أثقال العائلة
الفصل 13 — مواجهة الرجل العجوز والاعتراف المؤلم
بقلم أمل الشمري
الفصل 13 — مواجهة الرجل العجوز والاعتراف المؤلم
كان فارس يتنقل بين السجلات القديمة، والمقالات الصحفية، ومواقع التواصل الاجتماعي، باحثًا عن أي أثر لـ "ليلى" أو "علي". كانت مهمته أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. مرت أيام، وأسابيع، دون أن يصل إلى أي نتيجة ملموسة. بدأ الشعور بالإحباط يتسرب إلى روحه، لكنه كان يتذكر وجه جدته وهي تطلب منه البحث، ويتذكر كلمات خالته السيدة سلوى المترددة، مما كان يدفعه للاستمرار.
ذات مساء، بينما كان يتصفح أرشيفًا قديمًا لإحدى الصحف المحلية، لفت انتباهه إعلانٌ صغير عن معرض فني قديم يعود لعقد السبعينيات. كان المعرض يحمل عنوان "ألوانٌ من الشرق"، ويضم أعمال فنانين ناشئين. كان بين أسماء الفنانين اسم "ليلى منصور".
شعر فارس بنبضة أمل قوية. هل يمكن أن تكون هي؟ منصور، اسمٌ شائع، لكن "ليلى" مع "معرض فني" في تلك الفترة، بدا وكأنه خيطٌ قوي. بحث عن "ليلى منصور" بشكلٍ مباشر. وجد بعض الصور الباهتة لفنانة شابة، تتمتع بملامح شرقية جميلة، وعينين واسعتين. كان هناك مقالٌ قصير يتحدث عن موهبتها، وعن شغفها بالألوان، لكنه لم يذكر أي تفاصيل شخصية أخرى.
كانت هذه الخطوة الأولى، لكنها لم تكن كافية. كان بحاجة إلى معرفة ما إذا كانت هذه "ليلى" قد أنجبت طفلًا، وما إذا كان اسمه "علي". كان يعلم أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن المعلومات التي حصل عليها حتى الآن قد تكون مجرد صدفة.
قرر فارس أن يتوجه إلى وجهةٍ أخرى، وجهةٌ قد تحمل مفاتيح أقدم وأكثر عمقًا. لقد فكر في عم جده، السيد أحمد، الرجل العجوز الذي كان يعيش في عزلةٍ شبه تامة في منزلٍ قديم على أطراف المدينة. كان السيد أحمد هو الشقيق الوحيد المتبقي لجده، وغالبًا ما يكون الأقرب إلى أسرار الماضي.
وصل فارس إلى منزل السيد أحمد. كان المنزل قديمًا، يعكس ذوقًا بسيطًا، لكنه كان نظيفًا ومنظمًا. استقبله السيد أحمد بترحيبٍ هادئ، وكان وجهه يحمل تجاعيد السنين، وعيناه تلمعان ببريقٍ خافت.
"أهلاً بك يا بني. لم أتوقع زيارتك." قال السيد أحمد بصوتٍ خافت.
"أهلاً بك يا عمي. أردت أن أطمئن عليك، وأن أتحدث معك قليلاً."
جلس فارس بجوار الرجل العجوز، الذي كان يحتسي كوبًا من الشاي. بدأ فارس الحديث بعموميات، يتحدث عن أحوال العائلة، وعن الظروف الحالية، ثم انتقل إلى الموضوع الذي جاء من أجله.
"عمي، كنت أتحدث مع الجدة فاطمة، ومع خالتي سلوى، عن الماضي. عن جدي، رحمه الله. وعن فترة شبابه. وقد ذكروا لي شيئًا... شيئًا جعلني أتساءل."
نظر السيد أحمد إليه ببطء، وكأنما يتوقع هذا السؤال. "ماذا ذكروا لك؟"
"ذكروا أن جدي كان له علاقة بامرأةٍ أخرى، قبل زواجه من الجدة فاطمة. وأن لديهما ابنًا."
ارتعش وجه السيد أحمد. أمسك بكوب الشاي بقوة، وكاد أن يسقطه. "هذه قصةٌ قديمة جدًا يا بني. قصةٌ مؤلمة."
"نعم، أعرف أنها مؤلمة. لكنني أريد أن أفهم. من هي هذه المرأة؟ وماذا حدث؟"
صمت السيد أحمد طويلاً، ثم تنهد بعمق. "ليلى. كان اسمها ليلى. كانت فنانة. شابةً موهوبة، وجميلة. أحبها أخويا حبًا جمًا. وبادلته هي الحب. وأنجبا طفلًا. اسمه علي."
