لغز اللوحة المفقودة
الفصل 18 — الأبواب المغلقة والشهادة المفقودة
بقلم سلمى الجابري
الفصل 18 — الأبواب المغلقة والشهادة المفقودة
بعد أن اكتشفت نسمة الرسائل وألبوم الصور والمفتاح، شعرت وكأنها تقف على أرض صلبة. كانت لديها الآن أدلة ملموسة على قصة حب غامضة، وعلى وجود شخصية رئيسية تدعى "يوسف"، وعلى أن اللوحة المفقودة "اللقاء الأخير" لم تكن مجرد قطعة فنية، بل كانت تحمل سراً عائلياً عميقاً. لكن الأسئلة ظلت تتردد في ذهنها: من كان يوسف حقاً؟ ولماذا اضطرت جدتها لإخفاء اللوحة؟ ومن هو "الظل" الذي كانت تخشاه؟
عادت نسمة إلى والدها، وبدت عليها علامات الإرهاق والتفكير العميق. عرضت عليه الرسائل والصور. عندما رأى صورته مع جدته، كان رد فعله مزيجاً من الدهشة والحزن.
"هذا... هذا يوسف!" قال الأب بصوت مختنق. "لطالما سمعتُ عن قصة حب قديمة لجدتكِ، لكنها لم تذكر اسمه أبداً. كانت تصفه دائماً بـ 'الشخص الذي كان'."
"كان يحمل قلادة،" قالت نسمة وهي تري والدها القلادة التي وجدتها. "ووجدنا له صوراً كثيرة في هذا الألبوم. يبدو أنهما كانا يحبان بعضهما كثيراً."
"أتذكر أن والدي، جدك، كان لديه بعض الشكوك حول هذا الشخص،" قال الأب. "قال إن هناك بعض الغموض حول خلفيته. ولكنه لم يتحدث كثيراً في هذا الأمر. ربما كان يحاول حماية جدتكِ."
"الرسائل تشير إلى أن جدتي اضطرت لإخفاء اللوحة لحمايته،" قالت نسمة. "وأنها كانت تخشى على حياتهما. وكان هناك من يلاحقها."
"ملاحقة؟" استغرب الأب. "من كان يلاحقها؟"
"لا أعرف،" اعترفت نسمة. "لكن الرسائل تتحدث عن 'الأعين الجشعة' وعن 'الخوف'."
قررت نسمة أن تستغل أي فرصة لمعرفة المزيد عن يوسف. ذهبت إلى أرشيف المدينة، وبدأت تبحث عن أي سجلات قديمة تتعلق بالأسماء التي ظهرت في الرسائل، أو أي معلومات عن شخص يدعى يوسف كان له علاقة بجدتها. كانت عملية مرهقة، لكنها كانت مصممة.
بعد أيام من البحث المضني، وجدت معلومة صغيرة في سجل قديم. كان هناك فنان شاب يدعى "يوسف المصري"، اشتهر في فترة معينة، ثم اختفى فجأة من الساحة الفنية. كانت هناك إشارة إلى أنه كان له علاقة ببعض العائلات الثرية في ذلك الوقت.
"يوسف المصري..." تمتمت نسمة. بحثت عن صور له، ووجدت صورة له في مجلة فنية قديمة. كان الشاب في الصورة هو نفسه يوسف الذي في ألبوم جدتها.
"إنه هو! إنه يوسف المصري!" قالت بصوت ممتلئ بالإثارة.
ولكن، لماذا اختفى؟ وما علاقته بجدتها؟
عادت نسمة إلى المستودع الذي زارته سابقاً. كان المكان لا يزال مليئاً بالظلام والغبار، ولكنه الآن يحمل معنى أعمق. بدأت تبحث في الصناديق القديمة التي لم تفتحها من قبل. كانت تبحث عن أي شيء قد يربط يوسف بجدتها، أو يكشف سبب اختفائه.
في أحد الصناديق، وجدت مجموعة من الرسومات. كانت رسومات ليوسف، تصور مشاهد من الحياة اليومية، وبعض الوجوه. ولكن بينها، وجدت رسومات لم تكن فنية تماماً، بل كانت تبدو وكأنها خرائط أو تخطيطات. كانت هناك رسومات لبعض المباني القديمة، ولبعض المواقع غير المعروفة.
"ما هذا؟" تساءلت. بدأت تتفحص الرسومات بعناية. بعضها بدا كأنه يصور أجزاء من المدينة القديمة، وبعضها الآخر بدا كأنه يصور تصاميم معمارية غريبة.
بين الرسومات، وجدت ورقة مطوية بعناية. كانت تحمل عنواناً بخط يد يوسف: "أسرار القصر المهجور".
"القصر المهجور؟" كررت نسمة. لم تسمع عن أي قصر مهجور في المدينة.
