لغز اللوحة المفقودة
الفصل 22 — متاهة الأوراق القديمة والهمس الخفي
بقلم سلمى الجابري
الفصل 22 — متاهة الأوراق القديمة والهمس الخفي
خرجنا من "غرفة الذكريات"، وأنا أحمل صندوق والدي الثمين، ودفتره الغامض. كان الضوء الساطع للشمس يشعرني ببعض الراحة، لكن الظلام الذي تركته الغرفة بداخله بدا وكأنه يتبعني. كان عمي عادل صامتاً، يفكر بعمق. في تلك اللحظة، شعرت بأننا لسنا مجرد أشخاص يبحثون عن لوحة مسروقة، بل نحن وارثون لسر قديم، مهمتنا هي كشفه.
في مكتب والدي، فتحنا الصندوق بحذر. كانت الأوراق بداخله منظمة بعناية، تحمل أختاماً ورسومات غريبة. بدأنا في تصفحها، محاولين ربطها بما ورد في دفتر والدي. كانت هناك خرائط قديمة لمناطق لم أسمع بها من قبل، ورموز تشبه اللغة الهيروغليفية، ورسائل مكتوبة بلغات مختلفة. كل ورقة كانت كقطعة من أحجية ضخمة.
"هذه الرسائل تبدو وكأنها متبادلة بين والدي وشخص آخر،" قال عمي، مشيراً إلى مجموعة من الأوراق. "تاريخها يعود إلى سنوات طويلة. يبدو أنهم كانوا يتحدثون عن 'الكنز'. هل تقصد بالكنز اللوحة؟"
"لا أدري،" أجبت. "لكن والدتي كانت تخبرني دائماً أن والدي كان مهتماً بالتاريخ القديم، وبالآثار. ربما يكون الأمر أعمق من مجرد لوحة فنية."
أمضيت ساعات طويلة في المكتب، أتفحص الأوراق، أحاول فك رموزها. كانت هناك أسماء لم أتعرف عليها، وأماكن غامضة. لكنني وجدت شيئاً يلفت انتباهي: تكرار اسم "الدكتور فؤاد". كان يظهر في العديد من الرسائل، وكان والدي غالباً ما يشير إليه بـ "صديقي العزيز".
"من هو الدكتور فؤاد؟" سألت عمي.
"الدكتور فؤاد..." تمتم عمي، وهو يتذكر. "كان أستاذاً جامعياً متخصصاً في التاريخ والآثار. كان صديقاً حميماً لوالدي. بعد وفاة والدي، ابتعد الدكتور فؤاد عن الأنظار. سمعت أنه سافر إلى الخارج، لكن لا أحد يعرف وجهته بالضبط."
"ربما يكون هو 'المرشد' الذي تحدث عنه والدي؟" أملت. "إذا كان صديقاً مقرباً، ومهتماً بالتاريخ، فقد يعرف شيئاً عن اللوحة، وعن الرسالة التي تحملها."
"ربما،" وافق عمي. "لكن كيف سنجده؟ لا نعرف أين هو."
بدأت أبحث في الأوراق المتعلقة بالدكتور فؤاد. وجدت عنواناً قديماً لمنزله في المدينة، ومجموعة من الصور التي تظهره مع والدي في رحلات ميدانية. كانت هناك أيضاً أوراق بحثية حول حضارات قديمة، ورسومات لقطع أثرية. شعرت بأنني أقترب شيئاً فشيئاً من الحقيقة.
في أحد الصناديق، وجدت بطاقة دعوة لحفل تكريم للدكتور فؤاد في الجامعة قبل سنوات. كان مكتوباً عليها أنه سيلقي كلمة عن "أسرار الحضارات المنسية". بدا الأمر وكأنه خيط آخر يقودني.
"عمي، أظن أننا يجب أن نذهب إلى الجامعة،" قلت. "ربما هناك من يعرف أين يمكن أن يكون الدكتور فؤاد، أو على الأقل، من يمكن أن يدلنا على طريقه."
