لغز اللوحة المفقودة

الفصل 12 — أروقة الذكريات وهمس الكتب

بقلم سلمى الجابري

الفصل 12 — أروقة الذكريات وهمس الكتب

وقفت ليلى أمام "مكتبة النجوم". المبنى المهيب، بواجهته الحجرية العريقة ونقوشه التي تعود إلى قرونٍ مضت، بدا كما تركته في ذاكرتها. مدخلها المقوس، المزخرف بنقوشٍ هندسيةٍ معقدة، يتوسطه بوضوحٍ رمزٌ بارزٌ للنجمة الخماسية، نفس الرمز الذي رأته في مرسم عمتها، والذي كان محور رحلة البحث. كان الهواء حولها يحمل عبق التاريخ، ورائحة الورق القديم الممزوج بعبير خافتٍ من الزهور البرية التي تنمو بين حجارة السور.

دخلت ليلى إلى المكتبة. الصمت كان هو السيد هنا، صمتٌ مقدسٌ لا يكسره سوى حفيف الأوراق عند تصفحها، أو خطواتٌ متأنيةٌ على الأرضية الخشبية التي تئن تحت وطأة الزمن. الأرفف العالية، الممتدة حتى السقف، كانت مكتظةً بالكتب التي تبدو وكأنها تحمل بين طياتها كنوزًا من المعرفة القصصية. أشعة الشمس المتسللة عبر النوافذ الملونة، كانت ترسم بقعًا ضوئيةً راقصةً على الأرض، مضفيةً على المكان جوًا من السحر والرهبة.

تذكرت ليلى أيام طفولتها. كانت هي وسارة تقضيان ساعاتٍ هنا، تتخيلان قصصًا من خلال عناوين الكتب، وتستكشفان زواياها المظلمة بحثًا عن مغامراتٍ وهمية. سارة، بطبيعتها الفنية والحالمة، كانت دائمًا تجد في هذه المكتبة مصدر إلهامٍ لا ينضب. كانت تقول لها: "ليلى، كل كتابٍ هنا هو عالمٌ بحد ذاته. الأوراق تتحدث، والكلمات ترسم صورًا في خيالنا."

تقدمت ليلى ببطء، عيناها تجولان في المكان. كانت تبحث عن شيءٍ محدد، عن دليلٍ يشير إلى مكان اللوحة. لم يكن هناك شيءٌ ظاهرٌ يوحي بوجودها. تذكرت أن سارة كانت لديها عادةٌ غريبة، وهي ترك ملاحظاتٍ صغيرةً أو رموزٍ مخفيةٍ في أماكنٍ تعرفها جيدًا.

اقتربت من قسم الكتب القديمة، حيث كانت تجلس سارة غالبًا. كان هناك كرسيٌ خشبيٌّ مريح، وطاولةٌ صغيرةٌ بجانبه. نظرت إلى الطاولة، وبدأت تفحصها بدقة. وجدت خدشًا صغيرًا، حديثًا نسبيًا، على سطح الخشب. عند إمعان النظر، لاحظت أنه يشبه شكل حرفٍ صغيرٍ باللغة العربية. حرف "سين".

"سارة!" همست ليلى. "هل كان هذا حرف اسمك؟"

بدأت ليلى تفكر. إذا كان هذا الحرف يشير إلى مكانٍ ما، فما هو؟ ربما كتابٌ معين؟ أو زاويةٌ معينة؟

تذكرت أن سارة كانت مولعةً بكتب الشعر القديم، وكتب الفلسفة. بدأت تتجه نحو الرفوف التي تضم هذه الكتب. كانت هناك مجموعةٌ من دواوين الشعر العربي القديم، بخطوطٍ عربيةٍ متقنة. بدأت تصفح بعضها، ولكن دون جدوى.

ثم لفت انتباهها كتابٌ قديمٌ للغاية، يبدو أنه لم يُمس منذ زمنٍ طويل. كان غلافه جلديًا داكنًا، وبدون عنوانٍ ظاهر. بدا غريبًا وسط باقي الكتب. سحبته بحذرٍ من الرف. كان ثقيلًا، وعندما فتحه، وجدت بداخله… ليس قصائد، بل مجموعةٌ من الرسومات. رسوماتٌ لسماءٍ ليلية، ونجوم، وكواكب، بالإضافة إلى بعض الكتابات الغريبة التي لم تفهمها.

