لغز اللوحة المفقودة
الفصل 14 — كشف الحقيقة وخيانة الظلال
بقلم سلمى الجابري
الفصل 14 — كشف الحقيقة وخيانة الظلال
عاد المحقق خالد إلى مكتبه، بينما حملت ليلى لوحة "نور الشمس" بعنايةٍ فائقة، متوجهةً بها إلى قصر آل الشريف. كان العودة إلى القصر، حاملاً اللوحة، شعورًا لا يوصف. الأجواء في القصر بدأت تختلف، فخبر العثور على اللوحة انتشر كالنار في الهشيم، وجلب معه بصيصًا من الأمل والارتياح.
بدأت ليلى في إجراءات تأمين اللوحة، وترتيب عرضها بشكلٍ مؤقتٍ في إحدى القاعات الهادئة بالقصر، حتى تقرر الجهات الفنية المختصة مصيرها النهائي. كانت عائلتها، والأشخاص المقربون، يشعرون بسعادةٍ غامرة. كان الأستاذ يوسف، صديق العائلة، أول من زار ليلى ليعرب عن سعادته.
"أحسنتِ صنعًا يا ابنتي،" قال الأستاذ يوسف، وهو يتأمل اللوحة بعينين مليئتين بالإعجاب. "سارة كانت دائمًا ترى ما هو أبعد من الواقع. لقد تركت لنا لغزًا، ولكنها تركت لنا أيضًا مفتاح حله. أنتِ لم تعيدي لوحةً فحسب، بل أعَدتِ جزءًا من روحها."
"شكرًا لك، أستاذ يوسف. لقد كانت عمتي حقًا امرأةً استثنائية."
في هذه الأثناء، كان المحقق خالد يلاحق خيوط القضية. استجوب سامي البهلواني مرةً أخرى، بعد الكشف عن المستودع السري. تحت الضغط، وبوجود الأدلة، اعترف سامي بأنه كان يعلم بوجود اللوحة، وأنه كان يحاول الحصول عليها بطرقٍ ملتوية، ولكنه أكد أنه لم يسرقها. بل قال إن شخصًا آخر قد سبقه.
"من هو هذا الشخص؟" سأل خالد بإلحاح.
"لا أعرف اسمه بالضبط،" قال سامي، متلعثمًا. "لكنه كان رجلًا غامضًا، يتحدث بلغةٍ غريبة، ويدعي أنه 'جامعٌ شغوفٌ بالفن'. لقد عرض عليّ مبلغًا كبيرًا مقابل مساعدته في الحصول على اللوحة، ولكنني رفضت. شعرتُ أن لديه نوايا سيئة."
"هل يمكنك وصفه؟"
"كان طويل القامة، ذو لحيةٍ سوداءٍ كثيفة، وعينين حادتين. كان يرتدي ملابس قديمة الطراز. لم أر وجهه بوضوحٍ في البداية، ولكني رأيته فيما بعد. كان يمتلك سيارةً فاخرةً سوداء."
بدأت المعلومات تتجمع. السيارة السوداء التي رآها السيد هاشم، والرجل الغامض الذي وصفه سامي. بدت هذه التفاصيل متطابقة.
"هل كان هناك أي دليلٍ آخر؟" سأل خالد. "أي اسمٍ، أو شعارٍ، أو أي شيءٍ مميز؟"
"أتذكر أنه كان يرتدي خاتمًا غريبًا، على إصبعه السبابة. كان عليه نقشٌ يشبه… نعم، يشبه طائرًا يحلق."
"طائرٌ يحلق؟" كرر خالد، وارتسمت علامة استفهامٍ على وجهه.
عاد خالد إلى مكتبه، وبدأ يبحث في قاعدة بياناته عن الأشخاص الذين يطابقون هذا الوصف، أو الذين لديهم علاقةٌ بسوق الفن الأسود، ولديهم اهتمامٌ بقطعٍ فنيةٍ ذات قيمةٍ تاريخية.
في هذه الأثناء، كانت ليلى قد بدأت في استكشاف المزيد من أسرار عمتها. عثرت في مكتب والدها على مجموعةٍ من الرسائل القديمة، كانت بين سارة وعمها أحمد. كانت الرسائل مليئةً بالمودة، ولكنها كانت تحمل أيضًا تلميحاتٍ لمواقفٍ صعبةٍ مرت بها سارة.
في إحدى الرسائل، كتبت سارة: "يا أخي، أشعر أن هناك من يطمع فيما أملك. ليس فقط لوحتي، بل ما هو أهم… ما هو أعمق. أحاول حماية نفسي، ولكنني أشعر بالوحدة."
