شروق يتيم
بالتأكيد، سأكمل رواية "شروق يتيم" بالفصول من 21 إلى 25، مع الالتزام الكامل بالمعايير المطلوبة.
بقلم هند الزهراني
بالتأكيد، سأكمل رواية "شروق يتيم" بالفصول من 21 إلى 25، مع الالتزام الكامل بالمعايير المطلوبة.
رواية: "شروق يتيم" المؤلف: هند الزهراني
الفصل 21 — أسرار تكشف ستائرها
كان الصمت يلف منزل الجدة فاطمة كوشاح ثقيل، تتخلله أنفاس متقطعة ودموع صامتة. لم تكن زينب تتوقف عن التفكير في كلمات عمها علي، تلك الكلمات التي هزت أركان عالمها الهش. "كان لوالدك أعداء". عبارة بسيطة، لكنها حملت في طياتها ألف سؤال وألف قلق. كيف يمكن لوالدها، الرجل الذي عرفته دائمًا بقلبه الطيب وابتسامته الهادئة، أن يكون له أعداء؟ ومن هم هؤلاء الأعداء؟ ولماذا؟
في غرفتها، حيث كانت تجلس على حافة السرير، تشاهد خيوط الشمس المتسللة من النافذة ترسم أشكالاً هندسية على الأرضية الخشبية، كانت زينب تشعر بأنها تقف على حافة هاوية. كل ما اعتقدت أنه حقيقة راسخة بدأ يتلاشى، ليحل محله ضباب كثيف من الغموض. نظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط، إلى عينيه اللتين تعكسان دفء الأبوة، وتساءلت: "يا أبي، ما هي الأسرار التي أخفيتها عني؟ ما هي المعارك التي خضتها وحدك؟"
في تلك الأثناء، كان عمها علي يجلس في مجلسه، وجهه يعكس حزناً عميقاً وصراعاً داخلياً. لم يكن يتمنى أن يكشف هذه الأسرار لابنة أخيه في وقت كهذا، ولكن الضغط الذي تعرض له من قبل الرجل الغامض الذي زاره في مكتبه كان يفوق قدرته على التحمل. لقد حذره الرجل بلهجة قاطعة: "إذا لم تتوقف عن البحث في الماضي، ستندم على اليوم الذي ولدت فيه. لا تدع الفتاة تتدخل فيما لا يعنيها."
تذكر علي تلك اللحظة التي اقتحم فيها الرجل مكتبه. كان طويل القامة، بشعر أسود كثيف وعينين باردتين تشعان ببرود غير مألوف. تقدم بخطوات واثقة، وجلس على الكرسي المقابل لعلي دون استئذان. "سمعت أنك تبحث في قضية والدك"، قال الرجل بصوت أجش، لم يرفع نبرته، لكن كلماته كانت تحمل تهديداً صريحاً. "هناك أمور يجب أن تبقى مدفونة، يا سيد علي. بعض الجروح يجب ألا تُنبش."
شعر علي ببرودة تسري في عروقه. حاول أن يبدو هادئاً، لكن قلبه كان ينبض بعنف. "ما تقصده؟" سأل بحذر.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه. "أقصد أن والد زينب لم يكن الشخص الذي تعتقد أنه كان. كانت لديه صفقات، ورجال لم يعجبهم الأمر. نهايته لم تكن حادثاً عارضاً، بل نتيجة حتمية لأخطائه."
"لا يمكنك أن تقول هذا!" اعترض علي بغضب. "والدي كان رجلاً شريفاً!"
"الشرف مفهوم نسبي"، رد الرجل ببرودة، ثم نهض. "أنا أنصحك، من باب المحبة، أن تبتعد عن هذا الموضوع. لا تجعل ابنة أخيك تدفع ثمن فضولك. هناك أشياء كثيرة لا تعلمها، وأفضل لك ألا تعلمها."
غادر الرجل، تاركاً علي في حالة من الذهول والرجفة. لقد أيقن حينها أن هناك مؤامرة حقيقية، وأن والد زينب لم يمت في حادث عادي. كان عليه أن يحمي زينب، وأن يحميها من الحقيقة التي ربما تكون مؤلمة أكثر من اللازم.