"هل كان ذلك قبل زواجه من الجدة فاطمة؟"
"نعم. بفترةٍ قصيرة. لكن العائلة... لم تقبل بهذا الزواج. كانت هناك اختلافاتٌ كبيرة في الطبقات الاجتماعية، وفي الخلفيات. ضغطوا على أخويا بكل الطرق. وجدوا له العروس المناسبة، من عائلةٍ مرموقة. ولم يكن أمامه خيارٌ سوى الرضوخ."
"هل أجبروه؟" سأل فارس بحدة.
"لم تكن هناك قوةٌ مباشرة، لكنها كانت ضغوطًا نفسية واجتماعية هائلة. إنها سمعة العائلة، ومكانتها. كان أخويا شابًا في مقتبل العمر، ولم يكن يملك القوة الكافية لمقاومة كل ذلك. اضطر أن يختار بين الحب، وبين ما كان يعتبره واجبه تجاه عائلته."
"وماذا حدث لليلى وعلي؟"
"كانت ليلى امرأةً قوية، لكنها أُصيبت بخيبة أملٍ عميقة. وبمرضٍ أضعف جسدها. لم أعد أرى أخويا بعد ذلك. لقد انفصلا تمامًا. أما ليلى وابنها... فانقطعت أخبارهما. سمعت فيما بعد أنها رحلت. وأن ابنها... لا أدري ما حدث له."
"هل حاولت التواصل معهم؟"
"لقد حاولت. في البداية. لكن أخويا كان يرفض الحديث في الأمر. ثم أصبح يتجنبني. لقد حمل هذا السر بداخله طوال حياته. كان يعاني كثيرًا. رأيت ذلك في عينيه. كان دائمًا يبدو حزينًا."
"هل كان يرسل لهم المال؟ هل كان على علمٍ بمصيرهم؟"
"في البداية، حاول أن يرسل لهم بعض المال. لكنه لم يكن يعرف مكانهم. ثم توقف كل شيء. كان الأمر مؤلمًا له. لقد ترك جزءًا من روحه معهم."
شعر فارس بحزنٍ عميق. لقد تأكد أن السر الذي تحدثت عنه الجدة فاطمة كان حقيقيًا، وأن عواقب قرارات الماضي كانت وخيمة.
"هل لديك أي معلوماتٍ عن ليلى أو علي؟ أي تفاصيل عن مكان سكنهم، أو عن أي أقارب لهم؟"
تردد السيد أحمد. "أتذكر أن ليلى كانت تأتي من منطقةٍ قريبة من هنا. منطقةٌ ريفية. ربما كان لديها بعض الأقارب هناك. لكنني لا أتذكر اسم القرية بالضبط. ولا أسماء الأقارب."
"هل تتذكر أي شيءٍ آخر؟ أي شيءٍ قد يساعدني؟"
"أتذكر أن أخويا احتفظ بصورةٍ لـ علي. كان طفلًا صغيرًا، بعينين تشبهان عينيه. كانت الصورة في حقيبته الجلدية القديمة. لكنني لا أعرف أين هي الآن. ربما تكون مع أشياء أخرى تركها."
شعر فارس بأن هذه المعلومات، رغم قلتها، قيمة جدًا. اسم "ليلى"، اسم "علي"، ووصف للقرية، وصورة محتملة. هذه كانت أدواته.
"شكرًا لك يا عمي. لقد ساعدتني كثيرًا."
"أتمنى لك التوفيق يا بني. لكن تذكر، هذه الأمور قديمة. وربما لا يكون لها معنى الآن. قد يكون من الأفضل أن تترك الماضي ليرقد بسلام."
"لكن يا عمي، ربما يكون لهذا الماضي بقايا. ربما يكون هناك أشخاصٌ ينتظرون. أليس من واجبنا أن نجد الحقيقة، ونعطي كل ذي حقٍ حقه؟"
نظر السيد أحمد إلى فارس بتقدير. "أنت شابٌ طيب يا بني. تحمل قلبًا كبيرًا. أتمنى أن تجد ما تبحث عنه، وأن تجلب السلام لروح أخويا... ولأرواح الذين لم نعد نراهم."
خرج فارس من منزل السيد أحمد، وقد ازداد التصميم في قلبه. لم يعد يبحث عن مجرد معلومات، بل عن إجابات، وعن عدالة، وعن استعادة جزءٍ مفقود من تاريخ عائلته. لقد واجه الرجل العجوز، وسمع الاعتراف المؤلم، والآن أصبح لديه اسمٌ ووجهٌ محتملان، واسمٌ لفرعٍ مفقود من العائلة. كانت هذه رحلةٌ طويلة، مليئة بالعواطف والألغاز، لكنه شعر بأنها تستحق العناء.