"هذا الكتاب… هو نفس الكتاب الذي وجدته في مرسم عمتي، والذي كان يحتوي على رسم النجمة الخماسية!" هتفت ليلى.

شعرت بسعادةٍ غامرة. يبدو أنها على الطريق الصحيح. لكن أين الدليل؟ قلّبت صفحات الكتاب بسرعة. وبين صفحةٍ وأخرى، سقطت منها ورقةٌ صفراءٌ صغيرة. كانت هذه الورقة تحمل رسمًا بسيطًا جدًا. رسمٌ لمنحوتةٍ حجريةٍ صغيرة، كانت تزين نافورةً قديمةً في وسط المكتبة، نافورةٌ كانت سارة تحب الجلوس بجوارها. وبجانب الرسم، كتبت سارة عبارةً بخطها المميز: "حيث يتدفق الماء، يبدأ السر."

"حيث يتدفق الماء…" كررت ليلى. "النافورة!"

هرعت ليلى نحو وسط القاعة الرئيسية، حيث كانت النافورة الحجرية القديمة تقف شامخةً، تغطيها طبقةٌ من الطحالب الخضراء، وتنساب منها قطراتٌ من الماء ببطء، لتستقر في حوضها الحجري. كان المكان هادئًا، والماء يتدفق بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع.

وقفت ليلى أمام النافورة، تتأمل المنحوتة الحجرية الصغيرة التي أشارت إليها سارة. كانت عبارةً عن وجهٍ أسطوريٍّ قديم، تتساقط منه قطرات الماء. بدأت تفحص المنحوتة بحذر، تلمسها بأصابعها. شعرت بشيءٍ غير طبيعي، بشيءٍ بارزٍ قليلًا في أحد جوانب المنحوتة. كان هناك فجوةٌ صغيرة، بالكاد يمكن رؤيتها، مخبأةٌ تحت طبقةٍ من الطحالب.

بأصابع مرتعشة، حاولت ليلى إدخال طرف ظفرها في الفجوة. شعرت بوجود شيءٍ بالداخل. استخدمت منديلًا ورقيًا، وبدأت تمسح الطحالب بحذر. ظهر لها فتحةٌ صغيرة، كأنها بابٌ سري.

"يا إلهي!" همست ليلى. "هل هذا حقًا؟"

بحذرٍ شديد، حاولت دفع الفتحة. لم تتحرك. شعرت بالإحباط للحظة، ثم تذكرت شيئًا. تذكرت أن سارة كانت تحب الألغاز، وأن كل شيءٍ كان له طريقةٌ خاصة. عادت إلى دفتر خواطرها، ونظرت إلى الرسم الذي يظهر النجمة الخماسية. كانت هناك نقاطٌ صغيرةٌ مرسومةٌ حول النجمة.

"هذه النقاط… هل هي أرقام؟"

في الرسم، كانت هناك خمس نقاطٍ مرسومةٍ حول النجمة. واحدةٌ فوقها، وواحدةٌ تحتها، واثنتان على الجانبين، وواحدةٌ في المنتصف. بدأت ليلى تشعر بقلبها يخفق بقوة.

عادت إلى النافورة، وبدأت تتلمس المنحوتة مرةً أخرى. لاحظت أن المنحوتة نفسها، الوجه الأسطوري، كان له خمسةُ بروزاتٍ طبيعية: العينان، الأنف، والفم.

"ربما… ربما عليّ أن أضغط على هذه الأجزاء بالترتيب؟"

جربت الضغط على العين اليمنى، ثم اليسرى، ثم الأنف، ثم الفم. لم يحدث شيء. بدأت تفقد الأمل. ثم تذكرت النقاط في الرسم. كانت هناك نقطةٌ في المنتصف. بدأت تفكر في ترتيبٍ مختلف.

