شروق يتيم
الفصل 18 — مواجهة غير متوقعة
بقلم هند الزهراني
الفصل 18 — مواجهة غير متوقعة
مرت الأيام، وبدأت حدة القلق لدى ليلى تتزايد. كانت ترى في عيون والدها نظرات تحمل شكوكاً متزايدة، وفي ابتسامات والدتها الخفيفة، شعوراً بالترقب. كانت تعلم أن الوقت يقترب، وأن قراراً ما يجب أن يُتخذ. لم تعد قادرة على تحمل هذا التوتر، فقررت أن تتحدث مع والدها مباشرة، وأن تكشف له عن مشاعرها.
في إحدى الأمسيات، بينما كان والدها يجلس في ديوان المنزل، يتأمل في هدوء، قررت ليلى أن تتجرأ. أخذت نفساً عميقاً، ووقفت أمامه.
"أبي،" قالت بصوت مرتجف قليلاً.
رفع السيد رشيد رأسه، ونظر إليها. "نعم يا ليلى؟"
"أريد أن أتحدث معك في أمر هام جداً،" قالت، وهي تنظر إلى الأرض.
"تفضلي، ابنتي. قلبي لكِ مفتوح دائماً." قال والدها بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل شيئاً من التساؤل.
"أعلم أنك تقلق عليّ، يا أبي. وأنك تريد لي الأفضل،" بدأت ليلى. "وأعلم أنك تبحث عن شاب مناسب لي."
"بالطبع يا ابنتي. هذا واجبي. أريد أن أراكِ سعيدة ومستقرة."
"ولكن يا أبي،" تابعت ليلى، وهي تجمع شجاعتها. "لقد وجدت هذا الشاب. إنه أحمد."
صمت والدها للحظة، وبدت على وجهه علامات المفاجأة، ثم علامات عدم الرضا. "أحمد؟ أحمد الذي يعمل في المزرعة؟"
"نعم يا أبي، إنه هو. أحمد الذي تعرفه. إنه شاب طيب القلب، وصادق، وأنا أحبه." قالت ليلى، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
ارتسمت على وجه السيد رشيد تعابير قاسية. "ليلى، هل جننتِ؟ هل نسيتِ من نحن؟ ومن هو أحمد؟ شاب لا يملك شيئاً، يعيش على الكفاف. كيف لكِ أن تفكري فيه؟"
"لكنه يحبني يا أبي، وأنا أحبه. الحب لا يعرف الفقر والغنى." قالت ليلى بصوت مرتفع قليلاً، لم تستطع كتمان مشاعرها.
"الحب لا يطعم البطون ولا يؤوي الأجساد يا ليلى!" قال والدها بحدة. "يجب أن تكوني واقعية. الزواج مسؤولية، ويتطلب رجلاً قادراً على توفير حياة كريمة لزوجته وأولاده. أحمد ليس كذلك."
"لكنه سيبذل قصارى جهده يا أبي. إنه طموح، ولديه عزيمة." توسلت ليلى.
"العزيمة وحدها لا تكفي. نحن لا نبيع بناتنا لمن لا يملك أساسيات الحياة. سمعتنا في القرية أهم من أي شيء آخر." قال السيد رشيد، وقد استجمع كل قوته ليفرض كلمته.
"ولكن يا أبي، إذا كنتِ تحبين شخصاً، فهل ترفضينه فقط لأنه فقير؟" سألت ليلى، والدموع تنهمر على خديها.
"هذا ليس رفضاً بسبب الفقر، يا ليلى. هذا قرار حكيم. أنتِ تستحقين أفضل من ذلك. أنا لن أسمح لكِ بتدمير مستقبلك." قال والدها، وقد بدت عليه علامات الإصرار.
شعرت ليلى بخيبة أمل عميقة. كان حواراً صعباً، وشعرت بأن جداراً قد ارتفع بينها وبين والدها. خرجت من الديوان وهي تشعر باليأس.
في اليوم التالي، قررت ليلى أن تخبر أحمد بما حدث. قابلته عند مكان لقائهما المعتاد.
"أحمد، لقد تحدثت مع والدي،" قالت ليلى بصوت متعب. "لم يوافق. إنه يرى أنك لا تملك شيئاً، وأنه يجب أن أختار شخصاً آخر."
نظر أحمد إليها، ورأى الحزن الذي يعتصر قلبها. "لا تقلقي يا ليلى. لقد توقعت ذلك. والدكِ رجل له مكانته، ويريد الأفضل لكِ حسب مفهومه."
"ولكنه لا يفهم يا أحمد. لا يفهم أن الحب أهم من المال." قالت ليلى.
"أعلم. لكن هذا لا يعني أن الأمر انتهى. يجب أن نثابر. يجب أن أثبت له أنني رجل يستحق ثقته. سأعمل بجد أكبر، وسأثبت له أنني قادر على بناء مستقبل لنا." قال أحمد بنبرة مليئة بالإصرار.
"ولكن كيف؟ والدي لن يسمح لنا بلقائك مرة أخرى." قالت ليلى، بخوف جديد.
"سنجد طريقة. ربما يمكنني التحدث إلى أحد أعيان القرية، أحد الذين تثق بهم، ليقنع والدكِ." اقترح أحمد.
"ومن هو هذا الشخص؟" سألت ليلى.
"لنفكر في الأمر. ربما الحاج سليمان، لقد عرفه والدي منذ زمن طويل، وكان يحترمه."
"الحاج سليمان رجل طيب،" قالت ليلى. "لكنه أيضاً رجل يقدّر العادات والتقاليد. لا أعرف إن كان سيوافق على مساعدة شخص مثلنا."
"سنحاول. لا يمكننا أن نستسلم الآن." قال أحمد. "يجب أن نؤمن بأنفسنا، وأن نؤمن بحبنا."
بعد هذا اللقاء، بدأت ليلى تشعر ببعض الأمل. كان أحمد قوياً، وإصراره كان يلهمها. لكنها كانت لا تزال خائفة من ردة فعل والدها، ومن أي خطوات قد يتخذها لمعاقبتها أو لفرض رأيه.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى في الفناء الخلفي للمنزل، تساعد والدتها في قطف بعض الأعشاب، سمعت صوتاً مألوفاً. كان صوت والدها يتحدث مع أحد جيرانهم.
"نعم، سمعت أن الفتاة ليلى بدأت تتحدث عن الارتباط. والحمد لله أننا اكتشفنا الأمر مبكراً. لا نريد أن يحدث ما لا يُحمد عقباه." كان يقول والدها.
"ولكن، ألم يكن أحمد شاباً جيداً؟" سأل الجار. "أعرفه، كان يساعدني في بعض أعمال الحقل. يبدو شاباً مجتهداً."
"مجتهد؟ ربما. ولكنه لا يملك شيئاً. ونحن لا نرضى بأقل من المستوى اللائق لابنتنا." قال والدها بلهجة قاطعة.
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. لقد بدأ والدها بالفعل يتخذ خطوات، وبدأ يتحدث عن الأمر مع الآخرين. هذا يعني أن الوضع قد يصبح أكثر تعقيداً.
لم تستطع ليلى تحمل المزيد. ذهبت إلى غرفتها، وجلست تبكي بحرقة. كانت تشعر بأنها محاصرة، وأن مستقبلها يتلاشى أمام عينيها. لكن في وسط كل هذا اليأس، كان هناك شعاع أمل صغير: أحمد. إصراره، وثقته، وحبه. كانت هذه الأشياء هي التي جعلتها تتمسك بالقليل من القوة المتبقية لديها.