شروق يتيم
الفصل 22 — لقاء في الظلام
بقلم هند الزهراني
الفصل 22 — لقاء في الظلام
تسللت خيوط الفجر الأولى إلى غرفة زينب، لتوقظها من سبات لم يجلبه الهدوء، بل رافقه القلق العميق. لم تكن كلمات عمها علي مجرد أخبار، بل كانت أشبه بتلقي ضربة قاضية. فكرة أن والدها لم يمت موتاً طبيعياً، وأن هناك "أعداء" كانوا سبباً في ذلك، كانت فكرة مرعبة وصادمة. جلست على حافة سريرها، تحدق في الفراغ، وتحاول استيعاب حجم المفاجأة.
"والدي... قُتل؟" همست لنفسها، والكلمة كانت ثقيلة على لسانها. كل صورة لوالدها، كل ذكرى طيبة، بدأت تتلون بلون مظلم، بلون مؤامرة غامضة. تساءلت: كيف يمكن لرجل كان يملأ الدنيا ضحكاً وحناناً أن يكون قد تعرض لهذا المصير؟ ومن هم هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا أن يرتكبوا مثل هذا الفعل الشنيع؟
كانت جدتها فاطمة تشعر بعبء هذه الأسرار أكثر من أي شخص آخر. في كل مرة كانت تنظر فيها إلى زينب، كانت ترى وجه ابنها الراحل، وتتذكر الأيام التي كانت فيها الحياة أبسط وأكثر أمناً. لقد عانت كثيراً في حياتها، وفقدان ابنها كان أكبر صدمة، لكنها لم تتخيل قط أن يكون موته نتيجة لمؤامرة.
"يا فاطمة، هل أنت متأكدة؟" سألت زينب عمها علي في الصباح، بينما كانوا يجلسون لتناول الإفطار. كان الصمت يخيم على المائدة، ولم يجرؤ أحد على كسر رتابة الأكل.
نظر علي إلى زينب، ورأى فيها نفس القلق الذي يشعر به. "لقد رأيت ما لم يكن يجب أن أراه يا زينب. لقد تحدث معي أحدهم، شخص لم يكن يريدني أن أبحث في الماضي. كلماته كانت تحمل تهديداً واضحاً. وأنا أخشى أن يكون لوالدك أعداء حقيقيون."
"ولكن من؟ ولماذا؟" ألحّت زينب. "ما الذي كان يملكه والدي ويجعل هؤلاء الناس يكرهونه لهذه الدرجة؟"
تنهد علي. "والدك كان رجلاً ناجحاً، وكان له صفقات كبيرة. ربما كان هناك منافسون، أو ربما كانت هناك أشياء لم نكن نعرفها عن طبيعة عمله. كل ما أعرفه هو أنني أخشى عليك. هؤلاء الأشخاص لا يريدون أن تكشفي الحقيقة."
"ولكن لا يمكن أن نبقى هكذا!" قالت زينب بلهجة قوية، رغم الرجفة التي كانت تعلو صوتها. "يجب أن نعرف الحقيقة. لا يمكن أن أعيش حياتي وأنا أتساءل عن سبب وفاة والدي."
نظرت الجدة فاطمة إلى زينب، وعيناها تلمعان بالحزن والقوة. "ابنتي، أنا معك. إذا كانت هذه الحقيقة ستساعدك على المضي قدماً، فسوف نبحث عنها. ولكن علينا أن نكون حذرين. والدك كان يحمينا دائماً، والآن علينا أن نحمي أنفسنا."
بعد الإفطار، وبعد أن وعد علي زينب بأنه سيحاول البحث عن أي خيوط قد تقوده إلى الحقيقة، قررت زينب أن تقوم بشيء لم تفعله من قبل. كانت بحاجة إلى الابتعاد قليلاً، إلى مكان هادئ تفكر فيه. قررت أن تذهب إلى مكتبة والدها القديمة، المكان الذي قضى فيه ساعات طويلة من حياته.
كانت المكتبة لا تزال على حالها، تحتفظ برائحة الكتب القديمة والورق، وتفوح منها رائحة والدها التي كانت زينب تتذكرها جيداً. جلست على كرسي والدها الجلدي المريح، وبدأت تتفحص رفوف الكتب. لم تكن تعرف ماذا تبحث عنه بالضبط، ربما مجرد إحساس، أو ربما ورقة سقطت سهواً، أو دفتر ملاحظات قديم.
