الفصل 12 / 21

أثقال العائلة

الفصل 12 — لقاءٌ في ظل الشك والريبة

بقلم أمل الشمري

الفصل 12 — لقاءٌ في ظل الشك والريبة

في صباح اليوم التالي، استيقظ فارس مبكرًا. لم تكن رؤية جدته والحديث عن السر القديم مجرد قصة عابرة، بل أصبحت دافعًا قويًا له. قرر أن يبدأ رحلته في البحث عن هذا الفرع المفقود من العائلة. أول خطوة، حسب رأيه، هي محاولة استنباط المزيد من المعلومات من كبار السن في العائلة.

لكن من كان الأقرب إلى معرفة أسرار الماضي؟ بالتأكيد، خالته الكبرى، السيدة سلوى. كانت دائمًا الأكثر احتفاظًا بالأسرار، والأكثر إدراكًا للتاريخ العائلي. كان لقاؤه بها في شقتها الفاخرة في حيٍ راقٍ من المدينة، مقرونًا بمشاعر مختلطة من الأمل والترقب، ممزوجة ببعض الريبة. فالسيدة سلوى، رغم صلاتها العائلية، كانت معروفة بتعقيد شخصيتها وربما ببعض التحفظات.

وصل فارس إلى شقة السيدة سلوى، واستقبله طارق، ابنها الوحيد، وهو شابٌ في منتصف العمر، يبدو عليه الهدوء والرزانة. "أهلًا بك يا فارس. تفضل، والدتي في انتظارك."

دخل فارس إلى غرفة المعيشة، حيث كانت السيدة سلوى تجلس، ترتدي ملابس أنيقة، وتضع نظارة طبية رفيعة على أنفها. "أهلًا بك يا بني. تفضل بالجلوس."

جلس فارس، وحاول أن يبتسم بثقة. "شكرًا لك يا خالتي. أردت أن أزورك وأطمئن عليك."

"وأنا سعيدة بزيارتك. أنت تعلم أنني أحب رؤية شباب العائلة. خاصةً وأنك استقريت هنا بيننا. هذا يسعدني."

بدأ فارس الحديث بعموميات، يتحدث عن أحواله، وعن صعوبة التأقلم في البداية، ثم بدأ ينسج خيوط حديثه بلطف. "يا خالتي، كنت أفكر كثيرًا في الأيام الخوالي. في أيام جدي، رحمه الله. كانت فترة مليئة بالأحداث، أليس كذلك؟"

رفعت السيدة سلوى حاجبيها قليلًا. "نعم، كانت أيامًا مختلفة. جدك كان رجلًا له هيبته، وله قراراته."

"بالتأكيد. وقد سمعت قصصًا كثيرة عنه. لكن دائمًا ما تشعر أن هناك جوانب لا نعرفها، أسرارًا دفينة."

لاحظت السيدة سلوى تغيرًا في نبرة صوت فارس. نظرت إليه بتمعن، وارتسمت على وجهها علامات الانتباه. "ماذا تقصد يا بني؟"

"كنت أتحدث مع الجدة فاطمة مؤخرًا. تحدثنا عن الماضي، عن ذكريات جدك. وذكرت لي شيئًا... شيئًا جعلني أتساءل كثيرًا."

صمتت السيدة سلوى للحظة، وبدت وكأنها تفكر في رد. "ماذا ذكرت لك الجدة؟"

"ذكرت أن جدي... أن له ابنًا آخر. ابنًا لم يعترف به رسميًا. من امرأةٍ أخرى."

اتسعت عينا السيدة سلوى قليلًا، ثم عادت إلى طبيعتها. ابتسمت ابتسامةً خفيفة، بالكاد تصل إلى عينيها. "الجدة فاطمة، كما تعلم، تحب أن تعيش في الماضي. ربما تكون مجرد قصة نسجتها من وحي خيالها."

"لا يا خالتي. لقد رأيت رسائل. وصورًا. يبدو أن الأمر حقيقي."

عاد الصمت يخيم على المكان. شعرت فارس بالتوتر. كانت السيدة سلوى تبدو متماسكة، لكنه كان يرى في عينيها شيئًا من القلق.

"هذه أمورٌ قديمة جدًا يا فارس. أمورٌ لا يجب أن تعود للظهور. جدك، رحمه الله، كان له أسبابه. وكانت تلك الأسباب تتعلق بمصلحة العائلة."

"لكن ألا يحق لهذا الابن، إن كان موجودًا، أن يعرف؟ ألا يحق لأحفاده؟"

"العائلة لها قوانينها يا فارس. ولها أسرارها. بعض الأسرار يجب أن تبقى مدفونة."

"لكن هل هذا عدل؟ أن نحرم شخصًا من حقه، ومن معرفة أصوله، بسبب قراراتٍ اتخذها الآخرون؟"

تنهدت السيدة سلوى. "الجدة فاطمة، على الرغم من طيبتها، إلا أنها أحيانًا تفتح أبوابًا كان يجب أن تبقى مغلقة. إنها عواطف. وأنا، كشخصٍ مرّ بالكثير، أعرف أن الحياة ليست دائمًا عواطف. هناك واقعٌ قاسٍ يجب مواجهته."

