شروق يتيم
الفصل 20 — بذرة أمل جديدة
بقلم هند الزهراني
الفصل 20 — بذرة أمل جديدة
وقف أحمد في ديوان السيد رشيد، وقلبه يخفق بشدة، لكن عينيه كانتا تعكسان ثباتاً لم يعرفه من قبل. كان يرى في عيني السيد رشيد مزيجاً من الغضب والدهشة، وفي عيني الحاج سليمان، شيئاً من الفضول والتقييم. أما ليلى، فكانت تقف بجانبه، تحمل في نظرتها له كل الدعم والثقة.
"أحمد،" بدأ السيد رشيد بنبرة قاسية. "لقد تحدثنا عن هذا الأمر. قلت لكِ يا ليلى إنكِ لستِ في حاجة إلى حب لا يوفر لكِ الأمان."
"يا سيد رشيد،" قال أحمد بثبات، وهو ينظر إلى والد ليلى مباشرة. "أعلم أن المال مهم، ولكن هل الحب ليس مهماً؟ هل السعادة لا تبنى على القبول والاحترام المتبادل؟ أنا أحب ابنتكم، وأقسم بالله أنني سأبذل قصارى جهدي لتوفير حياة كريمة لها. ربما لستُ بالثراء الذي تراه مناسباً الآن، ولكن لديّ عزيمة وطموح. وأنا مستعد للعمل ليلاً ونهاراً من أجلها."
نظر الحاج سليمان إلى أحمد، ثم إلى السيد رشيد، وكأنه يزن كلماته. "صحيح يا رشيد، الشاب يبدو صادقاً. ولديه عزيمة. وربما يحتاج إلى فرصة."
"فرصة؟" قال السيد رشيد بتهكم. "وماذا لو فشل؟ ماذا لو لم يستطع توفير ما وعد به؟ هل سنترك ابنتنا تعاني؟"
"لن أعاني يا أبي،" قالت ليلى بصوت قوي. "لأنني مع أحمد. وسأكون سعيدة معه، مهما كان الحال."
"هذا كلام عاطفي يا ليلى،" قال والدها. "الواقع مختلف."
"ولكن يا سيد رشيد،" تدخل الحاج سليمان مرة أخرى. "لماذا لا نعطي الشاب فرصة؟ ربما يمكننا وضع شروط معينة. مثلاً، أن يعمل الشاب تحت إشرافي لبعض الوقت، ليرى بنفسه كيف تسير الأمور. وإذا أثبت جدارته، فلماذا لا؟"
ارتسمت على وجه السيد رشيد علامات التفكر. كانت فكرة الحاج سليمان تبدو له منطقية. إن إشراف شخص يحترمه، مثل الحاج سليمان، قد يخفف من المخاطر.
"هل تضمن لي يا حاج سليمان؟" سأل السيد رشيد.
"أنا أضمن أنني سأعطيه الفرصة، وسأتابعه. أما النجاح، فهو من عند الله، وبجهده هو." قال الحاج سليمان.
نظر السيد رشيد إلى ليلى، ثم إلى أحمد. كان يعرف أن ابنته تحب هذا الشاب، وأنها لن تستسلم بسهولة. وربما كان إصراره قد زاده تعقيداً.
"حسناً،" قال السيد رشيد أخيراً، بعد صمت طويل. "إذا كان الحاج سليمان مستعداً للإشراف على أحمد، وإذا كان أحمد مستعداً للعمل بجد تحت إشرافه، فسأعطيكما فرصة."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه ليلى. احتضنت أحمد بسرعة، وشعرت بأنها على وشك البكاء من الفرح.
"ولكن،" تابع السيد رشيد بلهجة حازمة. "يجب أن يكون الخطوبة رسمية، وبعدها الزواج في وقت قريب. لن أسمح بالاستهتار بسمعة العائلة."
"بالطبع يا سيد رشيد،" قال أحمد بحماس. "سنلتزم بكل ما تراه مناسباً."
"والحاج سليمان،" قال السيد رشيد، موجهاً كلامه للحاج. "أرجو أن تشرف على هذا الشاب، وأن تتأكد من جديته. لا نريد أن نخيب ظننا."
"لا تقلق يا رشيد،" قال الحاج سليمان. "سأقوم بواجبي."
خرج أحمد وليلى من الديوان، وقلوبهما مليئة بالأمل. لقد كانت معركة شاقة، ولكنها انتهت بنصر. لقد فتحت بذرة أمل جديدة لمستقبلهما.
في الأيام التالية، بدأ أحمد العمل بجد تحت إشراف الحاج سليمان. كان يعمل في مزرعة الحاج، ويتعلم أصول الزراعة والإدارة. كان يشعر بالمسؤولية تجاه ليلى، وتجاه وعده. كان يعمل بكل طاقته، ويحاول أن يثبت للسيد رشيد، وللحاج سليمان، ولنفسه، أنه قادر على تحقيق أحلامه.
كانت ليلى تشجعه دائماً، وتدعمه. كانت تعلم أن الطريق أمامهما لن يكون سهلاً، ولكنها كانت مؤمنة بحبهما، وقدرتهما على التغلب على الصعاب.
تحدث السيد رشيد مع الحاج سليمان عدة مرات، وكان الحاج يطمئنه على أداء أحمد. بدأت نظرة السيد رشيد تجاه أحمد تتغير تدريجياً. بدأ يرى فيه شاباً مجتهداً، وصادقاً، يستحق فرصة.
بعد عدة أشهر من العمل الجاد، وبفضل إصرار أحمد، وإشراف الحاج سليمان، استطاع أحمد أن يجمع مبلغاً جيداً من المال، وأن يثبت جدارته. كان السيد رشيد قد اقتنع أخيراً، وبدأ في التحضير لخطبة رسمية.
كانت الخطبة مناسبة بسيطة، لكنها كانت تحمل الكثير من المعاني. كانت نهاية لخوف وبداية لأمل. ليلى، وهي ترتدي أجمل ثوب لها، كانت تشعر بسعادة غامرة وهي تنظر إلى أحمد. أحمد، الذي أصبح خطيبها، والذي وعدها بحياة سعيدة.
لقد كانت رحلة طويلة وشاقة، مليئة بالعقبات والشكوك. ولكن بفضل الحب، والإصرار، والدعم، بدأت شمس الأمل تشرق على حياة ليلى وأحمد. كانت هذه بداية جديدة، بداية لحياة مشتركة، مليئة بالتحديات، ولكنها مليئة أيضاً بالحب والسعادة.