لغز اللوحة المفقودة
الفصل 3 — همساتٌ من الماضي
بقلم سلمى الجابري
الفصل 3 — همساتٌ من الماضي
بعد اكتشاف لوحة "لؤلؤة الشرق" في مرسم جدها، شعرت "ليلى" بأنها قد خطت خطوةً هائلةً نحو فهم اللغز. لكن هذا الفهم كان مجرد بداية، وبدايةً مليئةً بالأسئلة أكثر من الإجابات. بقيت اللوحة معلقةً في غرفةٍ خاصةٍ، تراقبها ليلى بعينٍ متفحصة، محاولةً استيعاب كل تفصيلٍ فيها. كانت تلك المرأة، جدة جدها، تبدو وكأنها تهمس لها بقصصٍ من الماضي.
قررت ليلى أن تعود إلى الرسالة الغامضة. "صديق قديم". من هو هذا الشخص؟ ولماذا يطلب من جدها أن يبدأ البحث؟ وهل كان جدها قد بدأ بالفعل؟
لم تجد في مذكرات جدها ما يدل على أي لقاءاتٍ أو اتصالاتٍ مع شخصٍ بهذا الوصف. لكنها وجدت إشاراتٍ متكررةً إلى "مشروعه السري" و"بحثه الطويل". كان جدها، الفنان الكبير، يبدو أنه كان يخفي سراً فنياً وشخصياً في آنٍ واحد.
في أحد الأيام، وبينما كانت تتصفح بعض الأوراق القديمة في مكتب جدها، وجدت ظرفاً أبيضَ يحمل اسم جدها. كان الظرف مغلقاً، ولم يكن مكتوباً عليه أي شيءٍ آخر. فتحته بفضول، فوجدت بداخله ورقةً واحدةً. كانت الورقة تحتوي على بضع كلماتٍ مكتوبةٍ بخطٍ مختلفٍ عن خط جدها، ولكنه أنيقٌ وواضحٌ: "في زاويةِ الأرشيف، خلفَ خزانةِ الرسائل، ستجدُ مفتاحَ البداية. ابدأْ من حيثُ انتهيتَ، لا تدعْها تُكتشف."
"الأرشيف"، "خزانة الرسائل"، "مفتاح البداية". شعرت ليلى بأن هذه الرسالة هي تكملةٌ لتلك التي وجدتها في الصندوق. يبدو أن جدها كان يتواصل مع هذا "الصديق القديم" بشكلٍ سريٍّ، وأن هناك من يساعده في كشف اللغز.
توجهت ليلى فوراً إلى الغرفة التي كانت تُستخدم كأرشيفٍ قديمٍ. كانت الغرفة مظلمةً، مليئةً بالأرفف العالية التي تحمل صناديقَ صناديقَ من الأوراق، والملفات، والكتب. بدأت تبحث عن "خزانة الرسائل". بعد فترةٍ من البحث، وجدت خزانةً خشبيةً كبيرةً، كانت مليئةً برسائلَ قديمةٍ، معبأةً في مظاريفَ صفراءَ.
كانت المهمة شاقةً، فعدد الرسائل كان هائلاً. بدأت ليلى تتفحص كل صندوقٍ على حدة، تبحث عن أي شيءٍ يثير فضولها. تذكرت العبارة "في زاويةِ الأرشيف". بدأت تبحث في الزوايا.
في إحدى الزوايا، خلف رفٍّ مليءٍ بالملفات، وجدت شيئاً غريباً. كانت هناك لوحةٌ خشبيةٌ صغيرةٌ، تبدو كأنها قطعةٌ من بابٍ قديم. كانت ملطخةً بالتراب، لكنها تحمل رسماً خفيفاً لرمزٍ لم تعرف معناه. نظرت حولها، ثم تذكرت "خزانة الرسائل". هل كانت اللوحة الخشبية هي "مفتاح البداية"؟
بدأت ليلى تفحص الخزانة الخشبية بدقةٍ أكبر. كانت الأدراج مغلقةً بإحكام. نظرت إلى اللوحة الخشبية مرةً أخرى. بدت وكأنها تحمل شكلاً مستطيلاً في منتصفها، يشبه إلى حدٍّ ما شكلاً مستطيلاً موجوداً على أحد أدراج الخزانة.
وضعت ليلى اللوحة الخشبية على الدرج، وحاولت أن تدفعها في الفتحة المستطيلة. لم تتناسب تماماً. شعرت بالإحباط. لكنها لاحظت أن اللوحة الخشبية يمكن أن تُدار. حاولت تدويرها، وبمجرد أن أصبحت في الوضع الصحيح، سمعت صوت "طقطقة" خافتة، وانفتح الدرج.