مرت ساعات وهي تتفحص الأوراق والملفات. كل شيء كان يبدو طبيعياً، ملفات العمل، عقود، فواتير. ولكن وسط كل هذه الأوراق، وقع نظرها على مجلد سميك، ملفوف بشريط بني. لم يكن عليه أي اسم، وكان مخبأً في زاوية بعيدة من الرف. شعرت بشيء غير عادي تجاه هذا المجلد، وكأنه يناديها.
بحذر، أمسكت بالمجلد وفتحته. كانت بداخله مجموعة من الأوراق، صور، وبعض الرسائل المكتوبة بخط يد والدها. لم تكن هذه الرسائل عادية، بل كانت تحمل عناوين غريبة، وتتحدث عن "مشروع سري" وعن "صفقة قد تغير كل شيء". بدأت تقرأ، وكلما قرأت أكثر، شعرت بأنها تقترب من عالم آخر، عالم لم تكن تعرف أن والدها يعيش فيه.
من بين الأوراق، وجدت صوراً لوالدها مع رجال لا تعرفهم، رجال ذوي وجوه عابسة ونظرات حادة. كانت هناك أيضاً بعض الأوراق التي تحتوي على أرقام وحسابات معقدة، لم تفهم منها شيئاً، ولكنها شعرت بأنها مهمة.
ثم، وجدت رسالة، مكتوبة بخط يد والدها، لكنها كانت تحمل طابعاً من الخوف والقلق. كانت موجهة إلى شخص مجهول، وتقول: "لقد اكتشفت الحقيقة. إنهم لا يريدون لي أن أكمل. إذا حدث لي شيء، فتأكدي أن هذه الأوراق ستكشف كل شيء. لا تثقي بأحد، حتى أقرب الناس إليك. الحذر واجب."
شعرت زينب بالدموع تترقرق في عينيها. كانت هذه الرسالة دليلاً قاطعاً على أن والدها كان يعلم بخطره، وأنه كان يحاول حمايتها، ربما حتى بعد وفاته. ولكن من هو الشخص الذي كان يوجه إليه هذه الرسالة؟ ومن هم "هم" الذين كان يخشاهم؟
بينما كانت غارقة في أفكارها، سمعت صوت باب المكتبة يُفتح ببطء. رفعت رأسها بسرعة، قلبها ينبض بقوة. رأت ظلاً يقف عند المدخل، ولم تستطع تمييز ملامحه بوضوح.
"من هناك؟" سألت بصوت مرتجف، وهي تضع المجلد تحت ذراعها، محاولة إخفاءه.
لم يأتي رد، ولكن الظل تقدم ببطء. عندما اقترب أكثر، تمكنت زينب من رؤية ملامح الرجل. كان هو نفس الرجل الغامض الذي زار عمها علي في مكتبه. الرجل ذو العينين الباردتين والشعر الأسود.
"أهلاً يا آنسة زينب"، قال الرجل بصوت هادئ، لكنه كان يحمل نبرة تهديد خفية. "لقد سمعت أنك تبحثين في أشياء لا تخصك."
شعرت زينب بالخوف يسيطر عليها. هل كان يراقبها؟ هل عرف أنها وجدت المجلد؟ "أنا... أنا فقط أنظر إلى ممتلكات والدي"، تلعثمت.
ابتسم الرجل ابتسامة باردة. "ممتلكات والدك كانت مصدر قلق للكثيرين. وبعض هذه الممتلكات كان يجب أن تبقى مدفونة. لم يكن والدك رجلاً بسيطاً كما كنت تظنين."
"ماذا تعرف عن والدي؟" سألت زينب، محاولة استجماع شجاعتها.
"أعرف أكثر مما تتخيلين"، رد الرجل. "وأعرف أنك بدأت تقتربين من أسرار لا يجب أن تعرفيها. أنا هنا لأقدم لك نصيحة أخيرة: ابتعدي عن هذا الطريق. لا تجعلي نفسك هدفاً."
"ولكن لماذا؟" صرخت زينب، لم تعد تحتمل هذه الألغاز. "ماذا فعل والدي؟"
"لقد حاول أن يغير قواعد اللعبة"، قال الرجل، ونظرته ثابتة. "وكان هناك من لا يريدون هذا التغيير. الآن، عودي إلى حياتك الطبيعية، وانسِ كل ما رأيتيه أو سمعتيه. إذا لم تفعلي، فقد يكون الثمن غالياً."
دون أن ينتظر رداً، استدار الرجل وغادر المكتبة، تاركاً زينب ترتجف، وقلبها يدق بعنف. لقد أدركت أن هذه الأسرار ليست مجرد ماضٍ غامض، بل هي خطر حقيقي يهدد حياتها. لقد اكتشفت أن والدها لم يكن مجرد أب صالح، بل كان رجلاً في معركة، معركة لم تنتهِ بوفاته.