"ماذا لو كانت النقاط تشير إلى ترتيبٍ معين؟"

نظرت إلى النقاط المرسومة حول النجمة مرةً أخرى. فوق، تحت، يمين، يسار، منتصف. هذا هو الترتيب.

عادت إلى المنحوتة. بدأت بالضغط على بروزٍ يشبه العين (أعلى)، ثم البروز الذي يشبه الفم (أسفل)، ثم الأنف (منتصف)، ثم أصابع اليد التي كانت تشكل جزءًا من المنحوتة (يمين ويسار).

وعندما ضغطت على بروز الأنف، سمعت صوت "طقطقة" خافتة. اهتزت المنحوتة قليلًا، ثم انفتحت الفتحة الصغيرة بشكلٍ واضح.

انحنت ليلى، ومدت يدها بحذرٍ إلى الداخل. شعرت بشيءٍ معدنيٍّ بارد. سحبته ببطء. كان… كان علبةً معدنيةً صغيرة، قديمةً، مغبرةً.

فتحت العلبة. بداخلها، كانت هناك ورقةٌ ملفوفةٌ بعناية، وبجانبها… مفتاحٌ صغيرٌ قديم.

فكّت الورقة. كانت رسالةٌ بخط يد سارة.

"ابنتي ليلى العزيزة،

إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فهذا يعني أنكِ ذكيةٌ بما يكفي لتتبعي خيوط الحقيقة. اللوحة ليست مجرد قماشٍ وألوان، بل هي روحٌ وذاكرة. لقد وضعتها في مكانٍ آمن، حيث لا يستطيع أحدٌ الوصول إليها بسهولة، ولكنها ستكون في انتظاركِ.

هذا المفتاح، وهذا البيت، هما دليلكِ. تذكري دائمًا أن الحب هو أقوى قوةٍ في هذا العالم، وأن الذاكرة هي أجمل كنزٍ نحتفظ به. لا تدعي الظلام يخفت نور الحقيقة.

مع كل حبي، عمتكِ سارة."

نظرت ليلى إلى المفتاح. بدا قديمًا، ولكنه متين. ثم نظرت إلى البيت المذكور. لم تفهم. ما هو هذا البيت؟

في هذه الأثناء، كان المحقق خالد قد وصل إلى معلومةٍ مفادها أن سامي البهلواني قد قام بشراء مستودعٍ قديمٍ ومهجورٍ في منطقةٍ صناعيةٍ خارج المدينة قبل بضعة أشهر، بمبلغٍ كبيرٍ من المال، ودون وجود أي سجلاتٍ واضحةٍ لسبب هذا الشراء. هذا كان مثيرًا للاهتمام.

اتصل خالد بليلى: "أستاذة ليلى، هل لديكِ أي أخبار؟"

"نعم، يا سيادة المحقق. لقد وجدتُ رسالةً من عمتي، ومفتاحًا. ولكنها تذكر 'بيتًا' ولا أعرف ما هو."

"بيت؟ هل يمكنكِ وصف هذا المفتاح؟"

وصفت ليلى المفتاح لخالد. كان المفتاح بسيطًا، ولكنه مميز.

"الليلة الماضية، تلقينا معلوماتٍ تفيد بأن سامي البهلواني، المشتبه به الرئيسي، قد اشترى مؤخرًا مستودعًا قديمًا. قد يكون هذا المستودع هو 'البيت' الذي تتحدث عنه الفنانة سارة. هل يمكنكِ المجيء معي للتحقق؟"

شعرت ليلى بقلبها ينبض بسرعة. هل يمكن أن تكون اللوحة في هذا المستودع؟ ولكن كيف عرفت سارة بالأمر؟ هل كانت تعلم أن سامي سيحاول الاستيلاء عليها؟

"بالتأكيد، يا سيادة المحقق. سأكون هناك حالًا."

ارتدت ليلى معطفها، وأخذت العلبة المعدنية والمفتاح. شعرت بأنها على وشك كشف لغزٍ معقد، وأنها تحمل على عاتقها مسؤوليةً كبيرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%