لغز اللوحة المفقودة
الفصل 19 — العودة إلى النور والخيانة المكشوفة
بقلم سلمى الجابري
الفصل 19 — العودة إلى النور والخيانة المكشوفة
بعد اكتشاف اللوحة في القصر المهجور، شعرت نسمة بإحساس لا يوصف من الانتصار والراحة. لقد أثبتت أن جدتها لم تكن مجرد فنانة، بل كانت امرأة قوية، قادرة على حماية حبها وإرثها. لكن فرحتها لم تكن كاملة. كان هناك سؤال يراودها: من هو الشخص الذي كان يلاحق جدتها، ومن الذي سرق اللوحة من هذا المكان السري؟
عادت نسمة إلى منزل والدها، حاملة اللوحة المفقودة. كانت رؤيتها وهي تتسلل من القصر المهجور، تحمل كنوزاً مخفية، تزيد من إحساسها بأنها في وسط قصة ملحمية. والدها استقبلها بابتسامة عريضة، وبدت على وجهه علامات الفخر والتقدير.
"لقد فعلتيها يا ابنتي!" قال وهو يحتضنها. "لقد أعدتي لنا جزءاً غالياً من تاريخنا."
"هذه ليست جهدي وحدي يا أبي،" قالت نسمة. "إنها قوة جدتي، وقصة حبها ليوسف."
بدأت نسمة في دراسة اللوحة بعمق، مستخدمة كل ما تعلمته من جدتها. كانت الألوان، والضربات، والتفاصيل، كلها تحكي قصة. ولكن، كان هناك تفصيل صغير في خلفية اللوحة، كان قد لفت انتباهها من قبل، ولكنه الآن بدا أكثر وضوحاً. كان هناك شكل غامض، يشبه برجاً، يظهر في الأفق البعيد.
"هذا البرج،" قالت وهي تشير إلى التفصيل. "لم أره في أي من صور القصر المهجور. هل يمكن أن يكون شيئاً آخر؟"
عادت إلى الرسومات التي وجدتها في المستودع، وخاصة رسومات يوسف. وجدت رسماً يشبه هذا البرج، وكان مكتوباً بجانبه "برج الحارس".
"برج الحارس؟" تساءلت. "ما هو هذا البرج؟"
عندما بحثت عن "برج الحارس" في سجلات المدينة، وجدت معلومات قليلة جداً. كان هناك برج قديم، يعتبر من أقدم المباني في المدينة، ولكنه كان في حالة سيئة جداً، ويقع في منطقة غير مأهولة.
"ربما تكون اللوحة قد تعرضت لتلف أو تغيير،" قال والدها. "ربما كان هناك شخص ما قد حاول العبث بها."
"ولكن، من؟" تساءلت نسمة. "ومن هو السيد حبيب الذي ذكرته السيدة فاطمة؟"
قررت نسمة أن تواجه السيد حبيب. ذهبت إلى مكتبه الفخم، وهو مكتب مليء بالتحف الفنية، واللوحات الباهظة. كان السيد حبيب رجلاً مسناً، يبدو عليه الوقار، ولكنه كان يحمل في عينيه بريقاً غريباً.
"أهلاً بكِ يا آنسة نسمة،" قال السيد حبيب بابتسامة متكلفة. "لقد سمعتُ عن عودتكِ، وعن بحثكِ عن اللوحة. هل وجدتيها؟"
"نعم، لقد وجدتها،" قالت نسمة وهي تنظر إليه بثبات. "وهي الآن في أمان."
"هذا خبر جيد،" قال السيد حبيب. "لقد كانت اللوحة تحفة فنية نادرة، ومن المؤسف أنها اختفت."
"لقد علمتُ أنك كنت مهتماً ببعض أعمال جدتي،" قالت نسمة. "خاصة تلك اللوحة."
ارتعش طرف شفة السيد حبيب قليلاً. "كنتُ معجباً بفنها، نعم. ولكن، لم أكن يوماً لأفعل شيئاً خاطئاً."
"جدتي كانت تخاف على حياتها، وعلى حياة شخص كان تحبه،" قالت نسمة. "وأنها اضطرت لإخفاء اللوحة في مكان سري. مكان يعتقد الجميع أنه مهجور."
كانت عينا السيد حبيب قد اتسعت قليلاً. "مكان سري؟"
"نعم، مكان سري. وكان هناك شخص يدعى يوسف المصري. هل تعرفه؟"
تبدل تعبير وجه السيد حبيب. بدا وكأنه يحاول إخفاء شيء ما. "يوسف المصري... لا، لا أذكر هذا الاسم."
"كان فنانًا، وكان يحب جدتي،" قالت نسمة. "وأنا أعتقد أنك كنت تعرفه، وكنت تعرف كل شيء عن اللوحة."
"هذا اتهام خطير، يا آنسة نسمة،" قال السيد حبيب، وبدأت نبرة صوته تتغير. "ليس لدي ما أقوله لكِ."