وفي رسالةٍ أخرى، قالت: "لقد استشرتُ السيد فؤاد، ولكنه بدا غير مبالٍ. يقول إنها مجرد لوحة. ولكنه لا يفهم! إنها ليست مجرد قماشٍ وألوان."
"السيد فؤاد؟" تساءلت ليلى. من هو السيد فؤاد؟
بدأت ليلى في البحث عن اسم "فؤاد" في سجلات العائلة، أو في سجلات أصدقاء سارة. لم تجد شخصًا بهذا الاسم كان له علاقةٌ وثيقةٌ بسارة.
في المساء، وبينما كانت ليلى تتصفح الصور القديمة في القصر، عثرت على صورةٍ تجمع عمتها سارة، وعمها أحمد، ورجلٍ آخر. كان الرجل يبدو أنيقًا، ولكنه كان يحمل نظرةً باردةً في عينيه. وعلى إصبعه، كان هناك خاتمٌ مميزٌ يحمل نقشًا لطائرٍ يحلق.
"هذا الرجل… إنه نفس الرجل الذي وصفه سامي البهلواني!" هتفت ليلى.
بدأت تتذكر. كان هذا الرجل هو السيد فؤاد، وهو تاجر تحفٍ قديم، كان يعرفه والدها جيدًا، وكان يتعامل معه أحيانًا. ولكنه كان معروفًا بكونه شخصًا انتهازيًا، يسعى دائمًا وراء الربح.
"يا للهول! هل يمكن أن يكون هو؟"
اتصلت ليلى بالمحقق خالد فورًا، وأخبرته بما وجدته.
"سيد فؤاد؟" قال خالد. "لقد بحثتُ في هذا الاسم، ولم أجد شيئًا ذا أهميةٍ كبيرة. ولكنه كان لديه بعض الصفقات غير المشروعة في الماضي. يبدو أنه قد تراجع عن هذه الأنشطة منذ سنوات."
"ولكنه كان يرتدي الخاتم نفسه، يا سيادة المحقق. خاتم الطائر."
"خاتم الطائر…" تردد خالد. "هناك رجلٌ معروفٌ في عالم جمع التحف، يدعى 'الصقر'. اسمه الحقيقي هو فؤاد المصري. إنه معروفٌ بأنه بارعٌ في الحصول على القطع النادرة، ولكن سلوكه كان مشبوهًا في الماضي. قد يكون هو."
"إذًا، هو من حاول الاستيلاء على اللوحة! ولكن كيف؟ ولماذا؟"
"ربما اكتشف قيمة اللوحة الحقيقية، ليس فقط الفنية، بل ربما هناك شيءٌ آخر."
قرر خالد أن يذهب لمقابلة السيد فؤاد المصري. ذهب إلى معرضه الفني الخاص، الذي كان يقع في منطقةٍ راقيةٍ من المدينة. كان المعرض أنيقًا، ومليئًا باللوحات والمنحوتات القيمة.
استقبل فؤاد المصري المحقق خالد بابتسامةٍ مصطنعة. كان رجلًا في الخمسينات من عمره، ذا شعرٍ فضيٍّ أنيق، وعينين ثاقبتين. كان يرتدي خاتم الطائر المميز.
"أهلاً بك، أيها المحقق. كيف يمكنني خدمتك؟" سأل فؤاد.
"أنا هنا بشأن لوحة 'نور الشمس'، للفنانة سارة." قال خالد بجدية.
ارتسمت على وجه فؤاد علامةٌ خفيفةٌ من المفاجأة، سرعان ما اختفت. "آه، نعم. حدثٌ مؤسفٌ جدًا. سمعتُ أنها عُثر عليها. تهانينا."
"لقد علمتُ أنك كنت مهتمًا بهذه اللوحة. وأنك كنت على اتصالٍ مع الفنانة سارة قبل اختفائها."
"كنتُ مهتمًا بها، نعم. إنها تحفةٌ فنيةٌ رائعة. ولكن لم يكن لديّ فرصةٌ لشرائها. أما عن الاتصال بسارة، فلم يكن هناك شيءٌ خاص."
"هل حاولتَ الحصول عليها بطرقٍ غير مشروعة؟"
ضحك فؤاد ببرود. "أيها المحقق، أنا رجلُ أعمالٍ ناجح. لا أحتاج إلى طرقٍ غير مشروعة. ربما هناك بعض المنافسين الذين يحاولون تشويه سمعتي."
