لغز اللوحة المفقودة
الفصل 24 — لقاء الحارس ورؤية المفقودة
بقلم سلمى الجابري
الفصل 24 — لقاء الحارس ورؤية المفقودة
مع بزوغ شمس يوم جديد، انتابني شعور مختلط من الترقب والقلق. كان لقاء "المرشد" سيحدث بعد ساعات قليلة، وكان قلبي يقرع طبولاً داخل صدري. ارتديت ملابسي، وشعرت بأنها أثقل من أي وقت مضى. نظرت في المرآة، ورأيت في عينيّ إصراراً لم أعهده من قبل. كان والدي قد ترك لي مهمة، وكان عليّ إنجازها، مهما كان الثمن.
وصلت إلى حديقة المدينة القديمة قبل الموعد المحدد. كانت الحديقة هادئة، وعبق الزهور يملأ الأجواء. توجهت نحو تمثال "الحارس"، وهو تمثال حجري ضخم يقف شامخاً عند مدخل الحديقة، يمثل محارباً قديماً يحمي المدينة. كان التمثال مهيباً، وكأنه يحمل أسراراً قديمة.
جلست على مقعد قريب، أتأمل المكان. كان هناك عدد قليل من الأشخاص في الحديقة، يتجولون بهدوء. ثم، رأيته. رجل مسن، ذو لحية بيضاء وشعر رمادي، يرتدي ملابس بسيطة، يمشي ببطء نحوي. كان يحمل عصا خشبية، وعيناه تحملان عمقاً وحكمة. كان هو "المرشد".
تقدم نحوي، وجلس على المقعد المقابل. نظر إليّ بعينين طيبتين، وابتسامة دافئة ارتسمت على شفتيه. "أهلاً بك يا بني. أعرف أنك تنتظرني. أنا الدكتور فؤاد."
صدمت. لم أتوقع أن يكون "المرشد" هو الدكتور فؤاد، صديق والدي. "الدكتور فؤاد؟ أنت المرشد؟"
"نعم،" أجاب بابتسامة. "والدك، رحمه الله، كان رجلاً حكيماً. كان يعرف أنني سأكون الشخص المناسب لمساعدتك. لقد كنت أراقبك عن بعد، وأرى كيف تتعامل مع الأمور. أنت تسير على الطريق الصحيح."
"لكن لماذا كل هذه السرية؟ ولماذا لم تتصل بي من قبل؟" سألت.
"الموقف كان حساساً،" أوضح الدكتور فؤاد. "السيد سليمان ورجاله كانوا يراقبون كل تحركاتنا. كان علينا أن نكون حذرين. الآن، بعد أن كشفت عن بعض الأسرار، أصبح بإمكاننا التحدث بصراحة أكبر."
"أنا قلق بشأن اللوحة،" قلت. "هل تعرف أين هي؟"
"نعم، أعرف،" أجاب الدكتور فؤاد. "السيد سليمان حصل عليها. لكنه لا يدرك قيمتها الحقيقية. اللوحة ليست مجرد تحفة فنية، بل هي مفتاح. مفتاح لـ 'مدينة الألف عمود' التي كنا نبحث عنها أنا ووالدك."
"مدينة الألف عمود؟" تكرر. "ما هي هذه المدينة؟"
"إنها مدينة أسطورية، يا بني،" بدأ الدكتور فؤاد يشرح. "مدينة فقدت عبر الزمن، لكنها تحتوي على معرفة قديمة، وحكمة لا تقدر بثمن. والدك، رحمه الله، كان يعتقد أن اللوحة تحمل رموزاً تشير إلى موقع المدينة. لقد قضى سنوات يبحث عن هذه الرموز، ووجدها أخيراً مرسومة على اللوحة."
"والآن، السيد سليمان يمتلك اللوحة. هل سيتمكن من فهم هذه الرموز؟" سألت بقلق.