"لقد وجدتُ رسائل، ووصية، وصوراً،" قالت نسمة. "كلها تشير إلى حقيقة. حقيقة أنك كنت تعرف، وأنك كنت متورطاً."
"متورطاً في ماذا؟" سأل السيد حبيب بنبرة تحدي.
"في سرقة اللوحة،" قالت نسمة. "أو ربما، في إخفائها بعد ذلك. لقد علمتُ أنك كنتَ شريكًا ليوسف في بعض أعماله، وأنك حاولتَ الاستيلاء على ممتلكاته. وأن جدتي أخفت اللوحة لحمايتها."
صمت السيد حبيب لبرهة، وبدا وكأنه يفكر. ثم ابتسم ابتسامة باردة. "يا آنسة نسمة، إنكِ تخلطين بين الحقائق. لقد كنتُ شابًا طموحًا في تلك الأيام، وكنتُ أعمل مع الكثيرين. ولكن، لم أحصل على ما أستحقه. أما بالنسبة ليوسف، لقد كان فنانًا موهوبًا، ولكنه كان حالمًا. لم يفهم عالم الأعمال."
"ولكن، اللوحة؟" سألت نسمة. "لماذا أردتَ اللوحة؟"
"لأنها كانت دليلًا،" قال السيد حبيب. "دليلًا على حق يوسف، وعلى أمواله. ولو كانت هذه اللوحة في يدي، لتمكنتُ من استعادة كل شيء. ولكن، حدث ما حدث، واختفت اللوحة، واختفى يوسف."
"لقد اختفى يوسف، ولكن جدتي أخفت اللوحة،" قالت نسمة. "وأنها تركته لكِ ليتم العثور عليه. ولكن، أنت لم تستطع العثور عليه، فأرسلته إلى مكان آخر. إلى المستودع."
"المستودع؟" استغرب السيد حبيب. "ما علاقة المستودع؟"
"لقد كان هناك،" قالت نسمة. "كانت جدتي تخاف منك، فأرسلت اللوحة إلى مكان آمن، ولكنها لم تكن آمنة تمامًا. ثم، بعد سنوات، عندما شعرت بأنها في خطر، أعادتها إلى القصر المهجور. ولكن، لا يزال هناك شيء غير واضح. من سرقها من القصر المهجور؟"
"لا أعلم شيئًا عن ذلك،" قال السيد حبيب. "لقد تركتُ كل هذه الأمور خلفي."
"ولكن، هناك دليل آخر،" قالت نسمة. "رسائل والدكِ، التي وجدتُها في المستودع. رسائل كان يرسلها لك. كان يسأل عن اللوحة. وكان خائفاً."
بدأ وجه السيد حبيب يتورد. "والدي... كان ضعيفاً. كان يخشى على سمعته. لم يكن يفهم حقًا ما يحدث."
"بل كان يفهم،" قالت نسمة. "لقد كان يعلم أنك متورط، وأنك تسعى للاستيلاء على حق يوسف، وحق جدتي. لقد كان خائفاً من أن ينكشف الأمر."
"هذه خرافات!" قال السيد حبيب بصوت عالٍ.
"لا، إنها الحقيقة،" قالت نسمة. "لقد استخدمتَ والدك، وقد كان خائفًا منك. ولكن، الآن، كل شيء انكشف."
شعرت نسمة بأنها وصلت إلى نهاية المطاف. لقد كشفت عن جزء كبير من الحقيقة. السيد حبيب كان هو الشخص الذي سعى للاستيلاء على أملاك يوسف، وربما هو من كان يلاحق جدتها. ولكن، هل كان هو من سرق اللوحة في النهاية؟
"لم أسرق اللوحة،" قال السيد حبيب، وكأنما قرأ أفكارها. "لقد حاول جدك، والد أبي، استعادتها أولاً، لكنه فشل. وبعد ذلك، حدث شيء جعلني أترك كل شيء."
"ماذا حدث؟" سألت نسمة.
"كان هناك شخص آخر، شخص لم أكن أعرفه. شخص كان يبدو وكأنه يسعى وراء اللوحة لأسباب خاصة به. لقد رأيته مرة واحدة، في الليل، بالقرب من القصر المهجور. كان يحمل شيئًا كبيرًا. اعتقدت أنه يريد الاستيلاء عليها، ولكنني لم أتدخل. لقد كان الأمر أكبر مني."
"شخص آخر؟" تكررت نسمة. "من هذا الشخص؟"
"لا أعرف اسمه،" قال السيد حبيب. "ولكن، كانت لديه نظرة شريرة في عينيه. لقد كان يبدو وكأنه يبحث عن شيء أكثر من مجرد لوحة."
انتهت المواجهة. خرجت نسمة من مكتب السيد حبيب، وقلبها مليء بمشاعر متضاربة. لقد كشفت عن خيانة، وعن سعى للاستيلاء على حق، ولكنها لم تجد الإجابة النهائية. من هو هذا الشخص الغامض؟ ومن هو الذي سرق اللوحة من القصر المهجور؟