فتحت الورقة. كانت تحتوي على وصف تفصيلي لمكان غامض، وبعض الإشارات إلى "كنز" مخبأ، و"حماية". بدا وكأن يوسف كان يعمل على مشروع سري، ربما كان يحاول إخفاء شيء ما، أو اكتشافه.
"هل هذا له علاقة باللوحة؟" تساءلت.
عادت إلى الرسائل القديمة التي وجدتها في مكتب والدها. قرأت جملة كانت قد تجاهلتها سابقاً: "لقد وجدتُ المكان. المكان الذي سيحميها إلى الأبد. سأضعها هناك، حيث لا يصل إليها أحد."
"المكان..." قالت نسمة. "هل كان يقصد هذا القصر المهجور؟"
"القصر المهجور" كان مفتاحاً جديداً. بدأت نسمة في البحث عن أي معلومات عن قصر قديم مهجور في المدينة، أو في المناطق المحيطة بها. استعانت بوالدها، الذي كان لديه معرفة جيدة بتاريخ المدينة.
"لا أذكر أي قصر مهجور معروف،" قال الأب. "ولكن ربما كان قصراً قديماً جداً، يملكه شخصية تاريخية ما."
في تلك اللحظة، وصل إلى سمعها خبر عن إعادة فتح بعض المناطق الأثرية في ضواحي المدينة، والتي كانت مغلقة لسنوات طويلة. وكان من بين هذه المناطق، آثار قصر قديم كان يعتبر مجرد أسطورة.
"قصر أسطوري؟" قالت نسمة. "ربما هو هذا القصر!"
ذهبت نسمة إلى المكان. كان القصر بالفعل في حالة يرثى لها، ولكن بقايا جدرانه الشاهقة كانت تشهد على عظمته القديمة. تجولت في أرجائه، تشعر بالبرد الذي يلف المكان. بدأت تقارن الرسومات التي وجدتها مع معالم القصر. كانت هناك تطابقات غريبة.
"هذه هي نفس النقوش على البوابة!" قالت وهي تشير إلى نقش محفور على بقايا قوس.
"وهذه هي نفس التصميمات التي رأيتها في رسومات يوسف!"
واصلت البحث، متبعة الإشارات في رسومات يوسف. في إحدى الغرف الداخلية، وجدت باباً مخفياً خلف ستارة قديمة. فتحت الباب، ووجدت سلماً يؤدي إلى الأسفل.
"إلى أين يؤدي هذا؟" تساءلت. نزلت ببطء، وقلبها يخفق بشدة.
في الأسفل، وجدت غرفة صغيرة، كانت تبدو وكأنها مخبأ سري. وفي وسط الغرفة، كان هناك قاعدة حجرية. وعلى القاعدة، كان هناك شيء مغطى بقطعة قماش سميكة.
"هل هذا هو؟" همست.
رفعت قطعة القماش ببطء. كانت هناك لوحة. لوحة رائعة، تصور رجلاً وامرأة يقفان معاً، ينظران إلى بعضهما البعض بحب عميق. كانت اللوحة هي "اللقاء الأخير".
"لقد وجدتها!" صاحت نسمة بفرح. "وجدتها يا جدتي!"
كانت اللوحة في حالة ممتازة، وكأنها حفظت بعناية فائقة. ولكن، لماذا تم إخفاؤها هنا؟ وما علاقة يوسف بهذا؟
نظرت حولها في الغرفة. وجدت المزيد من الوثائق، ولكن هذه المرة، كانت وثائق قانونية. كانت عبارة عن عقود بيع وشراء، وبعض الوصايا. وبدأت تفهم.
لقد كانت اللوحة "اللقاء الأخير" ليست مجرد لوحة فنية، بل كانت تحمل سراً عائلياً أكبر. يبدو أن يوسف المصري لم يكن مجرد فنان، بل كان وريثاً لأملاك كبيرة، ولكنه كان يواجه دعاوى قضائية معقدة من قبل أشخاص كانوا يريدون الاستيلاء على ثروته.
"كانوا يريدون الاستيلاء على كل شيء،" قالت نسمة. "حتى على اللوحة التي كانت تمثل حبه لجدتي."
"ولكن، لماذا اضطرت جدتي لإخفائها؟"
ثم وجدت وثيقة أخيرة. كانت وصية بخط يد يوسف، موجهة إلى جدتها. فيها، كان يترك لها اللوحة، ويطلب منها أن تحتفظ بها في مكان آمن، وأن تستخدمها كدليل على حقه، في حال عاد يوماً ما.
"لقد أخفتها جدتي هنا، في هذا المكان السري، لحمايتها، ولحماية حق يوسف،" قالت نسمة. "ولكن، من كان يلاحقها؟ ومن سرق اللوحة من هنا؟"
كانت الحقيقة تتكشف، ولكنها كانت تحمل المزيد من الأسئلة.