"لا،" أجاب الدكتور فؤاد. "السيد سليمان يبحث عن الثروة والسلطة، وليس عن المعرفة. إنه يعتقد أن اللوحة قيمة مادياً فقط. لكن الرموز التي عليها تتطلب فهماً عميقاً للتاريخ، وللثقافات القديمة. والدك ترك لي بعض الأوراق التي قد تساعدنا على فك هذه الرموز."
ثم بدأ الدكتور فؤاد في إخراج مجموعة من الأوراق من حقيبته. كانت أوراقاً قديمة، عليها رسومات ورموز تشبه تلك الموجودة في دفتر والدي.
"هذه أبحاثي وأبحاث والدك،" قال. "لقد عملنا معاً لسنوات، نحاول كشف أسرار هذه المدينة. اللوحة هي آخر قطعة في الأحجية. الرموز الموجودة عليها، عند تجميعها مع ما لدينا، ستشير إلى موقع دقيق للمدينة."
"ماذا عن السيد سليمان؟ ماذا سيفعل؟" سألت.
"لقد أبلغت السلطات بما أعرفه عن أنشطته المشبوهة،" قال الدكتور فؤاد. "لكنهم بحاجة إلى دليل قاطع. اللوحة هي الدليل الذي نحتاجه. يجب أن نستعيدها قبل أن يكتشف السيد سليمان قيمتها الحقيقية."
"كيف يمكننا استعادتها؟" سألت، وشعرت بمسؤولية كبيرة.
"السيد سليمان سيعقد مزاداً خاصاً لبيع اللوحة قريباً،" أجاب الدكتور فؤاد. "سيكون فرصة لنا للدخول، واستعادتها. لكن الأمر سيكون خطيراً."
"أنا مستعد لأي شيء،" قلت بحزم. "يجب أن أستعيد اللوحة، وأن أحمي إرث والدي."
ابتسم الدكتور فؤاد. "أعرف أنك ستفعل. والدك كان فخوراً بك. الآن، دعنا نذهب إلى مكتبي، لندرس هذه الأوراق معاً، ونضع خطة لاستعادة اللوحة."
ذهبنا إلى مكتب الدكتور فؤاد، وهو مكان يفوح منه عبق الكتب القديمة، ورائحة القهوة. كان المكتب مليئاً بالخرائط، والتماثيل الصغيرة، والكتب المتكدسة. جلسنا معاً، وبدأنا في دراسة الأوراق. كانت عملية معقدة، لكن الدكتور فؤاد كان يشرح كل شيء بصبر.
بدأنا في مقارنة الرموز الموجودة على اللوحة (كما وصفتها في ذاكرتي) بالرموز الموجودة في أوراق الدكتور فؤاد. كانت هناك رموز متشابهة، وأخرى تكمل بعضها البعض. شيئاً فشيئاً، بدأ شكل معين يظهر.
"هذه النجوم..." قال الدكتور فؤاد، مشيراً إلى رسم في دفتر والدي. "إنها تشير إلى موقع جغرافي محدد. وعندما نربطها بالرموز الموجودة على اللوحة، فإنها تشير إلى صحراء الربع الخالي. والدك كان على حق، المدينة موجودة هناك."
"لكن كيف يمكن للسيد سليمان أن يذهب إلى هناك؟" سألت. "إنها منطقة نائية وصعبة."
"السيد سليمان لديه موارد كبيرة،" أجاب الدكتور فؤاد. "يمكنه استئجار مرتزقة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة. لكنه لن يتمكن من فك الألغاز بنفسه. واللوحة هي المفتاح الذي يحتاجه."
في تلك اللحظة، شعرت بأنني أفهم لماذا يريد والدي أن أجد اللوحة. لم تكن مجرد لوحة، بل كانت مفتاحاً للحقيقة، ولإرث عظيم. كانت رؤية "اللوحة المفقودة" تقترب، ولكن الثمن كان لا يزال مجهولاً.