"وما هو هذا الواقع القاسي الذي تتحدثين عنه؟"

"الواقع هو أن هذه الأمور قد تسبب مشاكل. قد تفتح أبوابًا للصراع، وللشك، وللتفرقة. هل أنت مستعدٌ لمواجهة كل هذا؟ هل أنت مستعدٌ لترى العائلة تنقسم؟"

"أنا مستعدٌ لأي شيءٍ يكشف الحقيقة، يا خالتي. لم أعد أهتم بالميراث فقط، بل بالعدالة. وإذا كان هناك فرعٌ مفقود من عائلتنا، فيجب أن نجد طريقه إلينا."

نظرت إليه السيدة سلوى نظرةً طويلة، وكأنها تقيّمه. "جدك، كان رجلًا حكيمًا. لكنه أيضًا كان رجلًا عاطفيًا. وقراراته في تلك الفترة كانت تحت ضغطٍ كبير. لم يكن الأمر سهلًا عليه."

"من هي المرأة؟ وهل لديهما أطفال؟" سأل فارس بلهفة.

"لا أعرف الكثير. كنت صغيرةً وقتها. كل ما أذكره أن جدي كان دائمًا يبدو حزينًا. وكأن شيئًا ما يثقل قلبه."

"هل تتذكرين أي أسماء؟ أي تفاصيل؟"

"الاسم الذي سمعته... كان اسمًا غريبًا. لا أتذكره جيدًا. ربما كان اسم المرأة... أو اسم الطفل. لا أدري."

شعرت فاطمة بخيبة أمل. كانت تتوقع أن تجد لدى خالته بعض الإجابات المباشرة، لكنها بدت مترددة، وكأنها تخشى أن تكشف كل شيء. "ولماذا هذا التردد يا خالتي؟ هل تخشين شيئًا؟"

"أخشى على العائلة يا فارس. أخشى أن تفتح هذه القصة جراحًا قديمة. وجدك، رحمه الله، لم يرغب أبدًا في إثارة هذه الأمور. لقد اختار أن يعيش مع هذا السر."

"لكنه كان يعيش في عذاب. والجدة فاطمة قالت إنه كان يحمل هذا العبء طوال حياته. أليس من واجبنا أن نريح روحه، بأن نصحح ما يمكن تصحيحه؟"

تنهدت السيدة سلوى بصوتٍ مسموع. "حسناً يا فارس. سأقول لك ما أتذكره، لكن أعدني بأنك ستكون حذرًا. وأنك لن تتسرع. وأنك ستضع مصلحة العائلة فوق كل اعتبار."

"أعدك يا خالتي."

"المرأة، كان اسمها... ليلى. نعم، ليلى. كانت فنانة. ورسمت لوحةً رائعة لجدك. قال إنها أجمل ما رآه في حياته. لكن لم يتمم الزواج. كانت هناك اختلافات كبيرة بين عائلتها وعائلتنا. لم يستطع جدك أن يتجاوزها."

"وهل لديهما طفل؟"

"نعم. ولدٌ. كان اسمه... اسمه... علي. نعم، علي. كان عمره بضع سنوات عندما انقطعت الصلة."

"أين هم الآن؟ هل لديك أي فكرة؟"

"لا. لا أعرف. سمعت أن ليلى، والدته، كانت تعاني من مرضٍ ما. وأنها ربما رحلت. أما الطفل... فالله وحده أعلم بمصيره."

شعر فارس ببعض الإحباط، لكنه كان سعيدًا لأنه حصل على اسمين: ليلى وعلي. هذه كانت بداية. "شكرًا لك يا خالتي. معلوماتك قيمة جدًا."

"تذكر يا فارس، هذه الأمور حساسة. لا تخبر بها أحدًا. خاصةً والدك. ولا إخوتك. ربما يكون من الأفضل أن تبقى هذه الأسرار في طي النسيان. من أجل سلام العائلة."

"سأكون حذرًا يا خالتي. لكنني لن أتوقف عن البحث."

خرج فارس من شقة السيدة سلوى، وشعر بشيء من الثقل. كان لقاؤه بها قد أضاف بعض التفاصيل، لكنه زاد أيضًا من الشك والريبة. لماذا كانت مترددة جدًا؟ ولماذا أرادت أن يبقي الأمر سرًا؟ هل كان هناك ما هو أكثر من مجرد اختلافات عائلية؟ هل كان هناك خوفٌ حقيقي من عواقب الكشف عن هذا السر؟

في طريقه، مرّ بحديقةٍ صغيرة، وجلس على أحد المقاعد. أمسك بهاتفه، وبدأ يبحث عن اسم "ليلى" و"علي" مع أي معلوماتٍ متعلقة بالعائلة أو بفترة الستينيات والسبعينيات. كانت المهمة شاقة، لكنه شعر الآن بأنه يملك خيوطًا ليمسك بها. خيوطٌ قد تقوده إلى جزءٍ مفقود من ماضيه، ومن ماضي عائلته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%