عاد إلى الواقع، وعاد بصره إلى وجه زينب الحزين الذي ظهر فجأة عند مدخل مجلسه. كانت تقف هناك، عيناها الواسعتان تبحثان عن إجابات. "عمي"، قالت بصوت مرتجف، "هل لي أن أسألك شيئاً؟"
شعر علي بثقل العالم كله يقع على كتفيه. كيف يفسر لابنته يتيمة أن والدها كان متورطاً في أمور خطيرة؟ كيف يوازن بين ضرورة الحقيقة والخوف عليها؟
"تفضلي يا ابنتي"، قال بصوت متعب، محاولاً أن يرسم على وجهه ابتسامة مطمئنة، لكنها لم تنجح.
"كلماتك... عن والدي... هل تقصد أن هناك شيئاً لم أعرفه؟" سألت، وعيناها تقدح منها نظرات قلقة. "هل توفي في حادث؟ أم أن هناك..." ترددت في إكمال جملتها، وكأنها تخشى سماع الإجابة.
وقف علي واقترب منها. وضع يده على كتفها بحنان. "يا زينب، والدك كان رجلاً عظيماً. أحبك أكثر من أي شيء في هذا العالم. ولكن، نعم، كانت هناك بعض الأمور المعقدة في حياته المهنية. بعض الأشخاص لم يكونوا راضين عنه."
"من هم؟ وماذا فعلوا؟" أصرت زينب، وقد امتزج خوفها بفضول قوي.
تنهد علي بعمق. "لا أعرف التفاصيل الدقيقة يا ابنتي. والدك كان يحب أن يحمينا، وكان يفعل ذلك دائماً. ربما أراد أن يبعدنا عن بعض المشاكل."
"ولكنك قلت إن له أعداء"، قالت زينب، والصوت يكاد ينقطع. "هل كانوا يريدون إيذاءه؟"
نظر علي إلى عينيها الصادقتين، إلى هذا البريق الذي لم يره في عيني والدها منذ زمن طويل. شعر بمسؤولية ضخمة تقع على عاتقه. لم يعد الأمر مجرد التزام تجاه أخيه الراحل، بل أصبح واجباً تجاه هذه الفتاة التي تحمل جزءاً من روحه.
"يا زينب"، قال بصوت أقوى، "والدك لم يمت في حادث عادي. لقد تعرض لظلم كبير. وهناك أناس يريدون أن تبقى الحقيقة مخفية. أنا أخشى عليك، أخشى أن يتعرضي للأذى إذا عرفوا أنك بدأت تبحثين."
اتسعت عينا زينب صدمة. "ظلم؟ أناس يريدون إخفاء الحقيقة؟ عمي، أنت تقول إنهم قتلوه؟"
أمسك علي بذراعيها، ونظر في عينيها مباشرة. "لا أستطيع أن أؤكد ذلك يا زينب، لكنني أخشى ذلك. والأهم الآن هو أن نحمي أنفسنا. سأكون معك، ولن أدع أحداً يؤذيك. لكن يجب أن نكون حذرين جداً."
شعرت زينب بأن العالم كله ينهار من حولها. والدها، الرجل الذي كانت تراه رمزاً للأمان، لم يكن مجرد رجل أعمال عادي، بل كان ضحية صراع غامض. الدموع انهمرت من عينيها، ليس حزناً على فقدانه، بل ألماً على الأسرار التي حملها، وعلى الموت الذي لم يكن نهاية طبيعية.
"ولكن لماذا؟" همست. "لماذا يفعلون ذلك؟"
"لأنه كان أقوى منهم، لأنه كان يمتلك شيئاً يريدونه"، قال علي، وهو يفكر في الكلمات الغامضة للرجل الذي زاره. "المهم الآن هو أن تعرفي أنك لست وحدك. أنا معك، والجدة فاطمة معك. وسنكتشف الحقيقة معاً، ولكن بحذر شديد."
في تلك اللحظة، شعرت زينب بشيء من القوة يتسلل إليها. لم تكن مجرد فتاة يتيمة تبكي على ماضيها، بل أصبحت جزءاً من لغز كبير. لم تعد تخشى الظلام بقدر ما أصبحت ترغب في كشفه. لقد بدأت رحلة البحث عن الحقيقة، رحلة ستحدد مستقبلها.