"سمعتُ أنك كنت تتعامل مع شخصٍ يدعى سامي البهلواني."
تغيرت ملامح فؤاد قليلًا. "سامي؟ نعم، لقد تعاملتُ معه في بعض الصفقات، ولكنه شخصٌ غير موثوق به."
"هل عرضتَ عليه مبلغًا كبيرًا مقابل الحصول على اللوحة؟"
تردد فؤاد. "ربما، ولكن لم يتم أي اتفاق."
"أرى أنك ترتدي خاتمًا مميزًا،" قال خالد، مشيرًا إلى إصبع فؤاد. "خاتمٌ على شكل طائرٍ يحلق."
نظر فؤاد إلى خاتمه. "نعم، إنه قطعةٌ قديمة. ورثتها عن جدي."
"هل هو من صنعٍ خاص؟"
"لا، بل هو جزءٌ من مجموعةٍ نادرةٍ من المجوهرات القديمة."
شعر خالد بأن فؤاد يخفي شيئًا. "سيد فؤاد، هل تعلم أن الفنانة سارة تركت رسالةً قبل اختفائها؟ رسالةٌ تتحدث عن 'بيتٍ' و'مفتاحٍ' و'كنوزٍ منسية'؟"
ارتعش فؤاد قليلًا. "لا أعرف شيئًا عن ذلك."
"هل تعرف أي شيءٍ عن 'مكتبة النجوم'؟ أو عن مستودعٍ مهجورٍ في المنطقة الصناعية؟"
بدأت علامات القلق تظهر بوضوحٍ على وجه فؤاد. "لا، لا أعرف."
"الفنانة سارة كانت فنانةً ذكيةً جدًا،" قال خالد. "لقد تركت وراءها أدلةً واضحة. أدلةٌ قادتنا إلى مكان اللوحة. وأعتقد أنها تركت أدلةً أخرى، أدلةً ستكشف عن المتورطين الحقيقيين."
خرج خالد من المعرض، تاركًا فؤاد في حالةٍ من الارتباك. علم خالد أن فؤاد هو المتورط الرئيسي. ولكن لماذا كانت سارة تخبئ اللوحة؟ ولماذا لم تبلغ الشرطة؟
عاد خالد إلى قصر آل الشريف، ووجد ليلى تجلس مع الأستاذ يوسف. شرح لهما ما حدث مع فؤاد المصري.
"إذًا، فؤاد هو من كان وراء كل هذا." قال الأستاذ يوسف. "لقد كان يعرف قيمة اللوحة، وليس فقط قيمتها الفنية. سارة كانت تخبرني دائمًا أن اللوحة تخفي سرًا أكبر."
"ما هو هذا السر؟" سأل خالد.
"لقد كانت سارة مهتمةً بالتاريخ القديم، وبالآثار. كانت تعتقد أن هناك رموزًا مخفيةً في اللوحة، رموزًا تشير إلى مكانٍ أثريٍّ مهم. ربما هذا ما كان يريده فؤاد."
"مكانٌ أثريٌّ؟"
"نعم. كانت تعتقد أن النجمة الخماسية، والرموز الأخرى في اللوحة، ليست مجرد عناصر فنية، بل هي خريطةٌ لموقعٍ أثريٍّ قديمٍ لم يُكتشف بعد."
"لهذا السبب خبأت سارة اللوحة،" قالت ليلى. "لم تكن تريد أن يكتشف فؤاد هذا السر. لم تكن تريد أن تُنهب الآثار."
"بالضبط. لقد فهمتِ الرسالة يا ليلى. لقد فهمتِ نوايا عمتكِ. سارة لم تخفِ اللوحة لحمايتها فحسب، بل لحماية جزءٍ من تاريخنا."
شعر خالد بمسؤوليةٍ أكبر. لم تعد القضية مجرد سرقة لوحة، بل أصبحت قضيةً تتعلق بحماية التراث.
"علينا الآن أن نجد دليلًا قاطعًا ضد فؤاد المصري. وأن نكتشف ما إذا كان هناك أي شيءٌ آخر يتعلق بهذا الموقع الأثري."
في هذه اللحظة، دخلت خادمةٌ إلى القاعة، وقالت: "آنسة ليلى، هناك شخصٌ يطلب رؤيتكِ. يقول إنه لديه معلوماتٌ مهمةٌ بشأن اللوحة."
نظرت ليلى وخالد إلى بعضهما البعض. من يمكن أن يكون هذا الشخص؟