وافق عمي، ورتبنا موعداً لزيارة الجامعة في اليوم التالي. عندما وصلنا، شعرنا بالرهبة أمام المباني القديمة، والهدوء الذي يلف المكان. توجهنا إلى قسم التاريخ والآثار، وسألنا عن الدكتور فؤاد.
استقبلتنا سكرتيرة القسم بابتسامة لطيفة. "الدكتور فؤاد؟ إنه من رواد هذا القسم. لكنه متقاعد منذ سنوات. لم نسمع عنه منذ فترة طويلة."
"هل لديك أي معلومات عن أبحاثه الأخيرة، أو عن أي مكان قد يكون ذهب إليه؟" سألتها بتلهف.
فكرت السكرتيرة قليلاً. "كان الدكتور فؤاد شغوفاً جداً ببحثه عن 'مدينة الألف عمود'. كان يعتقد أنها مدينة أسطورية، وأنها تحتوي على كنوز معرفية لا تقدر بثمن. قضى سنوات يبحث عن أدلة لوجودها. آخر ما سمعناه عنه، أنه كان يستعد لرحلة استكشافية في الصحراء الغربية."
"مدينة الألف عمود؟" تكرر عمي. "لم أسمع بهذا الاسم من قبل."
"والدي كان يتحدث عن 'مدينة الألف عمود' في بعض رسائله،" قلت. "كان يصفها بأنها 'قلب الأرض النابض'. هل هناك أي مكان محدد كان يبحث فيه الدكتور فؤاد؟"
"كان لديه خريطة قديمة،" قالت السكرتيرة. "كانت مرسومة بخط اليد، وفيها علامات غريبة. كان يحتفظ بها في مكتبه الخاص، ولكن بعد تقاعده، لم يعد لدينا أي علم بها. ربما تكون في أرشيف الجامعة، أو ربما أخذها معه."
شعرنا بخيبة أمل، ولكننا لم نستسلم. بدأنا في البحث في الأرشيف، بين الكتب القديمة والملفات المتراكمة. كانت عملية مرهقة، لكننا كنا مدفوعين بالأمل. وبين كومة من الأوراق المنسية، وجدنا صندوقاً خشبي صغير. عليه اسم الدكتور فؤاد.
داخل الصندوق، كانت هناك مجموعة من الأوراق، ومن بينها خريطة قديمة. كانت خريطة للصحراء الغربية، مرسومة يدوياً، وعليها علامات غريبة، ورموز لم أفهمها. كانت هناك أيضاً ملاحظات مكتوبة بخط الدكتور فؤاد، تشير إلى "النقوش الحجرية" و "بوابة الزمن".
"هذه هي الخريطة التي تحدثت عنها السكرتيرة!" هتف عمي.
"وما هذه الرموز؟" سألت، وأنا أحاول فك شفرتها.
"أعتقد أنها مرتبطة بما وجدناه في دفتر والدك،" قلت. "يبدو أن والدي والدكتور فؤاد كانا يتعاونان في البحث عن هذه المدينة الأسطورية. ربما تكون اللوحة نفسها مفتاحاً أو دليلاً للوصول إليها."
بدأت أشعر بأنني أرى الصورة تتضح. لم تكن اللوحة مجرد عمل فني، بل كانت جزءاً من لغز أكبر، لغز مرتبط بمدينة مفقودة، وبمعرفة قديمة. شعرت بمسؤولية ضخمة تقع على عاتقي. كان يجب أن أجد الدكتور فؤاد، وأن أفهم القصة الكاملة.
خرجنا من الجامعة، ونحن نحمل الخريطة والأمل. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة على أرجاء المكان. نظرت إلى الخريطة، وشعرت بأنني على أعتاب مغامرة جديدة، مغامرة قد تقودني إلى اكتشافات لم أتخيلها أبداً.