داخل الدرج، وجدت ليلى مجموعةً من الرسائل المكتوبة بخط يد جدها، ودفتر ملاحظاتٍ صغيرٍ آخر، وعلبةً معدنيةً صغيرةً. بدأت بتقليب الرسائل. كانت معظمها موجهةً إلى شخصٍ يُدعى "كمال". لم تعرف من هو كمال. لكنها وجدت رسالةً من "كمال" إلى جدها، تعود إلى تاريخٍ قديمٍ جداً. كانت الرسالة تتحدث عن "حماية الأمانة" وعن "وعدٍ قديم".
ثم فتحت دفتر الملاحظات. كان مليئاً بالرسومات الأولية، والملاحظات حول لوحاتٍ مختلفة. لكنها وجدت صفحةً مخصصةً للوحة "لؤلؤة الشرق". كانت هناك ملاحظاتٌ تفصيليةٌ عن ألوانٍ معينةٍ، وعن تقنياتٍ فنيةٍ. ولكنها وجدت أيضاً ملاحظةً غريبةً: "الوشاح يحمل المفتاح. الألوان ليست مجرد ألوان."
"الوشاح يحمل المفتاح. الألوان ليست مجرد ألوان." عادت ليلى إلى الوشاح الحريري الذي وجدته في الصندوق. بدأت تفحصه بعنايةٍ فائقة. كانت خيوطه الذهبية والفضية تتشابك بطريقةٍ معقدة. نظرت عن قرب، ولاحظت أن بعض الخيوط الذهبية كانت ملونةً بألوانٍ خفيفةٍ جداً، بالكاد يمكن رؤيتها. هل كانت هذه الألوان هي المقصودة؟
أخذت العلبة المعدنية الصغيرة. فتحتها، فوجدت بداخلها مجموعةً من العدسات المكبرة، وبعض أدوات الرسم الدقيقة. بدا وكأن جدها كان يعدّ العدة لإجراء فحصٍ دقيقٍ للوشاح، وربما للوحة نفسها.
جلست ليلى مع الوشاح، وواحدةٌ من العدسات المكبرة. بدأت تتفحص الألوان الخفيفة على الخيوط الذهبية. كانت عبارة عن نقاطٍ صغيرةٍ جداً، تشكل أنماطاً دقيقةً. بدأت ترسم هذه الأنماط على ورقةٍ، محاولةً فهمها.
بعد ساعاتٍ من التركيز، بدأت الأنماط تتضح. لم تكن مجرد نقاطٍ عشوائية، بل كانت تتجمع لتشكل حروفاً صغيرةً، ورموزاً. لم تستطع فهم المعنى الكامل، لكنها شعرت بأنها تقترب من شيءٍ ما.
تذكرت الرسالة التي وجدتها في الصندوق: "إذا كنت حقاً تريد أن تجدها، فعليك أن تبدأ من حيث انتهيت." يبدو أن جدها قد توقف في مرحلةٍ معينةٍ، وأن "كمال" كان يساعده على إكمال البحث.
قررت ليلى أن تبدأ بتفحص اللوحة نفسها بتفصيلٍ أكبر. أخذت العدسات المكبرة، وتوجهت إلى اللوحة. بدأت تتفحص كل جزءٍ منها، خاصةً الوشاح الذي تحمله المرأة. لاحظت أن هناك بعض الأماكن التي تبدو فيها الألوان مختلفةً قليلاً، وكأنها قد تم ترميمها أو تغييرها.
وبينما كانت تتفحص الوشاح المرسوم في اللوحة، لاحظت شيئاً غريباً. في أحد الأجزاء، كانت هناك خيوطٌ ذهبيةٌ تبدو وكأنها تحمل نفس الأنماط الدقيقة التي وجدتها على الوشاح الحقيقي. شعرت بأنها قد وجدت الخيط الرابط.
"الألوان ليست مجرد ألوان." كانت هذه الكلمات تعني الكثير الآن. يبدو أن الألوان كانت تحمل رسالةً مشفرةً، وأن الوشاح كان يحمل مفتاح هذه الرسالة.
لم تكن ليلى متأكدةً مما يجب فعله بعد ذلك. لكنها شعرت بأنها قد بدأت رحلةً شيقةً، رحلةً ستكشف لها أسراراً عائليةً عميقة، وأسراراً فنيةً لم تكن لتتخيلها.