لغز اللوحة المفقودة
الفصل 23 — ظل الماضي وحقيقة متكشفة
بقلم سلمى الجابري
الفصل 23 — ظل الماضي وحقيقة متكشفة
عدنا إلى المنزل، وقلوبنا مليئة بالأسئلة، وأيدينا تحمل خريطة الصحراء الغربية الغامضة. كانت اللوحة المسروقة لم تعد مجرد هدف، بل أصبحت رمزاً لشيء أعمق، لسر قديم كان والدي ووالد الدكتور فؤاد يبحثان عنه. أمضينا بقية اليوم في محاولة ربط الرموز الموجودة على الخريطة بتلك الموجودة في دفتر والدي. كانت العملية أشبه بجمع قطع أحجية ضخمة، كل قطعة تكشف عن جزء صغير من الصورة الكبيرة.
في المساء، وبينما كنا نتناول العشاء في صمت، طرق الباب بقوة. كان طارق، ابن عمي، يقف على عتبة الباب، وعلى وجهه علامات القلق والإثارة.
"جئت لأخبركم بشيء،" قال وهو يدخل، "كنت أراقب المنزل منذ أيام، بعد أن استأجرني شخص ما لمراقبة اللوحة. بالأمس، رأيت رجلاً غريباً يتحدث مع أحد الموظفين في المعرض الذي كانت معروضة فيه اللوحة. كان الرجل يبدو عليه الثراء، وكان يدفع له الكثير من المال."
"من كان هذا الرجل؟" سألت، وشعرت بقلبي يخفق بقوة.
"لا أعرف اسمه،" أجاب طارق، "لكنني رأيته مرة أخرى اليوم. كان يقود سيارة سوداء فخمة، وكان يتجول بالقرب من منزلنا. يبدو أنه مهتم حقاً باللوحة."
"هل حاولت التعرف عليه؟" سأل عمي عادل.
"حاولت،" قال طارق، "لكنه كان حذراً جداً. لكنني تمكنت من التقاط صورة لوجهه. ربما يساعدكم هذا."
أخرج طارق هاتفه، وعرض صورة لرجل يبدو عليه الغرور، وله نظرة حادة. تعرفت عليه فوراً. كان هو الرجل الذي قابلته في المعرض، الرجل الذي ادعى أنه صحفي.
"هذا هو الرجل الذي كنت أتحدث معه!" قلت. "لقد خدعني. لم يكن صحفياً على الإطلاق."
"من يكون هذا الرجل؟" سأل عمي.
"لا أدري،" أجبت، "لكن يبدو أنه هو من خطط لسرقة اللوحة، أو على الأقل، هو من يقف وراءها. ربما يكون هو الشخص الذي كان والدي يحذرني منه."
شعرنا بالخطر يقترب. لم نكن وحدنا في هذه المعركة، وكان خصمنا يبدو قوياً وذو نفوذ. في تلك الليلة، لم أستطع النوم. كنت أفكر في والدي، وفي الأسرار التي تركها. هل كانت اللوحة هي كل ما في الأمر، أم أن هناك شيئاً أعمق؟
في الصباح التالي، قررت أن أذهب إلى المعرض مرة أخرى. طلبت من عمي أن يبقى في المنزل، بينما ذهبت أنا وطارق. كان المعرض هادئاً، وكان الموظفون يبدون قلقين. تحدثت إلى المدير، وسألته عن أي تفاصيل عن الرجل الذي رأيته.
"لقد كان رجلاً غامضاً،" قال المدير. "لم يكشف عن هويته. لكنه سألني الكثير عن اللوحة، وعن تاريخها، وعن الأشخاص الذين كانوا مهتمين بها. كنت أعتقد أنه صحفي، لكنني الآن أشعر بالشك."
"هل يمكنك تزويدي بقائمة بجميع الأشخاص الذين قدموا طلبات لفحص اللوحة، أو لأي معلومات عنها؟" سألت.
"بالتأكيد،" قال المدير، وبدأ في البحث في سجلاته.
وجدنا اسماً لشركة استثمار غامضة، اسمها "شركة الأمل الذهبي"، كانت قد قدمت طلباً لشراء اللوحة قبل أشهر، لكن الطلب تم رفضه. كان اسم المدير التنفيذي للشركة هو "السيد سليمان".
"السيد سليمان!" صرخ طارق. "لقد رأيت هذا الرجل. هو نفس الرجل الذي يملك السيارة السوداء الفخمة."
"شركة الأمل الذهبي..." تمتمت. "اسم يبدو بريئاً، لكن يبدو أنه يخفي وراءه نوايا أخرى."
بدأت في البحث عن معلومات حول هذه الشركة. وجدت أنها شركة استثمار كبيرة، تعمل في مجالات متنوعة، لكنها كانت معروفة بنشاطاتها الغامضة. لم يكن هناك الكثير من المعلومات المتاحة عنها، مما زاد من شكوكي.
بينما كنا نتفحص أوراق والدي مرة أخرى، وجدت ورقة صغيرة مطوية، كانت مخبأة بين رسائله. كانت تحمل شعار "شركة الأمل الذهبي"، وكان مكتوباً عليها بخط والدي: "لا تثقوا بهم. هدفهم ليس المال، بل السيطرة."
"يا إلهي!" هتفت. "كان والدي يعرف عنهم. كان يحاول تحذيري."
"إذاً، هذا الرجل، السيد سليمان، هو من يقف وراء كل هذا،" قال عمي. "لكنه لماذا يريد اللوحة؟ وماذا تعني جملة 'هدفهم ليس المال، بل السيطرة'؟"
"ربما لا تكون اللوحة مجرد لوحة،" قلت، "ربما تكون مفتاحاً لشيء أكبر. ربما لهذا السبب يسعى السيد سليمان وراءها بكل قوته."
في تلك اللحظة، رن هاتفي. كان رقماً غريباً. أجبت بحذر.
"هل أنت الابن الذي يبحث عن اللوحة؟" سمعت صوتاً رجولياً خشناً.
"من أنت؟" سألت.
"أنا 'المرشد' الذي تحدث عنه والدك،" أجاب الصوت. "أعرف كل شيء عن اللوحة، وعن الدكتور فؤاد، وعن السيد سليمان. لدي بعض المعلومات التي قد تفيدك. لكن يجب أن نلتقي في مكان آمن."
شعرنا بالترقب. هل هذا هو المرشد حقاً؟ هل سنحصل أخيراً على إجابات؟
"أين يمكن أن نلتقي؟" سألت.
"غداً، في الساعة العاشرة صباحاً، عند تمثال 'الحارس' في حديقة المدينة القديمة،" أجاب الصوت، ثم أغلق الخط.
نظرنا إلى بعضنا البعض، مزيج من الخوف والأمل يغطي وجوهنا. كانت اللحظة الحاسمة قد اقتربت. لم نكن نعرف ما إذا كان هذا المرشد صديقاً أم عدواً، لكننا كنا على استعداد للمخاطرة.