أنا مهتمة جداً بالتاريخ المحلي،" تابعت ليلى، "وخاصةً القصص المتعلقة بالعائلات القديمة في هذه المنطقة. عائلتكِ، على وجه الخصوص، لها تاريخٌ مثير للاهتمام."
توقف قلب فاطمة للحظة. هل كانت ليلى تعرف عن جدتها وعن أحمد؟ هل كانت تعرف عن الغرفة السرية؟
"هل تعرفين شيئاً عن تاريخ عائلتي؟" سألت فاطمة، محاولةً أن تبدو طبيعية.
ابتسمت ليلى ابتسامةً غامضة. "بعض الشيء. سمعت أن جدتك كانت امرأةً حكيمة، وأنها كانت تحتفظ ببعض الأشياء الثمينة. أشياء ذات قيمةٍ تاريخية."
بدأت فاطمة تشعر بأن هذه الزيارة لم تكن مجرد زيارةٍ ودية. "أمي لم تخبرني بالكثير عن تفاصيل ممتلكات جدتي،" قالت.
"بالتأكيد،" قالت ليلى، "بعض الأشياء تكون خاصةً. لكن أحياناً، يكون من الأفضل مشاركتها مع الآخرين. خاصةً إذا كانت هناك قيمةٌ أكبر من مجرد قيمتها المادية."
تغيرت نبرة فاطمة. "ما هي القيمة التي تتحدثين عنها؟"
نظرت ليلى إلى عيني فاطمة مباشرةً. "قيمةٌ تتعلق بالقوة. المعرفة. أشياءٌ نادرةٌ جداً في هذا العالم."
شعرت فاطمة بالخطر. بدت ليلى وكأنها تعرف عن اكتشافاتها. "أنا لا أفهم ما تقولينه،" قالت ببرود.
"ربما لم تفهمي بعد،" قالت ليلى، وقفت وهي تتجه نحو الباب. "لكنني واثقةٌ بأنكِ ستفهمين قريباً. أنا هنا إذا احتجتِ أي مساعدة. أو إذا قررتِ أن تشاركي ما اكتشفتِه."
غادرت ليلى، تاركةً فاطمة في حيرةٍ وقلق. من كانت هذه المرأة؟ وماذا كانت تريد حقاً؟ لم يكن هناك شكٌ في أن ليلى كانت تعلم شيئاً عن الأسرار التي اكتشفتها.
في الأيام التالية، بدأت فاطمة تشعر بأنها مراقبة. كانت ترى سيارةً غريبة تمر أمام البيت بشكلٍ متكرر. كانت تسمع أصواتاً غريبة في الليل. بدأت تشعر بأنها في خطر، وأن اكتشافاتها قد جلبت لها مشاكل أكبر مما تخيلت.
قررت فاطمة أن تبحث عن المزيد من المعلومات عن أحمد. عادت إلى مكتبة البلدة، وسألت أمين المكتب عن أي كتبٍ أو سجلاتٍ قديمة تتعلق بالفنان أحمد.
"أحمد؟" قال أمين المكتب، وهو يفكر. "نعم، كان رساماً موهوباً. لكنه كان رجلاً غامضاً. يقال إنه كان شغوفاً بالأساطير المحلية. لم أره منذ سنواتٍ طويلة. لكنني أتذكر كتاباً قديماً كان يملكه، عن رموزٍ قديمة. كنت أظن أنه مجرد كتابٍ عادي."
"هل تعرف أين يمكنني أن أجد هذا الكتاب؟" سألت فاطمة بلهفة.
"لا أعرف. لقد اختفى أحمد فجأة، ولم يعد أحدٌ يراه. ربما تركه في مكانٍ ما."
في تلك الليلة، عادت فاطمة إلى الغرفة السرية. نظرت إلى النقوش على الجدران، وإلى الصندوق المعدني. بدأت تشعر بأن هذه الغرفة ليست مجرد مخبأ، بل هي جزءٌ من نظامٍ أكبر.
وبينما كانت تفحص الصندوق مرة أخرى، وجدت شيئاً لم تلاحظه من قبل. في الجزء السفلي من الصندوق، كان هناك نقشٌ صغير، يشبه عين الإنسان، ولكن بحجرٍ أزرق صغير، يتلألأ. كان يشبه تماماً القلادة التي وجدتها.
"هل هذا هو المفتاح؟" سألت نفسها. حاولت أن تضع القلادة على النقش.
بشكلٍ مفاجئ، انفتحت آليةٌ مخفية في الصندوق. ظهر رفٌ صغيرٌ سري، لم تكن تراه من قبل. بداخله، وجدت لفافةً أخرى من الجلد، عليها كتاباتٌ باللغة نفسها التي وجدتها سابقاً، لكن هذه المرة، كانت هناك رسوماتٌ توضيحية.
الرسومات كانت مذهلة. كانت تظهر كيف يمكن استخدام الأحجار الكريمة، وكيف يمكن تفعيل طاقاتٍ معينة. كانت تظهر رموزاً تشبه رموز العقرب، ولكنها كانت تبدو مختلفة.
"هل هذا هو ما كان أحمد يبحث عنه؟" تساءلت. "هل هذه هي القوة التي تحدثت عنها ليلى؟"
شعرت بأنها على وشك كشف سرٍ أعظم مما كانت تتخيل. لكنها شعرت أيضاً بأنها أصبحت في خطرٍ أكبر. ليلى، والسيارة الغريبة، والأصوات في الليل، كل هذا بدأ يتضح. لم يكن الأمر مجرد أسرارٍ عائلية، بل كان هناك شيءٌ أكبر، شيءٌ قد يكون خطيراً.
نظرت إلى القلادة في يدها. بدأت تتساءل عما إذا كانت جدتها قد تركت لها كل هذا لتحميها، أم لتجعلها جزءاً من هذا اللغز المعقد.
في تلك اللحظة، سمعت صوتاً قوياً من خارج البيت. صوت سيارةٍ تقف ببطء. توقفت أنفاس فاطمة. هل كانت ليلى؟ هل جاءت ليلى مع آخرين؟
أخذت فاطمة اللفافة الجديدة، والقلادة، والأحجار. أغلقت الصندوق، وأعادت اللفافة الأصلية. بدأت تفكر في خطةٍ للهرب. لم يعد بإمكانها البقاء في هذا البيت.
لكن قبل أن تستطيع التحرك، سمعت صوت كسرٍ من الباب الرئيسي.